مثل هذه الدراسات الرائعة من الأهمية بمكان لفهم الفكر الحداثي المعاصر، وهذه الدراسة تحديدًا والتي أراها مهمة وتكميلية لكل من قرأ التأويل الحداثي للتراث للسكران، تأتي لترسم بشكل أكثر توسعًا مفهوم التأويل الحديث الذي انتهجته الكتابات الحداثية وأهم رموزها المعاصرين في الوسط الثقافي العربي.
لاشك أن معركة الصراع بين الفكر السلفي وبين الفكر الحداثي هي " معركة النص" ، هذا النص الذي تعامل معه الحداثيون وفق ألية تأويلية تخدم أيديولوجيتهم، ولاشك أيضًا أن هذه الآلية التأويلية " الهرمنيوطيقا" هي ألية مستوردة، ومن هنا يبدأ الدكتور خالد السيف بالبحث عن جذور نظرية التأويل الحديثة في الفكر الغربي .
يرى المؤلف أن الثورة البروتستانتية هي أهم حدث مهّد للتأويل الحديث بالامتداد داخل حقل النقد الكتابي، حيث هدم لوثر احتكار الكنيسة لتأويل الكتاب المقدس، حتى جاء سبينوزا وتقدم بعملية نقد الكتاب المقدس خطوة للأمام حيث أكّد على حرية فهم الكتاب المقدس مهما بدا هذا الفهم مخالفًا لمنطق الكتاب نفسه، ومن هنا يمكن القول بكل أريحية أن كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة هو الكتاب التأسيسي الأول الذي تجرّأ على نزع القداسة من النصوص الدينية.
ومن هنا بدأت الهرمنيوطيقا تكتسب بُعدًا في فهم النصوص، ولاحظ أن المدارس الهرمنيوطيقية التي سيذكرها الكتاب سواء الهرمنيوطيقا الرومانسية وروادها شلايرماخر ودلتاي أو الهرمنيوطيقا الفلسفية وروادها هايدغر وجادمير = هذه المدارس هى التى سوف يظهر آثارها في المشروع الحداثي العربي بعد ذلك، فهذه المدارس على اختلافات تفصيلية بينها -سيذكرها الكتاب- إلا أنها بالنهاية تؤول إلى غاية واحدة وهي تاريخية النصوص = بمعنى أن فهم النص لا ينبع ذاته وأن ثمة عوامل أخرى تتحكم في فهم النص، وفى الوقت الذي يضيف دلتاي العوامل السيكولوجية والاجتماعية للمؤلف لفهم النص يرى هايدغر أنه لا أهمية لقصد المؤلف فالمهم عنده هو فهم المُتلَقين مما يؤول بالنص إلى لا نهائية التأويل.
الإشكال الحقيقي الذي يدور حوله الكتاب كيف أن هذه المناهج انتقلت من دراسة النصوص الأدبية إلى النصوص الدينية فأهدرت كل المعاني الدينية تمدهم في ذلك مدارس فكرية مثل مدرسة الارتياب وتجلياتها في الماركسية والفلسفة النيتشوية، وكذا مدرسة اللسانيات ومؤسسها فردينان دي سوسيو.
ومن هنا سيدرس الكتاب كيف أهدرت الهرمنيوطيقا النصوص الدينية في المحيط العربي من خلال استيلاب الحداثيين لها من محيطها الغربي، فيدرس أربعة مشاريع حداثية وهم: مشروع محمد أركون و مشروع حسن حنفي ومشروع نصر حامد أبو زيد ومشروع محمد شحرور، ورغم اختلاف المنطلقات سواء كان تفكيكيًا عند أركون أو أنسويًا عند حسن حنفي، أو النص في السياق الماركسي كما عند نصر حامد أبو زيد أو النص في السياق الرياضي كما عند شحرور، فإن هذه المشاريع كلها -كما ستلاحظ بنفسك- يظهر فيها امتدادات نظرية التأويل في الفكر الغربي من التناص في بناء النصوص وموت المؤلف ولا نهائية التأويل والبنيوية والتفكيكية.
ويُرصد الكتاب مدى الانتقائية التي يتسم بها الخطاب الحداثي في تعامله مع التراث، وكيف آلت العملية التأويلية الحديثة إلى تحويل العقيدة من حقيقة موضوعية إلى متغير غير ثابت، وينقد الكتاب هذه النظريات التأويلية في أساسها البنائي كونها شرّعت للفوضوية في فهم النص ولم تقدم معايير منضبطة في الفهم والتأويل، وكون كثير من مخرجاتها خضعت لمحك النقد الغربي ولم تؤخذ فيه على وجه الاطلاق .
الكتاب حقيقة من الكتب الممتازة والتي أرشحها لمن أراد أن يفهم الأسس التي تقوم عليها المؤلفات الحداثية المعاصرة، وسيدرك حتى القاريء العقدي أن نظرية التأويل الحديثة لا تقل خطورة عن نظرية التأويل الكلامية القديمة، فحقيقة انطلاقهما واحد وهو إشكالية العقل والنقل.
أن تصف المخالف كما هو ، يعني أنك سلكت الطريق الصحيح للنقد .. والسبب يعود أنك قررت أن تستوعب هذا المخالف دون أن تفرض أحكامك وقيمك الخاصة عليه - أو بمعنىً أدق ، تؤجل الحكم للنهاية - مثلما فعل الغزالي عندما وضع كتاب "مقاصد الفلاسفة" ..
وأنت لن تستطيع النقد إلا اذا عرفت منشأ الخطأ عند المخالف والسبب الذي جعله يخرج بهذه النتائج التي أعتبرها خاطئة بناء على نظرتي الخاصة ، وهذا أقرب وصف لذا الكتاب ؛ لم يقدم نقد وانما وصف ، والنقد يأتي لمن أراد أن يكمل المشوار بعدما عر المنطلقات العلمانية لتأويل التراث ، وربما فعل هذا المؤلف مستقبلاً ..
التناص ، موت المؤلف ، لا نهائية التأويل ... الخ هذه هي منطلقات العقل العلماني في قراءة النص القرآني
حسن حنفي ، نصر حامد أبو زيد ، محمد شحرور هؤلاء هم النماذج الرئيسية للتأويل في هذا الكتاب
الكتاب بإختصار :
إذا قلت فلان مخطيء ، فالسؤال الطبيعي لماذا ؟! هذا الكتاب "يحاول" أن يقول لك لماذا ( وهو خطوة أولى تحتاج لتشمير بقية المهتمين بالخطاب العقدي )
تعد الثورة البروتستاتينية بقيادة مارتن لوثر أهم حدث مهد للتأويل الحديث بالإمتداد داخل حقل النقد الكتابى.
تعتبر الهرمنيوطيا الكلاسيكية والرومانسية أهم جذر ترجع إليه نظريات التأويل الحديثة وخصوصاً تشريع تاريخية الفهم وتعدده اللانهائي والمساواة بين النصوص المقدسة والنصوص البشرية وإنتهاء بالقول بالتناص وموت المؤلف، كما يعد التأويل الماركسي والنيتشوى والفرويدي من أهم روافد نظرية التأويل الحديثة الذى انتقل بدوره إلى الفكر العربى سواء على مستوى التنظير أو على مستوى الإعمال به. فالجهل بالشريعة وتهميش التراث الإسلامى كان السبب وراء حِمى التسارع إلى تجديد التراث وليس بإرجاعه إلى رونقه فى عصر الرسالة وإنما من أجل اللحاق بالنموذج الغربى، لذلك توسع مجال المنقود ليشكل حتى الثوابت والقطعيات والمعلَوم من الدين بالضرورة، لذلك كان حضور النظرية التأويلية فى النقد العربى المعاصر وخصوصاً ما يتعلق بمجال النصوص الدينية أخذ منحى هابطاً فى مجال الصرامة العلمية والقواعد المنهجية وفى المقابل أخذ منحى صاعداً في مجال الفوضوية المصطلحية، ثم تبدأ المنهجية الإنتقائية والأيدولوجية - كما فى الشأن العلمانى - بالظهور على حساب المبادئ الأساسية والعلمية.
تعتبر النظريات النقدية الممارسة على النصوص الشرعية تطبيقاً عربياً للهرمنيوطيقا وهي فى أصلها صورة طبق الأصل للنظريات التأويلية التى نشأت في الفكر الغربى وخصوصاً فى مراحلها المتأخرة كما تعتبر النظرية التاريخية من أهم النظريات الحديثة في فهم النص وقد انطلقت مع ما تبنته من مباحث الهرمنيوطيقا من منطلقات متعددة منها ما هو فلسفى غربى بحت كالنظرية الماركسية واللسانيات الحديثة ومنها ما أُخذ من التراث وهو أطروحة المعتزلة فى خلق القرآن وبعض مباحث علوم القرآن ومن هذه المنطلقات تم تدشين نظرية تاريخية النص بوصفها حلاً علمياً لاستمرار تأويل النص مع تغير الزمان والمكان.
من المنطلقات السابقة التى انطلقت منها الخطابات التأويلية تولد نزع صفة القداسة عن القرآن الكريم من حيث التعامل معه بطريقة مغايرة تماماً لتعامل عموم المسلمين معه ويرجع السبب لتبني مناهج النقد الغربي أشكلة الوحي والإبتعاد عن المعنى المشهور الذى يُقره عموم المسلمين، إضافة إلى استعمال المنهجية الغربية فى نقد النصوص وفي التعامل معها والتي لا تفرق بين النصوص الإلهية والنصوص البشرية، وفي هذا التعامل مع النص أدى إلي إعتماد النظريات النقدية كالمنهج اللغوى واللساني وموت المؤلف وإنفتاح النص إلى جانب التفكيك والبنيوية وإعمال مبدأ الشك كما صاغه ديكارت ، ولذلك كانت نتيجة هذه القراءة تقييد النص عن إطلاقيته وإلزامه التاريخية والأنسنة والنسبية، وبهذا التعامل مع الخطاب القرآني يحاول الخطاب العلماني نزع القداسة عنه سواء على مستوى التطبيق أو الدعوة، ومن نماذج محاولة نزع القداسة عن القرآن التى تحدث عنها الكاتب في بحثه مشروع محمد أركون الذى رأي إن قداسة القرآن لم تنشأ من مصدره الإلهي بقدر ما نشأت عن تقديس البشر له وفق ظروف ثقافية إجتماعية.
البحث مكثف وشامل ومهم وخصوصاً في الجزء الأول الفلسفى حيث تطرق فيه لأصول نظرية التأويل وأسباب ظهورها من البدايات اليونانية والهرمنيوطيقا الفلسفية والرومانسية حتى التأويل في الكتاب المقدس كما تطرق لروافد النظرية في مدرسة الإرتياب واللسانيات الحديثة ثم انتقل لإمتدادات النظرية واستفاض في نظرية التناص، موت المؤلف، لا نهائية التأويل، البنيوية والتفكيكية ثم أسباب ظهور المنهج التأويلى الحديث في الفكر العربى المعاصر وتحدث عن أربعة مشاريع في قراءة النصوص الشرعية:- محمد أركون، حسن حنفى، نصر حامد أبو زيد، ومحمد شحرور ثم امتد البحث لدراسة أهم النظريات التأويلية فى النص الشرعي كنظرية تاريخية النص ونظرية المقاصد ثم نقد للنظرية وتطبيقاتها على المفاهيم الشرعية فى باب العقائد والأحكام، ختاماً بالموقف العلمي النقدى من نظرية التأويل الحديثة ونقد تطبيق النظرية على النصوص الشرعية.
الكتاب دراسة تحليلية نقدية لظاهرة ا��تأويل الحديثة التي تسربت إلى الفكر العربي المعاصر من منابعه الغربية، وتم توظيفها لتفكيك النصوص الدينية – خصوصًا القرآن الكريم – بزعم الحداثة والتنوير، مما يُعيد تشكيل علاقة المسلم بالنص، والسلطة، والمعنى، من خلال أدوات وافدة غير منبثقة من المنظومة الإسلامية.
يركز السيف على أن التأويل الحديث كما يُمارَس في الفكر العربي ليس تطورًا طبيعيًا من داخل المنظومة الإسلامية، بل هو اختراق فلسفي غربي يحمل معه أدواته ومناهجه ومرجعياته، ويؤسس لفهم متصادم مع التفسير المقرر في الوسط الإسلامي.
---
📚 ثانيًا: المحاور المركزية في الكتاب
1. ماهية التأويل الحديث
التأويل الحديث يتجاوز الفهم اللغوي والتقليدي للنص، ليصبح موقفًا فلسفيًا شاملًا، يرى النص غير مكتمل، ومفتوحًا، وقابلاً للقراءة بعدد لا نهائي من الطرق.
تأثر التأويل العربي المعاصر بـ:
الهرمنيوطيقا الحديثة (شلايرماخر، دلتاي، غادامير)
التحليل النفسي (فرويد)
الوجودية (هايدغر)
النقد التفكيكي (دريدا)
المادية التاريخية (ماركس)
تقويض الدين (نيتشه)
💡 الخطر في هذا التحول: أن النص لم يعد يُقرأ لفهم مراد المتكلم (الله تعالى في حالة النص القرآني)، بل ليفهم القارئ نفسه! أي: يصبح القارئ هو مركز المعنى وليس النص.
2. نقد لمفاهيم مركزية في التأويل الحديث
أ) عقلانية القارئ بدل قداسة النص
يتم تهميش "سلطة النص" لصالح "سلطة القارئ".
المعنى لا يُستمد من النص ذاته، بل يُعاد بناؤه وفقًا لسياق القارئ وذاتيته وتجربته.
ب) التاريخية
النص يُقرأ باعتباره نتاجًا بشريًا خاضعًا للسياق التاريخي (حتى القرآن).
بعض المفكرين – كأبو زيد – تبنوا الفكرة: "النص القرآني لا يُفهم إلا بوصفه ظاهرة لغوية بشرية تاريخية".
ج) نزع القداسة
يستهدف التأويل الحداثي إزاحة الهالة المقدسة عن النصوص الدينية، واعتبارها جزءًا من التراث، قابلة للنقد والتجاوز.
د) النسبية المطلقة للمعنى
لا يوجد معنى ثابت أو "صحيح" واحد للنص.
كل قراءة هي تأويل، وكل تأويل مشروع، حتى لو تعارض مع ما هو مجمع عليه.
---
3. نقد تطبيقات التأويل عند مفكرين عرب
الكتاب يتناول بالنقد أربعة مشاريع رئيسية في التأويل:
● محمد أركون:
يرى أن النص الديني لا يقرأ إلا في ضوء علوم الإنسان الحديثة (السوسيولوجيا، الأنثروبولوجيا، اللسانيات).
يطرح مفهوم "العقل الإسلامي" كمشكلة حضارية، ويريد تفكيكه وإعادة بنائه.
يستخدم أدوات غربية صارمة (تفكيك، تحليل بنيوي، علم الأديان المقارن).
> السيف يراه مثالًا على التهشيم الكامل للمرجعية الدينية، وإخضاعها لمنظومة معرفية خارجية.
---
● نصر حامد أبو زيد:
اعتبر أن النص القرآني منتَج لغوي ثقافي.
دعا إلى تفسير النص في ضوء المناهج اللسانية الحديثة.
طرح أن النص فقد سلطة الحقيقة المطلقة، وأصبح خاضعًا للتأويل التاريخي.
> ينتقده المؤلف لأنه يتجاهل البُعد الإلهي للنص القرآني ويُعلي من البُعد الإنساني.
---
● حسن حنفي:
قدم مشروع "اليسار الإسلامي".
أراد تحويل التراث من مرجعية إلى أداة سياسية لتغيير الواقع.
دعا إلى إعادة تأويل العقائد والنصوص بما يخدم القضايا الاجتماعية والسياسية.
> يرى السيف أن مشروعه يوظف النص لخدمة الأيديولوجيا، لا العكس.
---
● محمد شحرور:
قرأ القرآن بمنهج "العقل الرياضي".
ميز بين "الرسالة" و"النبوة"، و"القرآن" و"الكتاب"، في تفريقات لغوية غير مستقرة.
دعا إلى فهم معاصر للنص بناء على "القراءة المعاصرة" لا "القراءة التراثية".
> يُنتقد بأنه استخدم أدوات انتقائية وغير منهجية، وأوصل إلى نتائج متهافتة.
---
🔍 ثالثًا: نتائج الكتاب الأساسية
1. التأويل الحديث ينتمي إلى بيئة معرفية وفلسفية مغايرة للإسلام، وهو منبت الصلة بمناهج المفسرين المسلمين.
2. المشاريع التأويلية العربية ذات طابع تغريبي، تحاول تقويض المرجعية الشرعية باسم الحرية والتعددية.
3. ما يُسمى تأويلًا حديثًا في الفكر العربي المعاصر هو غالبًا تفكيك لا تأويل، وهدم لا تفسير.
4. فقدان التأصيل العلمي الشرعي في هذه المشاريع أدى إلى تعارضها الصريح مع أصول العقيدة وأركان الشريعة.
5. لا بد من تمييز علمي بين التأويل المشروع (عند أهل السنة) وبين التأويل الفلسفي الوجودي الغربي الذي ينزع معنى القداسة عن النص.