على عكس ما تقوله المقاومات من أنها توحّد بلدانها في وجه عدّو أجنبيّ، تدلّ التجارب على كونها هي نفسها تعبيراً عن نزاع أهليّ محتدم، فإيرلندا، مثلاً، بوصفها البلد الأسبق عهداً بالمقاومات، مثالٌ واضح على تساوي الحرب الأهليّة والمقاومة؛ وفي فرنسا، زُيِّنت المقاومة بما يخفي الإنقسام الداخليّ حولها، ومثّلت المقاومة في الجزائر مصدر الشرعيّة للدولة المستقلة، ما أدّى إلى إستعصاء الجزائر، منذ الإستقلال، على الشرعيّة الدستورية.
يرى المؤلّف أن المقومات لا تزيد النزاعات إحتداماً فحسب، بل إن إنتصارها يقضي تماماً على إمكان أن تنشأ حياة سياسية وأن يُعمل بموجبها، ذاك أنّ الشرعية في ظلّ المقاومات تنبثق من المقاومات نفسها، وهذا ما يجعل البلدان التي تنتصر فيها المقاومات تُنكب بأنظمة إستبداديّة تضاف إلى نكبتها بالإحتلالات.
باستثناء المقدمة التي تشرح موقف الكاتب من الموضوع، وانحيازات هادئة بين السطور نحو التنوير والاعتدال والانفتاح على الغرب والتعلم منه، ليس في الكتاب هجوم ولا هجاء ولا إجابات ولا حتى أحكام مطلقة. ليس فيه سوى تأريخ، أحداث وأسماء وتحليلات، وقصص مرتبة ترتيباً هدفه فقط التساؤل: حول أساطير المقاومين، وحول انقساماتهم المغفلة، وحول غايات ومآلات العنف، وحول التناقض الجوهري بين الوطنية والمقاومة.
بناءً على قراءات موسّعة في كتب تناولت تجارب الحروب والمقاومات، يتوزع الكتاب على ستة فصول تبحث في ما وراء البندقيات الواحدة، يتناول أولها الزمن الفرنسي العصيب خلال الاحتلال الهتلري في الحرب العالمية الثانية، وثانيها المستعمرة الجزائرية على الطرف الآخر من البحر المتوسط، والثالث يؤرخ للصراع المديد بين الكولونيالية البريطانية والجزيرة الإيرلندية، قبل الطيران إلى الشرق الأوروبي في الفصل الرابع عن المقاومة اليونانية ثم اليوغسلافية للنازية والستالينية، كما يقدم الفصل الخامس جردة حساب للبؤس الڤيتنامي والكمبودي بين الأميركيين والسوڤييت، ويضيء الفصل الأخير على مقاومة أنغولا للبرتغال وزيمبابوي لبريطانيا قبل أن يختتم بتجربة جنوب إفريقيا التي يراها حازم النموذج الوحيد الجدير بالاتباع: عقلانية، معتدلة، منفتحة دولياً، منظمة فكرياً ومتنوعة اجتماعياً وإثنياً، لاعنفية أساساً وحين تضطر للعنف فهي تضعه في سياق اعتذاري غير قابل للتمجيد أو المديح، وقبل كل شيء محور نشاطها الشرعية والدستورية والحياة السياسية. باختصار: ليست مقاومة.
الكتاب ملفت ومثير للانتباه، وإن لم يكن بقوة كتابات صاغية المعتادة، والتي تجمع العمق والقراءة التاريخية بالأسلوب الصحافي الجذاب. الكتاب يحاول إعادة النظر إلى "المقاومة" من خلال تجارب متعددة آسيوية وأوروبية وأفريقية، ليظهر أن المقاومة لم تكن نقية ومقدسة بالطريقة التي تصاغ بها، وإنما كانت ملطخة كثيرا بالانقسامات والاحتراب الأهلي. الكتاب محاولة لنزع قداسة المقاومة، تطرق بالتفصيل لسياقات المقاومة الفرنسية، والجزائرية، والإيرلندية، وغيرها. لا يريد صاغية أن يتبنى نموذج تطهري ضد العنف، لكنه يقول باختصار: لا يجب الذهاب إلى المقاومة إلا عن كراهة. "العنف .. اضطرار لا يستوجب التمجيد بقدر الشرح والاعتذار".
كتاب ممتاز إشكاليًّا ينطلق من إثبات دور المقاومات في انفجار الحروب الأهليّة في مختلف البلدان وعلى مدى عدّة أزمنة... وقد اتبع صاغيّة منهجًا معرفيًّا واحدًا انسحب على ستة فصول... لكنّ ما وقع في شركه الباحث بدأ بغياب التوثيق وطبيعته الأكاديميّة عن كافّة الفصول...فضلاً عن تغييب الخاتمة بخلاف المقدّمة المفرطة اسهابًا.
كتاب قديم جديد موضوعاتيّة ... يصلح كمنوال لمراقبة المقاومات وحواضرها في تاريخنا البشريّ السياسيّ الحديث.