في هذا الكتاب بحث لطلاب الحقيقة، من مسلمين وغير مسلمين، وهو بحث أساسه العلم والفكر، ومحوره الفقه والتاريخ، وهدفه البناء لا الهدم، والتوحيد لا التفريق. فيه يبين الدكتور القرضاوي معتمداً على أوثق المصادر، وأقوى الأدلة، الوضع الشرعي لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي، من جهة ما لهم من حقوق، كفلها الإسلام، وما لهذه الحقوق من ضمانات، وما عليهم إزاءها من واجبات، وما أثير حول هذه الواجبات من شبهات، وكيف عاش هؤلاء الذين منحهم الإسلام ذمة الله وذمة رسوله وذمة جماعة المسلمين، طوال العصور الماضية خصوصاً العصور الذهبية الأولى، مقارناً ذلك بما صنعته الأديان الأخرى، وما تضنعه العقائد الايديولوجيات الثورية المعاصرة بمخالفيها.
ولد الدكتور/ يوسف القرضاوي في إحدى قرى جمهورية مصر العربية، قرية صفت تراب مركز المحلة الكبرى، محافظة الغربية، في 9/9/1926م وأتم حفظ القرآن الكريم، وأتقن أحكام تجويده، وهو دون العاشرة من عمره. التحق بمعاهد الأزهر الشريف، فأتم فيها دراسته الابتدائية والثانوية. ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ومنها حصل على العالية سنة 52-1953م. ثم حصل على العالمية مع إجازة التدريس من كلية اللغة العربية سنة 1954م . وفي سنة 1958حصل على دبلوم معهد الدراسات العربية العالية في اللغة والأدب. وفي سنة 1960م حصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين. وفي سنة 1973م حصل على (الدكتوراة) بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من نفس الكلية، عن: "الزكاة وأثرها في حل المشاكل الاجتماعية".
أول كتاب أقرأه للشيخ القرضاوي وقد أعجبني فيه ردوده وحسن صياغة كلامه ... إقتطفت هنا أهم ما كُتِبَ في موضوع الكتاب مما يكون موضع نقاش عادةً في الجدالات الفكرية ولم أضف شئ سواء بتعليق أو تعديل لكوني أتفق في الغالب معه.
♦️ في مسئلة لا يقتل مسلم بكافر يقول الشيخ القرضاوي :
● ذهب الشعبى والنخعى وابن أبى ليلى وعثمان البتى وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن المسلم يفعل بالذمى لعموم النصوص الموجبة للقصاص من القرأن والسنّة ولاستوائها فى عصمة الدم المؤبدة وما حدث مع السلف . وقد صح عن عمر بن عبد العزيز : أنه كتب إلى بعض أمرائه فى مسلم قتل ذمياً فأمره أن يدفعه إلى وليه فإن شاء قتله وإن شاء عفا عنه... فدفع إليه فضرب عنقه( المصنف لعبدالرزاق الجزء 1 ص 1.1 / 1.2 ) وما روى أن عليا أتى برجل من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة فقامت عليه البيّنة فأمر بقتله فجاء أخوه فقال : إنى قد عفوت قال : فلعلهم هددوك قال : لا ولكن قتله لا يرد على أخى وعوضوا لى ورضيت قال : أنت أعلم ؛ من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا ( أخرجه الطبرائى والبيهقى / السنن الكبري ج 8 ص 34 )
● ولهذا يُقطع المسلم بسرقة مال غير المسلم مع أن أمر المال أهون من النفس وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يقتل مسلم بكافر » ؛ فالمراد بالكافر المحارب وبذلك تتفق النصوص مع القرأن وأفعال الصحابة والسلف ولا تختلف. وهذا هو المذهب الذى اعتمدته الخلافة العثمانية ونفذته فى أقاليمها المختلفة منذ عدة قرون.
♦️ في مسألة الجزية ومنع أخذها من الشيوخ وغير القادريين يقول :
● ففى عقد الذمة الذى كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق وكانوا من النصارى : « وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله » .. وكان هذا فى عهد أبى بكر الصدّيق وبحضرة عدد كبير من الصحابة وقد كتب خالد به إلى الصديق ولم ينكر عليه أحد ومثل هذا يعد إجماعاً ( رواه أبو يوسف في الخراج ص 144 ). ورأى عمر بن الخطاب شيخأ يهودياً يسأل الناس فسأله عن ذلك ؛ فعرف أن الشيخوخة والحاجة الجأتاه إلى ذلك فأخذه وذهب به إلى خازن بيت مال المسلمين وأمره أن يفرض له ولأمثاله من بيت امال ما يكفيهم ويصلح شأنهم وقال فى ذلك : ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شاباً ثم نخذله عند الهرم ( نفس المصدر السابق في باب الخراج ص 126 ) .
♦️ في بناء الكنائس ودار العبادة ينقل القرضاوي :
يبدو أن العمل جرى على هذا فى تاربخ المسلمين ( التسامح في بناء الكنائس ؛ وذلك منذ عهد مبكر ...فقد بنيت فى مصر عدة كنائس فى القرن الأول الهجرى ؛ مثل كنيسة « مار مرقص » بالإسكندرية ما بين ( 39 - 56 ه ) كما بُنيت أول كنيسة بالفسطاط فى حارة الروم ؛ فى ولاية مسلمة بن مخلد على مصر بين عامى ( 47 - 68 ) كما سمح عبد العزيز بن مروان حين أنشأ مدينة « حلوان » ببناء كنيسة فيها وسمح كذلك لبعض الأساقفة ببناء ديرين .
وهناك أمثلة أخرى كثيرة وقد ذكر المؤرخ المقريزى فى كتابه « الخطط » أمثلة عديدة ثم ختم حديثه بقوله : وجميع كنائس القاهرة المذكورة محدثة فى الإسلام بلا خلاف ( الدعوة إلي الإسلام توماس أرنولد ص 84 - 86 ).
♦️ عن العدل مع المخالف يسرد لنا الشيخ القرضاوي ما فعله خير سلف الأمة وفقهاء الإسلام :
● وأشهر الأمثلة على ذلك قصة القبطى مع عمرو بن العاص والى مصر حيث ضرب ابن عمرو ابن القبطى بالسوط وقال له : أنا ابن الأكرمين ! فما كان من القبطى إلا أن ذهب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى المدينة وشكا إليه فاستدعى الخليفة عمرو بن العاص وابنه وأعطى السوط لابن القبطى وقال له : اضرب ابن الأكرمين فلما انتهى من ضربه التفت إليه عمر وقال له : أدرها على صلعة عمرو فإنما ضربك بسلطانه فقال القبطى : إفا ضربت من ضربنى . ثم التفت عمر إلى عمرو وقال كلمته الشهيرة : « يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً » ؟
ويعلق الشيخ فيقول : وما يستحق التسجيل فى هذه القصة أن الناس قد شعروا بكرامتهم وإنسانيتهم فى ظل الإسلام حتى إن لطمة يلطمها أحدهم بغير حق يستنكرها ويستفبحها وقد كانت تقع آلاف مثل هذه الحادثة وما هو أكبر منها فى عهد الرومان وغيرهم فلا يحرك بها أحد رأسا ولكن شعور الفرد بحقه وكرامته فى كنف الدولة الإسلامية جعل المظلوم يركب المشاق وعناء السفر الطوبل من مصر إلى المدينة المنورة واثقاً بأن حقه لن يضيع وأن شكاته ستجد أذناً صاغية .. وإذا لم يصل أمر الذمى إلى الخليفة أو كان الخليفة نفسه على طريقة واليه فإن الرأى العام الإسلامى الذى يتمثل فى فقهاء المسلمين وفى المتدينين كافة يقف بجوار المظلوم من أهل الذمة ويسانده .
● ومن الأمثلة البارزة على ذلك : موقف الإمام الأوزاعى من الوالى العباسى فى زمنه عندما أجلى قوما من أهل الذمة من جبل لبنان لخروج فريق منهم على عامل الخراج وكان الوالى هذا أحد أقارب الخليفة وعصبته وهو صالح ابن على بن عبد اللّه بن عباس فكتب إليه الأوزاعى رسالة طويلة كان ما قال فيها : « فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة حتى يخْرجوا من ديارهم وأموالهم ؟ وحكم الله تعالى : ( ألا تزر وازرة وزر أخري ) وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله فإنه قال : « من ظلم ذميأ أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه » ... إلى أن يقول فى رسالته : « فإنهم ليسوا بعبيد فتكون فى حل من تحويلهم من بلد إلى بلد ولكنهم أحرار أهل ذمة ». ولم يعرف تاريخ المسلمين ظلماً وقع على أهل الذمة واستمر طويلا فقد كان الرأى العام - والفقهاء معه دائما - ضد الظلمة والمنحرفين وسرعان ما يعود الحق إلى تصابه .
♦️ عن الجزية والخراج يقول :
● أما الجزية فهى ضريبة سنوية على الرؤوس تتمثل فى مقدار زهيد من المال يفرض على الرجال البالغين القادرين على حسب ثرواتهم أما الفقراء فمعفون منها إعفاء تاما قال تعالى : «لا يكلف اللهُ نَفسا إلا ما أتاها » وليس للجزية حد معيّن وإنما ترجع إلى تقدير الإمام الذى عليه أن يراعى طاقات الدافعين ولا يرهقهم كما عليه أن يرعى المصلحة العامة للأمة وقد جعل الخليفة عمر الجزية على الموسرين 48 درهما وعلى المتوسطين فى اليسار 24 وعلى الطبقة الدنيا من الموسرين 12 درهما وبهذا سبق الفكر الضريبى الحديث فى تقرير مبدأ تفاوت الضريبة بتفاوت القدرة على الدفع ولا تعارض بين صنيع عمر وقول النبى كله لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : « خذْ من كل حالم دينار » لأن الفقر كان فى أهل اليمن أغلب فراعى النبى حالتهم . والأصل فى وجوب الجزية من القرآن قرله تعالى فى سورة التوبة : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتي يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ومعنى «الصغار» هنا التسليم وإلقاء السلاح والخضوع لحكم الدولة الإسلامية.
● أوجب الإسلام على أبنائه « الخدمة العسكرية » - باعتبارها « فرض كفاية » أو « فرض عين » - وناط بهم واجب الدفاع عن الدولة وأعفى من ذلك غير المسلمين وإن كانوا يعيشون فى ظل دولته . ذلك أن الدولة الإسلامية دولة « عقائدية » أو - بتعبير المعاصرين - دولة « أيديولوجية » أى أنها دولة تقوم على مبدأ وفكرة ومثل هذه الدولة لا يقاتل دفاعاً عنها إلا الذين يؤمنون بصحة مبدئها وسلامة فكرتها .. وليس من المعقول أن يؤخذ شخص ليضع رأسه على كفه ويسفك دمه من أجل فكرة يعتقد ببطلانها وفى سبيل دين لا يؤمن به والغالب أن دين المخالفين ذاته لا يسمح لهم بالدفاع عن دين آخر والقتال من أجله . ولهذا قصر الإسلام واجب « الجهاد » على المسلمين ؛ لأنه يعد فريضة دينية مقدسة وعبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه حتى إن ثواب المجاهد ليفضل ثواب العابد القانت الذى يصوم النهار ويقوم الليل ولهذا قال الفقهاء : إن أفضل ما يتقرب به المسلم من العبادات هو الجهاد . ولكن الإسلام فرض على هؤلاء المواطنين من غير المسلمين أن يسهموا فى نفقات الدفاع والحماية للوطن عن طريق ما عرف فى المصطلح الإسلامى باسم « الجزية » . يقول المؤرخ الغربى آدم متز : « كان أهل الذمة - بحكم ما يتمتعون به من تسامح المسلمين معهم ومن حمايتهم لهم - يدفعون الجزية كل منهم بحسب قدرته .. وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطنى فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح فلا يدفعها ذوو العاهات .. ولا المترهبون وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار » ( الحضارة الغسلامية ج 1 ص 96 )
● على أن هناك علة أخرى لإيجاب الجزية على أهل الذمة ؛ وهى العلّة التى تبرر فرض الضرائب من أى حكومة فى أى عصر على رعاياها وهى إشراكهم في نفقات المرافق العامة التي يتمتع الجميع بثمراتها ووجوه نشاطها كالقضاء والشرطة وما تقوم به الدولة من إصلاح الطرق وإقامة الجسور وما يلزمها من كفالة المعيشة الملائمة لكل فرد يستظل بظلها - مسلما كان أو غير مسلم ... والمسلمون يسهمون فى ذلك بما يدفعونه من زكاة عن نقودهم وتجاراتهم وأنعامهم وزرعهم وثمارهم فضلاً عن صدقة الفطر وغيرها فلا عجب أن يطلب من غير المسلمين المساهمة بهذا القدر الزهيد وهو الجزية الذي يحدده الحاكم .
● وتساقط الجزية أيضاً باشتراك أهل الذمة مع المسلمين فى الدفاع عن دار الإسلام ضد أعداء الإسلام وقد نص على ذلك صراحة فى بعض العهود والموائيق التى أبرمت بين المسلمين وأهل الذمة فى عهد عمر رضى الله عنه أما طريقة جمع الجزية وموعدها٠ فيقول صاحب كتا الإسلام وأهل الذمة أخذاً عن أوثق المصادر : « كانت الجزية تجمع مرة واحدة كل سنة بالشهور الهلالية وكان يسمح يدفع الجزية نقداً أو عيناً لكن لا يُسمح بتقديم الميتة أو الخنزير أو الخمر بدلاً من الجزية وأمر عمر بن الخطاب بالتخفيف عن أهل الذمة فقال : « من لم يطق الجزية خففوا عنه ومّن عجز فأعينوه فإنّا لا نريدهم لعام أو لعامين » ( أبن عسكر تاريخ مدينة دمشق ج1 ص 178 ) واتبعت الدولة الإسلامية الرفق والرحمة فى جمع الجزية فقد قدم أحد عمال عمر بن الخطاب عليه بأموال الجزية ؛ فوجدها عمر كثيرة فقال لعامله : إنى لأظنكم قد أهلكتم الناس ؟ فقال : لا واللّه ماأخذنا إلا عفوا صفوا فقال عمر : بلا سوط ولا نوط؟ فقال : نعم فقال عمر : الحمد للّه الذى لم يجعل ذلك على يدى ولا فى سلطانى .
● فوجه إيجاب الجزية على الذميين أنها بدل عن فريضتين فُرضتا على المسلمين وهما : فريضة الجهاد وفريضة الزكاة وانظرا للطبيعة الدينية لهاتين الفريضتين لم يلزم بهما غير المسلمين على أنه فى حالة اشتراك الذميين فى الخدمة العسكرية والدفاع عن الخُوزة مع المسلمين فإن الجزية تسقط عنهم .
● وإذا كان لمسمي « جزية » عند البعض حساسية منه فيعدل ما داموا يأنفون من ذلك وقد أخذ عمر من نصارى بنى تغلب الجزية باسم الصدقة تألفاً لهم واعتباراً بالمسميات لا بالأسماء .
● وفي النهاية وزيادة فى الإيضاح والبيان ودفعاً لكل شبهة ورداً لأية فرية يسرنى أن أسجل هنا ما كتبه المؤرخ المعروف سير توماس أرنولد فى كتابه «الدعوة إلى الإسلام» عن الغرض من فرض الجزية وعلى من فُرِضت قال :
«ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين - كما يريدنا بعض الباحثين على الظن - لونا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الملة وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة فى الجيش فى مقابل الحماية التى كفلتها لهم سيوف المسلمين ولما قدّم أهل الحيرة المال المتفق عليه ذكروا صراحة أنهم إنما دفعوا هذه الجزية على شريطة : « أن يمنعونا وأميرهم البغى من المسلمين وغيرهم » .
● ومما يدل علي أنها ضريبة خدمة عسكرية وحماية ما فعله قائد العرب أبو عبيدة عندما كتب إلي مسيحيي الشام بعد علمه بتجهيز الروم لحملة عسكرية ضخمة يقول ( إنما رددنا عليكم أموالكم لانه بلغنا ما جمع من الجموع وأنكم قد أشترطتم علينا أنا نمنعكم ونحن لا نقدر علي ذلك ) فرد ما أخذه من ضرائب الجزية لهم .
♦️ يتحدث الشيخ القرضاوي عما ما أثير حول حوادث الشغب والهياج على غير المسلميين في التاريخ الإسلامي فيقول
● إن تاريخ التسامح الإسلامى مع أهل الأديان الأخرى تاريخ ناصع البياض وقد رأينا كيف عاش هؤلاء فى غاية من الأمان والحرية والكرامة باعتراف المؤرخين المنصفين من الغربيين أنفسهم ؛ ولكن قوم لبسوا مسوح العلم يريدون أن يقولوا هذا التاريخ ما لم يقله ويحملوه ما لم يحمله عنوة وافتعالاً يصطادون فى الماء العكر . وفى سبيل هذه الغاية الشريرة جهدوا جهدهم أن يشوهوا تاريخ التسامح الإسلامى الذى لم تعرف له الإنسانية نظيراً متذرعين بحوادث جزئية « قام بها بعض العوام أو الرعاع فى بعض البلاد وبعض الأزمان نتيجة لظروف وأسباب خاصة تحدث فى كل بلاد الدنيا إلى يومنا هذا » . من ضمن هذه الأسباب أن التسامح الإسلامى هيأ لكثير من أهل الذمة مراكز قوية فى النواحى المالية والإدارية فلم يحسنوا معاملة المسلمين بل أظهروا التسلط والتعنت و الجبروت . وفى هذا يقول « متز » : « وكانت الحركات التى يقصد بها مقاومة النصارى موجهة أولاً إلى محاربة تسلط أهل الذمة على المسلمين » بل إن كثيرا من ظلم الحكام كان يرفق بأهل الذمة رعاية لذمتهم على حين يقسو على أهل ملتهم من المسلمين ويحيف عليهم حتى وجدنا الشيخ الدردير علامة المالكية وشيخ علماء عصره فى مصر ؛ يذكر عن أمراء زماله : أنهم أعزرا أهل الذمة ورفعوهم على المسلمين حتى يقول : ويا ليت المسلمين عندهم كمعشار أهل الذمة ! وترى المسلمين كثيراً ما يقولون : ليت الأمراء بضربون علينا الجزية كالنصارى واليهود ويتركوننا بعد ذلك كما تركوهم .
♦️ ثم يتحدث الشيخ القرضاوي عن محبة و نصرة غير المسلميين ويجاوب علي إشكالات ما ورد في بعض الأيات فيقول:
● إن النهى إِنما هو عن اتخاذ المخالفين أولياء بوصفهم جماعة متميزة بديانتها وعقائدها وأفكارها وشعائرها أى بوصفهم يهوداً أو نصارى أو مجوساً أو نحو ذلك ؛ لا بوصفهم جيرانا أو زملاء أو مواطنين والمفروض أن يكون ولاء المسلم للأمة المسلمة وحدها ومن هنا جاء التحذير فى عدد من الآيات من اتخاذهم أولياء « من دون المؤمنيين » أى أنه يتودد إليهم ويتقرب لهم على حساب جماعته ولا يرضي نظام ديني ولا وضعي لاحد من أتباعه أن يدع جماعته التي ينتسب إليها ويعيش بها ليجعل ولاءه لجماعة أخري من دونها وهذا ما يعبر عنه بلغة الوطنية بالخيانة .
● إن الموادة التى نهت عنهاالآيات الأخري ليست هى موادة أى مخالف فى الدين ؛ ولو كان سلما للمسلمين وذمة لهم إنما هى موادة من آذى المسلمين وحاد الله ورسوله ومما يدل ذلك :
1)قوله تعالى فى سورة المجادلة : (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ومحادة الله ورسوله ليست مجره الكفر بهما بل محاربة دعوتهما والوقوف فى وجهها وإيذاء أهلها .
فالآية تعلل تحريم الموالاة أو الإلقاء بالمودة إلى المشركين بأمرين مجتمعين : كفرهم بالإسلام و وإخراجهم للرسول والمؤمنين من ديارهم بغير حق ... فقد جاء بعد هذه الأية بالأمر بالقسط علي من لم يقاتل المسلمين ويحارب الدين في قوله تعالي : ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ َظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) فقسم المخالفين فى الدين إلى فريقين : فريق كان سلما للمسلمين لم يقاتلهم فى الدين ولم يخرجهم من ديارهم فهؤلاء لهم حق البر والإقساط إليهم ... وفريق اتخذوا موقف العداوة والمحادة للمسلمين - بالقتال أو الإخراج من الديار أو المظاهرة والمعاونة على ذلك - فهؤلاء يحرم موالاتهم مثل مشركى مكة الذين ذاق المسلمون على أيديهم الويلات .
● إن الإسلام أباح للمسلم التزوج من أهل الكتاب والحياة الزوجية يجب أن تقوم على السكون النفسى والمودة والرحمة كما دل على ذلك القرآن فى قوله تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وهذا يدل على أن مودة المسلم لغير المسلم لا حَرَجَ فيها وكيف لا يواد الرجل زوجته إذا كانت كتابية ؟ وكيف لا يواد الولد جده وجدته وخاله وخالته إذا كانت أمه ذمية ؟
● وفي النهاية يقول الشيخ : إن الحقيقة التى لا شك فيها أن الإسلام يؤكد إعلاء الرابطة الدينية علي كل رابطة سواها سواء كانت رابطة نسبية أم إقلبية أم عنصرية أم طبقية فالمسلم أخو المسلم والمؤمنون إخوة ؛ والمسلمون أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ؛ وهم يد على من سواهم بالعدل وليس بالظلم والمسلم أقرب إلى المسلم من أى كافر عند تساوي المنازل والفضائل لكل منهما ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه وهذا ليس فى الإسلام وحده...بل هى طبيعة كل دين وكل عقيدة ومن قرأالإنجيل وحده يؤكد هذا المعنى فى أكثر من موقف .
♦️ وفي الخاتمة يتحدث الشيخ القرضاوي عن حقيقية مهمة وهي مفهوم التسامح وحدوده فيقول :
● نحن دعاة تسامح!لأن ديننا نفسه يأمرنا به ويدعونا إليه ويربينا عليه ولكن ليس معنى التسامح أن نتنازل عن ديننا؛إرضاءً لأحد كائناً من كان.. فهذا ليس من التسامح فى شئ إما هو إعراض عن الدين أو كفر به إيثارا للمخلوق على الخالق؛وللهوى على الحق ونحن لا نلزم غيرنا بترك دينه حتى يطالبنا بترك ديننا . ليس من التسامح أن يطلب من المسلم « تجميد » أحكام دينه وشريعة ربه وتعطيل حدوده وإهدار منهجه للحياة من أجل الأقليات غير المسلمة حتى لا تقلق خواطرها ولا تتأذى مشاعرها .
ولا أدرى ما الذى يقلق المسيحى أو اليهودى من قطع يد السارق؛مسلماً كان أو غير مسلم؛ومن جلد القاذف أو الزائى أو السكير؛ومن غير ذلك من الأحكام والحدود ؟ ْ إن المسلم يتلقى هذه الأحكام على أنها «دين» يتعبد به ويتقرب إلى الله تعالى بتنفيذه وغير المسلم يأخذها على أنها ( قانون دولة ) ارتضته أغلبيتها .
ليس من التسامح فى شئ أن تقوم العلاقات - بين المسلمين والمسيحبين مثلاً على النفاق الزائف المكشوف الذى يعلى الرابطة الوطنية أو القومية على الرابطة الدينة مع مخالفة الفكرة مخالفة صريحة لما في الإسلام والمسيحية معا إنما ينبغى أن يقوم التسامح على ما أمر به الدينان من حسن الجوار وحب الخير للجميع ووجوب العدل مع الجميع .
ليس من التسامح فى شئ أن نذيب الفوارق الأساسية بين الأديان فيتساوى التوحيد والتثليث والمنسوخ والناسخ ؛ فمثل هذه الأفكار تأتى بعكس ما يراد منها ولهذا تُبعد ولا تُقرب .. وتُفرق ولا نُجَمعّ .. وتهدم ولا تبنى . إن كل دين له مقوماته الجوهربة وخصائصه الذاتية فلا يجوز إغفال هذه المقومات والخصائص من أجل مجاملات سطحية ؛ أو كسب معارك وهمية فليكن هذا واضحا للمسلمين ولغير المسلمين جميعا .
من أروع ما قرأت عن هذه القضية .. تعرض لشبهات كثيرة مضادة ودحضها بأسلوبه القوي وبأدلة حاسمة .. كتاب جيد ومختصر وشديد الافادة .. وان كان لم يتعرض لبعض الآراء التي تقيد من سلطة أهل الذمة وتوليتهم في كل المناصب بأدلة يملكونها وهي أدلة تاريخية هامة جداً لا يمكن تجاهلها كما حدث في الكتاب
إذا تكلمنا عن مثالية بوجهة نظر الكاتب الدينية قد يكون ذلك معقولاً، إلا أن الفكرة صعبة التطبيق برأيي، ويعارض الكاتب نفسه لأنه يرى الدولة الإسلامية دولة مدنية بالعموم الكتاب موجه لفئة معينة من الناس التي لا تؤمن بتعدد الأديان على ما أعتقد
من أروع ما قرأت عن هذه القضية .. تعرض لشبهات كثيرة مضادة ودحضها بأسلوبه القوي وبأدلة حاسمة .. كتاب جيد ومختصر وشديد الافادة .. وان كان لم يتعرض لبعض الآراء التي تقيد من سلطة أهل الذمة وتوليتهم في كل المناصب بأدلة يملكونها وهي أدلة تاريخية هامة جداً لا يمكن تجاهلها كما حدث في الكتاب
كتاب صغير ومختصر لكن يضم كل ما يدور ببالك بخصوص موضوعه الرئيسي عن غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ينقصه فقط بعض التفصيل في قضية الأديان الجديدة أو غير السماوية والتي تعتبر كأفكار أكثر منها أديان، فكيف يتم التعامل معها في المجتمع المسلم من جهة الدولة
هكذا هو العلامة القرضاوي شرح بسيط وفقه عميق لقضية لعب على اوتارها الطائفون اختصرها بالمواطنة الحديثة بدولة مدنية لا يتعارض معها الاسلام، وبدد الشبهات والمسميات مثل الجزية واهل الذمة بمقاصد الشريعة وانتهى بالمواطنة والمساواة والعدل والحرية
بحث قصير نسبيا ، عميق و مركز فى قضية تهم المصريين بوجه خاص ، نظرا لطبيعة مصر. من أسها و أوضح ما يمكن أن يقرأه الباحث عن الحقيقة من مسلم أو غير مسلم. لو كلن الأمر بيدى لدرسته للطلاب فى المدارس بعد اختصاره قليلا. لا غنى عنه لكل مصرى على ما أرى ملحوظة الكتاب متاح مجانا على موقع الشيخ القرضاوى كاملا
تعمق المؤلف فى الجانب الفقهي والتاريخي فى العلاقة بين المسلمين واهل الذمة ، والمؤلف اكثر اطلاعا واوسع افقا من الكثير ممن لم يغوصوا فى التراث واختاروا أراء معينة تناسب جمودهم !! ولكن لم يجتهد المؤلف فى اعادة صياغة العلاقة فى الدولة المعاصرة