يُعد كتاب ( يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر) والمعروف اختصاراً باليتيمة ، من أهم المصنفات الأدبية وأشهرها ، جمع فيه الثعالبي قدراً كبيراً من نتاج قرائح الشعراء والأدباء والمترسلين الذين عاصروه أو سبقوه قليلاً ، فهو يغطي حقبة زمنية تشمل القرن الرابع وصدر القرن الخامس الهجريين .
يضم الكتاب عدداً كبيراً من الشعراء والادباء الذين انتشروا في رقعة واسعة من البلاد التي كانت يد العرب مبسوطة عليها يومئذ من بلاد الشام والعراق وجرجان ومصر والمغرب والاندلس وخراسان وماوراء النهر ، فجاء مرجعاً مهماً لمن أراد ان يدرس أو يطلع على شطر كبير من الحياة الادبية في تلك الاصقاع في ذلك الزمن ، ووفر على الدارس والقارىء جهداً كبيراً في تلمس بغيته من مصادر متفرقة متباعدة .
قال الناقدون القدامى : ان كتاب اليتيمة اشبه ببستان فسيح الارجاء ، حافل بالاشجار المثمرة من كل صنف ولون وطعم ، تتخللها شجيرات الورد مازالت رائحته ، وماكان زاهي اللون عطراً من الشذى ، يجد الزائر في جنباته الظل الظليل ، والثمر الشهي وعبق الورد وشدو الطيور .
عبد الملك بن محمد بن إسماعيل (350 هـ - 429 هـ / 961 1038م) الذي يُعرف بأبي منصور الثعالبي النيسابوري، أديب عربي فصيح عاش في نيسابور وضلع في النحو والأدب وأمتاز في حصره وتبيانه لمعاني الكلمات والمصطلحات.
سلسلة كتب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر عبارة عن خمسة أجزاء في خمسة كتب متفاوتة في عدد الصفحات .. أكبر جزء تقريبا هو الكتاب الأول حيث يحتوي على المقدمة والبداية في التفصيل التسلسُلي للشعر وقصص الشعراء أثناء قول هذه الأشعار .. والتقسيم جاء على أبواب فيبدأ الجزء الأول بباب فضل شعراء بلاد الشام على سائر البلدان .
الكتاب من تأليف أبي منصور عبد الملك الثعالبي النيسابوري المتوفى في 429 هجرية.
غاية هذه السلسلة كما ذكر الثعالبي : هي خدمة اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم عن طريق الشعر الذي يرى فيه فضلاً وعلماً وتقدُّم مكانة .
وفيه يقدّم ترجمة وافية لكثير من الشعراء المعاصرين له أو السابقين لزمانه بقليل.
سمّيت باليتيمة لأسباب كثيرة وعدّة , سأذكر بيت قاله أبو الفتوح نصر الله بن قلافس في سبب تسمية اليتيمة:
أبيات شعر اليتيمة .. أبكار أفكارٍ قديمة ماتوا وعاشت بعدهم .. فلذاك سُمّيت اليتيمة
اما بعد فهذا كتاب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر كتبه الثعالبي وعاب عليه المحقق عيوباً لم أحسبها ستؤثر في الكتاب بهذا القدر في عيني ، إذ ان الكتاب متفاوتٍ في الحلاوة والطلاوة تفاوتاً عظيماً فتارة يختار شعراء يكاد يكون النزر اليسير منهم كافياً عن ألف شاعر وتارة يأتي بشعر سمجٍ يستحي السوقة في الطرق ان يقولوه ويصنفه تحت باب الملح ويذكر استملاحه ويمدح قائله مدحاً موغلاً في الاغراب ورغم انه ذكر الحد في ذلك قائلا انه سيذكر القلائد والملح إلا انني اجهل تمام الجهل ماذا عنى بالملحة اصلاً ؟ واذا كانت مما يعجب القارئ ويروق سماعه افيعقل ان يعتبر ذكر نابي اللفظ وانعدام المعنى في الابيات من الملح ؟ وستجد ذلك واضحاً في قصائد ابن الحجاج وهي مما يعاب في الحقيقة وذلك ما أفسد الكتاب إذ انه لو لم يذكر المجون والساقط من الشعر لكان الكتاب اعظم مما هو عليه بكثير ، الحق والحق أقول أنه رغم هذا العيب الفاضح يعد من البديعيات والتحف في جمع الشعراء وذكر العيوب وإيضاح السرقات والتطرق إلى صنوف القول