مجموعةٌ شِعريةٌ مميَّزةٌ، عميقةُ المعنى، وبسيطةٌ في كلماتِها، تبعثُ الحنينَ في النفسِ إلى كلِّ ذِكرى جميلةٍ مضَت.
«بدر شاكر السياب» من رُوادِ الشِّعرِ الحُرِّ في العالمِ العربي، تركَ العديدَ من الدواوينِ الشِّعريةِ التي ضمَّتْ بينَ أبياتِها أدقَّ التفاصيلِ الشارحةِ لخلَجاتِ النفسِ البشرية. تأثَّرَ «السيابُ» بقريتِه «جيكور» التي وُلدَ فيها، وكتبَ أكثرَ من قصيدةٍ في وصفِها ووصفِ أحيائِها وشوارعِها، كما تأثَّرَ بمدينةِ «روما» وذكرَها في قصيدةِ «حنين في روما». في الواقعِ وضعَ «السياب» الحنينَ موضوعًا لقصائدِ ديوانِه «المعبد الغريق»، وكانَ للحبيبةِ نصيبٌ وافرٌ من هذا الحنين؛ حيثُ كتبَ عنها في عدَّةِ قصائدَ مُتذكرًا ما مضى، مُتغزلًا بحُسنِها، وقد امتدَّ الحنينُ ليشملَ ذكرياتِ طفولتِه ومراهقتِه وشبابِه التي قضاها في بيتِ جَدِّه، وعبَّر عن ذلك في قصيدةِ «دار جدي».
اتسم شعره في الفترة الأولى بالرومانسية وبدا تأثره بجيل علي محمود طه من خلال تشكيل القصيد العمودي وتنويع القافية ومنذ 1947 انساق وراء السياسة وبدا ذلك واضحا في ديوانه أعاصير الذي حافظ فيه السياب على الشكل العمودي وبدأ فيه اهتمامه بقضايا الانسانية وقد تواصل هذا النفس مع مزجه يثقافته الإنجليزية متأثرا بإليوت في أزهار وأساطير وظهرت محاولاته الأولى في الشعر الحر وقد ذهبت فئة من النقاد إلى أن قصيدته "هل كان حبا" هي أول نص في الشكل الجديد للشعر العربي ومازال الجدل قائما حتى الآن في خصوص الريادة بينه وبين نازك الملائكة.وفي أول الخمسينات كرس السياب كل شعره لهذا النمط الجديد واتخذ المطولات الشعرية وسيلة للكتابة فكانت "الأسلحة والأطفال" و"المومس العمياء" و"حفار القبور" وفيها تلتقي القضايا الاجتماعية بالشعر الذاتي. مع بداية الستينات نشر السياب ديوانه "أنشودة المطر" الذي انتزع به الاعتراف نهائيا للشعر الحر من القراء وصار هو الشكل الأكثر ملائمة لشعراء الأجيال الصاعدة وأخذ السيات موقع الريادة بفضل تدفقه الشعري وتمكنه من جميع الأغراض وكذلك للنفس الأسطوري الذي أدخله على الشعر العربي بإيقاظ أساطير بابل واليونان القديمة كما صنع رموزا خاصة بشعره مثل المطر، تموز، عشتار، جيكور قريته التي خلدها. وتخللت سنوات الشهرة صراعات السياب مع المرض ولكن لم تنقص مردوديته الشعرية وبدأت ملامح جديدة تظهر في شعره وتغيرت رموزه من تموز والمطر في "أنشودة المطر" إلى السراب والمراثي في مجموعته "المعبد الغريق" ولاحقا توغل السياب في ذكرياته الخاصة وصار شعره ملتصقا بسيرته الذاتية في "منزل الأقنان" و"شناشيل ابنة الجلبي" . سافر السياب في هذه الفترة الأخيرة من حياته كثيرا للتداوي وكذلك لحضور بعض المؤتمرات الأدبية وكتب في رحلاته هذه بوفرة ربما لاحساسه الدفين باقتراب النهاية. توفي عام 1964م بالمستشفى الأميري في الكويت، عن 38 عام ونقل جثمانه إلى البصرة و دفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير.
السياب.. شاعرُ جيكور، شاعر العراق، الغربةِ والموت ونشوة حُزني.
كأني طائر بحرٍ غريب، طوى البحر عند المغيب، وطاف بشبَّاكك الأزرق، يريد التجاءً إليه، من الليل يربد عن جانبيه؛ فلمْ تفتحي، ولو كان ما بيننا محضَ باب، لألقيت نفسي لديكِ، وحدقت في ناظريكِ. هو الموت والعالم الأسفلُ، هو المستحيل الذي يُذهل. ... جيكورُ.. ماذا؟ أنمشي نحن في الزَّمنِ أم أنه الماشي ونحن فيه وقوفٌ؟ أين أوله؟ وأين آخرُه؟ هل مرَّ أطولَه، أم مرَّ أقصره الممتدُّ في الشَّجَنِ، أم نحن سيان، نمشي بين أحراشِ، كانت حياةَ سوانا في الدياجيرِ؟ هل أنَّ جيكور كانت قبل جيكورِ في خاطر الله.. في نبعٍ من النورِ؟ جيكور مدِّي غِشاءَ الظلِّ والزهرِ، سدي به باب أفكاري لأنساها. ... جيكور لمي عظامي وانفضي كفَني من طينِهِ، واغسلي بالجدْوَل الجاري قلبي الذي كان شبَّاكًا على النارِ لولاك يا وطني، لولاك يا جنتي الخضراء، يا داري، لم تَلقَ أوتاري ريحًا فتنقل آهاتي وأشعاري. لولاك ما كان وَجْهُ الله من قدري. ... في ليلةٍ كانت شرايينها فحمًا وكانت أرضها من لحود يأكل من أقدامنا طينها، تسعى إلى الماءِ، إلى شراعٍ مزقته الرعود فوق سفينٍ دون أضواءِ، في الضفة الأخرى.. يكاد العراق يومئ؟ يا أهلًا بأبنائي. لكننا، واحسرتاه، لن نعود. أواه، لو سيكارةٌ في فمي، لو غُنْوَةٌ، لو ضمَّةٌ، لو عناق. لسَعْفَةٍ خضراءَ أو بُرعم في أرضيَ السكرى برؤيا غدِ. إنا مع الصبح على موعِدِ رغم الدجى، يا عراق! ريفٌ وراء الشطِّ بين النخيلْ يغفو على حُلمٍ طويل طويل، تثاءبتْ فيه ظلالٌ تسيل كالماء بين الماء والعُشْبِ يا ليتَ لي فيهِ قبرًا على إحدى روابيهِ.
٣.٥ شعر عَذبٌ عن الحب والموت والغربة، كُتب أثناء مرض السياب الذي توفى إثره بعد سنتين
“ولو كان ما بيننا محضَ باب لألقيت نفسي لديكِ وحدقت في ناظريكِ هو الموت والعالم الأسفلُ هو المستحيل الذي يُذهل تمثلت عينيك يا حفرتينِ تطلان سخرًا على العالمِ على ضفة الموت بوَّابتين تلوحان للقادم.”
اولى قراءاتي في الشعر الحر لأحد الاعمدة في هذا النوع المعاصر
السياب ابن جنوب الرافدين وشعره الجلي القاتم شديد الاوصاف والابداع التخيلي وجدت شدة تعلقه بصباه ومكان ولادته جيكور وصبابة الشوق مرهفة كذلك وجود تشبيهات كثيرة متعلقة بأساطير اغريقية وغيرها لافتة
الشاعر الرجيم
(إلى شارل بودلير.) حملت للنِّزال سيفك الصديءْ، يهتز في يدٍ تكاد تحرق السماءْ من دمها المتقد المضيء، تريدُ أن تمزِّق الهواء. وتجمعُ النساء في امرأة شفاهُها دمٌ على جليدْ، وجسمها المخاتل البليد أفعى إذا مشت، وسادة على الفراش … لا تُريدْ أن تُفتح الكوى ليدخل الضياء. كي لا تحسَّ أنها خواء. ويرفع الشَّرْقُ أمام عينك الستورْ، توشك أن تعانقَ الجمال عند سُدَّة الإله، تكاد أن تراه يهفُّ وسْطَ غيْمةٍ من عَبَقٍ ونور. تراه في حُلمة نَهْدٍ توقد النجومْ بحمرةٍ لها … أريتَه يقوم
ينام تحت ظلِّها الفقير والشريد، فهو أميرٌ حوله الكئوسُ والقيان، وبيته العتيد جزيرٌ من جُزُر المرْجان، كأنَّ بحرًا غاسلًا لسبوسَ 1 بالأجاج، تشربه روحك من صدًى إلى القرارْ، كأن سافو أورثتك من العروق نار، وأنت لا تضمُّ غير حُلْمِك الأبيدْ، كمن يضمُّ طيفَه المُطلَّ من زجاجْ، حُرْقةُ نرسيس، وتنتلوس 2 والثمارْ! كأنَّ أفريقيةَ الفاترة الكسولْ (أنهارُها العراضُ والطبول وغابُها الثقيل بالظلال والمطرْ، وقيظُها النديُّ … والقَمَر) تكورتْ في امرأةٍ خليعةِ العذار،
"على ضفة الموت بوَّابتين تلوحان للقادم. وشبَّاككِ الأزرقُ على ظلمة مطبقُ، تبدَّى كحبل يشدُّ الحياةْ إلى الموت كيلا تموت. شفاهك عندي ألذ الشفاه، وبيتك عندي أحب البيوت. وماضيك من حاضري أجملُ، هو المستحيل الذي يُذهل، هو الكامل المنتهي لا يريد، ولا يشتهى أنه الأكملُ؛ ففي خاطري منه ظلٌّ مديد، وفي حاضري منه مستقبلُ."
"جيكورُ … ماذا؟ أنمشي نحن في الزَّمَنِ أم أنه الماشي ونحن فيه وقوفٌ؟ أين أوله؟ وأين آخرُه؟ هل مرَّ أطوَله، أم مرَّ أقصره الممتدُّ في الشَّجَنِ، أم نحن سيان، نمشي بين أحراشِ، كانت حياةَ سوانا في الدياجيرِ؟"
من قصيدة ابن الشهيد أكفانها هرئت ... ولكن الذي فيها يضم اليه أمسه ويصيح ... يا للثار ..يا للثار .... يصدى كل فج وترن اقبية المساجد والمآذن بالنداء وينام طفلك وهو يحلم بالمقابر والدماء
This entire review has been hidden because of spoilers.
و ليتك في قطار مر حين تنفس السحر فقصّ على سرير السكة الممدود أمراسا تعلق في نهايتهنّ جسم يحصد النّظر عليه الجرح بعد الجرح بعد الجرح أكداسا ليهوي جسم حفصة لابسا فوق النجيع دما و أمراسا