"في وعي يوسف الداخلي والبعيد، ذاك الذي يشبه تذكر الحالمين مناماتهم في اليقظة، أن الناس جميعاً يرونه وضيعاً مهاناً، وكذلك يرون أباه وأخوته، لكن من دون أمه التي، على خلاف أبيه، ليس في وعيها.. الباطن، أثر للرهاب من الناس. وبقدر ما كان أبو ذيب مصاباً بهذا الرهاب، كان في دخيلة نفسه، وفي كل هنيهة من حياته، وحيداً مستوحشاً وممتلئة عزلة، كعقرب في جحره، أو كبئر في قفر، لكن صبوراً على هذا كله صبر الإبل ومكابرتها على ظمئها في الصحارى. غير أن عقربه ما كان يخرج من جحره إلا لبلوغ أقرب الناس إليه، أي الذي بينهم وبينه قرابة دموية، كزوجته وأولاده، لا ليؤذيهم، إنما ليريهم ويري نفسه كم هو متعذب ومتألم، وكم يتوق إلى الخلاص من وضاعته ومهانته. لذا من ألم وانتقام لنفسه ولأولاده، وتوقاً إلى خلاصهم جميعاً، كان يضربهم ويشتم أمهم لأنها، في حضها إياه على طلب الخلاص مما هو فيه، كانت، كما الناس الغرباء، تريه نفسه مهاناً وضيعاً. وها هو ذا يوسف، بقوة وضاعته ومهانته وطاقتها، يمشي إلى جانب معروف باتجاه حرج الصنوبر الكبير، بعد خروجهما من الإسطبل. لم يعلن أحدهما للآخر، أنهما ذاهبان إلى هناك، بل مشيا صامتين ساكتين في قيظ ما بعد الظهيرة الخانق. كان كل منهما موقناً في دخيلة نفسه أن الآخر يعلم أنهما ذاهبان إلى الحرج الكبير الذي، كلما ذهبا إليه، ما كان يقيسان بالخطوات بعده من الحي، بل بقوة شعورهما، حين يجتازان بوابته، أنهما ابتعدا من العالم كله والناس جميعاً، إلى عراء مقفر لا أثر فيه لغير المرمل والرمل، وجذوع الصنوبر التي لا تحصى في انتصابها كأعمدة كئيبة في الرمل، وللأزبز الهائل للجنادب الملذوعة بنزق اللهب الشمسي في أعالي الأشجار، ولرجال وفتيان متباعدين، غامضين غموض الإثم، ومستوحشين وحشة الرمل في قيظ الظهيرة".
تغريك الرواية فتعدو بنظرك متابعاً أحداثها بشغف إلى آخر حدث أسدل الستار على مشاهد لسكان الصور. يلاحق الكاتب شخصياته مسجلاً حركاتهم سكناتهم أفكارهم وتداعياتها التي تخلق أجواءً ومناخات عابقة بروائح الإثم والألم والغواية والشهرة والانطلاق ورائها كما الخيول، التي أخذت حيّزاً هاماً في جوانب هذه الرواية، في عدوها وراء اللامقيد. يجتاز الروائي في عباراته وفي تصوراته وفي تصويراته حدود المحرم لا لكسب عدد قرّاء، بل لكسب نوعية من القراء تبحث عن دواخل النفوس بعد تعرية أصحابها من رداءات اجتماعية تسترن فيها، وبعد خلع أقنعة وقار اختفين وراءها. صنعة روائية تكشف عن عمل أديب مبدع أراد التعبير عن سقطات الإنسان على طريقته.
ولد محمد أبي سمرا عام 1953 في قرية شبعا الجبلية النائية . ثم انتقل ووالدته وأخواه عام 1962 إلى ضاحية بيروت . تخرج في دار المعلمين عام 1977 ثم بدأ العمل في الصحافة الثقافية إلى جانب عمله بالتعليم ككثير من أقرانه المدرسين الصحافيين الملتزمين بالقومية والعروبة والأحزاب العقائدية . نال شهادة دبلوم في علم الاجتماع الثقافي عام 1984 ، وكانت أطروحته حول الأخوين رحباني وفيروز وتأثيرهم على الحياة اللبنانية . بعدها سافر إلى ليون عام 1985 هرباً من حمى الحرب .
وفي فرنسا كتب روايته الأولى بولين وأطيافها التي نشرت عام 1990 ببيروت ، تلتها الأعمال الآتية : الرجل السابق ، رواية ، دار الجديد 1995 سكان الصور ، رواية ، دار النهار 2003 كزابلانكا بيروت كردستان ، سيصدر غضون 2004 -- نقلا عن المنتدي الادبي الالماني العربي - مداد
أن الشكل النفسي لشخصيات الرواية خرج بطريقة رائعة من حيث ظاهر الشخصيات في حالة من الحرب مع بعضهم من أجل التعايش في مكان جديد جاءوا اليه من أماكن مختلفة، وخلق هذا الصراع والحرب روح للعمل
محاولة لتصوير نمط العلاقات بين نازحي الريف وسكان المدن، مع الإضاءة على الاختلاف الطائفي. الشخصيات مبعثرة وغير ذات نهايات وعلاقاتها ببعضها تبدأ ثم تضيع الرواية لم تعجبني,