أنهى علومه الابتدائية والثانوية في كلية غزة عام 1948. وهو شقيق الكاتب والاديب عابدين بسيسو بدأ النشر في مجلة " الحرية " اليافاوية ونشر فيها أول قصائده عام 1946، التحق سنة 1948 بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتخرج عام 1952 من قسم الصحافة وكان موضوع رسالته " الكلمة المنطوقة والمسموعة في برامج إذاعة الشرق الأدنى " وتدور حول الحدود الفاصلة بين المذياع والتلفزيون من جهة والكلمة المطبوعة في الصحيفة من جهة أخرى. انخرط في العمل الوطني والديموقراطي مبكرا، وعمل في الصحافة والتدريس. وفي 27 كانون الثاني (يناير) 1952 نشر ديوانه الأول (المعركة). سجن في المعتقلات المصرية بين فترتين الأولى من 1955 إلى 1957 والثانية من 1959 إلى 1963. كان معين شيوعيًا فلسطينيًا وصل إلى أن أصبح أمينًا عامًا للحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة، وكان سمير البرقوني نائبًا للأمين العام مقيمًا في القطاع، وفي عام 1988 عندما توحد الشيوعيون الفلسطينيون في حزبهم الموحد، أعلن بسيسو ذلك من على منبر المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد بالجزائر حينها ،وظل معين عضو اللجنة المركزية للحزب حتى وفاته.
إذا وُصف معين بسيسو (1928 - 1984) بأنه يمثل حالة استثنائية في الشعر الفلسطيني، فهذا لا يستبطن أية مبالغة، فهو أكثر من أخلص لقصيدته، ومن القلائل الذين جعلوا للشعر "وظيفة" تتعدى البيان والجمال والبلاغة. والأهم أنه تصالح مع نظرائه الشعراء المزامنين له، أو الآتين بعده، وبخاصة محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد.
لم يخض معين بسيسو الذي مرت أمس الجمعة ـ23 يناير (كانون الثاني) ذكرى رحيله، معارك الريادة والسيادة والزعامة والتنافس على عرش القصيدة الفلسطينية، وعلى لقب "الشاعر الأول". وكان توفي إثر إصابته بنوبة قلبية في لندن، التي زارها لإحياء أمسية شعرية برفقة محمود درويش وسميح القاسم، متوجاً حياة مزدحمة بالنضال و"الشعر المقاتل" والإيمان بحتمية انتصار المقاومة، وهزيمة الظلم والطغيان.
الكلمات رصاص لم يكن أمام بسيسو من سبيل سوى أن يكتب بالبندقية، فيحول الكلمات إلى رصاص، غير عابئ بالتصنيف الجمالي، لأن الإخلاص للفكرة طغى على التنميق، ولعل مرد ذلك أنه نشأ خلال زمن لا يملك ترف البيان ولا زخرف البديع، فقد وُلد داخل غزة في حي الشجاعية الذي دمرته قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد عملية "طوفان الأقصى"، ولم تبق فيه حجراً على حجر. كانت الكلمات ملاذه الأخير، وخلف متراسها كتب الأشعار التي تحولت إلى أناشيد لا ينسى إيقاعها الحماسي الملتهب كل من تعرض للاعتقال. لقد رجت أشعاره زنازين الاحتلال، ودبت الذعر في أوصال الجلادين: "أنا إن سقطت فخُذ مكاني يا رفيقي في الكفاح، وانظر إلى شفتي أطبقتا على هوج الرياح، أنا لم أمت! أنا لم أزل أدعوك من خلف الجراح، واقرع طبولك يستجب لك كل شعبك للقتال، يا أيها الموتى أفيقوا: إن عهد الموت زال". لقد آمن بسيسو بقوة الكلمات، فأمضى حياته يكتب القصائد والمسرحيات والمقالات، متمثلاً تجربة نيرودا وماياكوفسكي ولوركا وناظم حكمت، وناهلاً من ينابيع الجيل الأول في الشعر الفلسطيني كإبراهيم طوقان وعبدالكريم الكرمي وسعيد العيسى.
قلها... ومُت وفي لحظة المواجهة المصيرية أطلق بسيسو صرخته المدوية "الصمت موت، فأنت إن نطقت مُت، وأنت إن صمت مُت، قلها... ومُت". وتجلى ذلك على نحو جلي في معركة حصار بيروت 1982، فهو لم يكتف بكتابة الشعر البركاني المناهض لاحتلال المدينة التي تاه بها عشقاً، بل شرع يعمل في الصحافة (وهو المتخرج في الجامعة الأميركية بالقاهرة في التخصص ذاته)، وأصدر برفقة أدباء فلسطينيين وعرب (علي فودة ورسمي أبو علي وسواهما) صحيفة "المعركة"، ويروى أن فودة استشهد وهو يوزع أحد أعداد الصحيفة، التي راحت تدون يوميات الحصار على امتداد 88 يومياً. لقد هال بسيسو أن يهدد وزير الحرب الإسرائيلي أرئيل شارون باحتلال بيروت، والقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية. وبحسب محمود درويش "لم يكن هناك من يقدر على إقناع معين بأن الإسرائيليين قد يدخلون بيروت. كان يفقد صوابه، لا لسبب إلا لأنه خلق واقعاً حين قال لهم: لن تدخلوا بيروت. لقد تحول القرار الشعري من استنفار لروح المقاومة إلى قوة مادية لا يمكن اختراقها، وهكذا كان معين يكذب الواقع لتبقى القصيدة على صواب". ولم يكن الشعر وحده وسيلة النضال الذي اعتصم به بسيسو، فقد عبر عن رؤية أيديولوجية من موقعه كأمين عام للحزب الشيوعي الفلسطيني في غزة. وعندما انتقل إلى مصر ظل وفياً لقضيته، ودفع ثمن ذلك في سجن "الواحات" من 1955-1963، بعد رفضه مشروع توطين الفلسطينيين في سيناء. مات بسيسو، كما عاش، هادراً وصاخباً، من دون أن يترك لحظة للصمت. وعندما خانه قلبه كانت تلك اللحظة آخر شهقات البركان، وكانت أشد الطعنات إيلاماً في نفوس أصدقائه، فقد ظن سميح القاسم أن بسيسو متماوت، ودعاه أن ينهض: "أنت تدري كم نحبك، إلى المتماوت معين". وجاء في القصيدة: "متماوت! قلها وفاجئنا، بأغنية جديدة. لم يبق وقت عندنا للموت، إن ننقص يزد أعداؤنا فانهض، يا صاحبي! في النعش متسع لأغنيتين، واحدة تقول: أنا الكفن، وتقول واحدة: تعبت من الرحيل إلى الرحيل، وتعبت من وطن يموت بلا وطن!".
وضمن السياق ذاته، تجسدت العلاقة "الرفاقية" بين معين بسيسو ومحمود درويش، على نحو أقر فيه الثاني بأبوة الأول في بدايات تفتح القصيدة الدرويشية، لا سيما في "عصافير بلا أجنحة"، و"أوراق الزيتون"، و"عاشق من فلسطين". وتمثلت عافية العلاقة بين الإثنين عندما كتبا قصيدة مشتركة (لم يفعلها درويش من قبل ومن بعد). سميت القصيدة "رسالة إلى جندي إسرائيلي" ونشرتها صحيفة "السفير" خلال الـ24 من يوليو (تموز) 1982. ومن القصيدة: "بيروت في بيروت واقفة، وعصفور على المتراس واقف، بيروت في بيروت واقفة، وشباك على الأنقاض واقف، بيروت أنثى ترضع من أصابعها العواصف".
"قصيدة في زجاجة"
كان الرحيل عن بيروت، بعد خروج المقاومة الفلسطينية إلى تونس، لحظة مفصلية في تاريخ القصيدة الدرويشية التي انصهرت في الأفق الجمالي الذي يقارب المعنى الوطني بلغة تأملية فلسفية تتطلع إلى الاشتباك بالكوني والتاريخي والتراجيدي. أما خيانة القلب فلم تترك لمعين بسيسو فرصة الاختيار. وأكثر الظن أنه لو عمر أكثر لظل وفياً لقصيدته "التعبوية"، ولنبرته المتمردة التي تنشد التحدي والخلاص، كما تجلى في "قصيدة في زجاجة" وهي من ألف بيت كتبها الشاعر قبل رحيله بعام، وفيها يقول: "سفر سفر، موج يترجمني إلى كل اللغات وينكسر، موجاً على كل اللغات وأنكسر، سطراً... سطراً، سفر... سفر، سفن كلاب البحر، أشرعة السفن، وطن يفتش عن وطن، زمن زمن، زمن تكون به وحيداً، كالفراشة في سحابة، يا من يسمنني بأشرعتي وأجنحتي، لسكين الرقابة، تحيا الكتابة، تحيا الرقابة، يحيا على فمي الحجر، سفر... سفر".
التجربة المظلومة
كان بسيسو شاعراً أممياً. وجاءت كتاباته استجابة لزمن موضوعي لم يكن يتقبل الكتابة الخالصة عن ورد الحديقة، أو حزن الغروب، أو ابتسامة المطر الأول، فضلاً عن أن صاحب "حين تمطر الأحجار" ظن أن المشروع الشعري الذي قدمه هو مأرب الكتابة وغايتها، وهذا ما كان يبشر به الفكر الماركسي الذي اعتنقه بسيسو ووالاه. كيف لا، وهو الذي كتب قبل رحيله بعام "الاتحاد السوفياتي لي" وهو كتاب نثري صدر في موسكو.
بيد أن تجربة معين بسيسو الثرية والمتنوعة لم تدرس كما تستحق، وجرى اختصار الشعر الفلسطيني بأسماء معدودة استسلم لها "النقاد" الذين كتبوا عن محمود درويش (وهو جدير بذلك) أضعاف ما كتب عن سائر الشعراء الفلسطينيين، وهذا ظلم مسيرة بسيسو، وحجب بغبار كثيف هذا الصوت الاستثنائي الذي أفنى عمره في نفض الغبار عن الحياة، وتحدي العاصفة.