لم يترك الكاتب شاردة أو واردة من إشكاليات الإنجيل إلا وتعرض لها، من بداية تتبعه للأناجيل الأربعة ذاتها وملابساتها إلى ما بعد صلب المسيح وقيامته وأحوال الرسل من بعده وخصوصا بولس.
نجده يبدأ بتتبع خفايا إنجيل مرقس لأنه الأقدم من بين الأناجيل الإزائية: مرقس ومتى ولوقا. وبعدها يكشف عن بعض خفايا إنجيل مرقس ببحثه في إنجيل مرقس السري، وهو الذي يحتوي على تعاليم يسوع الباطنية الذي بثها في الخاصة من تلاميذه.
وفي بحثه عن النساء حول يسوع يرجع إلى الأناجيل للمقارنة بينها فيما أوردته بخصوص النساء اللائي تبعنه والبحث حول اختلافاتهم. ثم ينتقل إلى نقطة مهمة اختلفت حولها الروايات وهي ميلاد يسوع، يدرس الكاتب هذه الظاهرة في الأناجيل الأربعة ومحاولة فهم الإشكالية، فمرقس لم يتحدثا عن مولده بل نبدأ معه لحظة معمودية يسوع على يد يوحنا ونزول روح الرب عليه، ويوحنا أيضًا لم يتعرض لميلاده، ومتى يبدأ بسرد نسبه ثم قصة ميلاده، أما لوقا يسرد قصة ميلاد مختلفة تماما لكنها تبدو أقرب للحقيقة بالأدلة التاريخية، وهكذا يعرض السواح تعرضهم لنسبه ونشأته وبحثها في ضوء باقي النصوص والنصوص التاريخية عن هذه الفترة. وفي المبحث التالي يتعرض لإشكالية أخرى وهي مولد يسوع في بيت لحم أم الناصرة، وهنا أيضًا نجده يتتبع أركيولوجيا فلسطين وثقافتها لتحديد التصور الأقرب.
يرسم الفكر اليهودي عدة تصورات ليسوع يعرضها الكاتب هنا ويفندها من خلال نقد هذه الاصورات من داخلها ومن إيضاح تناقضها مع الثابت تاريخيا، ونجده يتتبع هذه التصورات في عدة مباحث مثل: هل كان يسوع متزوجًا؟ وحديثهم عن أب روماني ليسوع زنى بمريم وتركها، وقول البعض بعدم وجودتاريخي ليسوع بل هو شخصية مختلقة، وهكذا. وإشكالية معمودية يسوع بين الأناجيل الأربعة وكيفية تعامله مع هذا الأمر، وفي هذا الجزء يتناول الحديث تاريخ المعمودية على يد يوحنا وامتدادها في فرق أخرى ومعنى هذا الطقس بالنسبة إلى بعض الفرق السابقة ووفي مباحث أخرى. يقارن هذا بالمعمودية في المسيحية. وفي موضوع آخر نجده يبحث عن إله يسوع من خلال الأناجيل وأقوال يسوع، ذلك لأن كل أفعاله وأقواله كانت تؤسس لديانة أخرى روحانية تجيء بالقطيعة مع شريعة الحرف اليهودية وإله التوراة، وفي كتابه “الوجه الآخر للمسيح” نجد أن هذه الفكرة أحد محاور هذا الكتاب. وفي هذا الكتاب أيضًا نجده في عدة مباحث يتتبع الأصول الغنوصية في أقوال المسيح وأفعاله وهي فكرة أسس لها في “الوجه الآخر للمسيح” ويتابعها هنا في عدة فصول: فصل إنجيل مرقس السري، مرقيون والكنيسة البديلة، شخصية يسوع وطباعه، في البدء كانت الكلمة (وهو فصل يخخصه للبحث عن هذه المقدمة الفلسفية الفذة من محرر إنجيل يوحنا وتتبع أصولها الفلسفية والغنوصية)، مشكلة إنجيل يوحنا، طقوس الاستسرار… فيفي هذه المباحث يركز أكثر من غيرها على تتبع هذه الأصول والتكريس المنطقي والتاريخي لها، لا تُعدم المباحث الأخرى من إسقاطات يوضحها في هذا الجانب حيث أن هذه أحد أهم محاور رؤيته للمسيح. ثم يعالج إشكالية الرسل وعددهم واختلاف الأربعة على أسماءهم. من الأمور المهمة التي تناولها في عدة مباحث أيضًا كانت تتعلق بكرازة يسوع، التحقيب الزمني لها، وهل أفلحت بشارته خلال حياته؟ هل دخل أورشليم كملك؟ يتناول ما عرضته الأناجيل بخصوص هذه التساؤلات وتفنيدها وطرح أكثرها مصداقية. ومن الإشكاليات المهمة هل تنبأ يسوع بموته وقيامته؟. والمباحث الأخيرة في الكتاب تبحث في إشكاليات متعاقبة زمنيا، مثل: الأيام الستة الأخيرة في حياته، هل تناول تناول يسوع عشاء الفصح؟، ليلة القبض على يسوع، محاكمة يسوع، لماذا أدين يسوع؟ وصيحته على الصليب إلهي لماذا تركتني؟ وفي هذه الأجزاء يفصل فراس السواح القول التاريخي والإنجيلي وعرض الاختلافات والتناقضات وأسباب عرض كل شخص لما كتب ومجال رؤيته للأمر.
وبعدها يتناول عدة أمور تتعلق بالغيبيات العقيدية والأمور اللاهوتية المشكّلة للمعتقد المسحي، أحد هذه النقط هي لغر القبر الفارغ، يتتبع روايات الإنجليين المتضاربة حول فراغ القبر وعرض الرؤية الأكثر قربا للمنطق، ولغز قيامة يسوع وفيها يتتبع المسألة لأبعد من التنبؤات المبثوثة على لسان يسوع في الإمجيل وغرضها، وعرض الآراء الباطنية الغنوصية بهذا الشأن، ثم يعرض وجهة نظر تبناها الكثير من الباحثين اليهود بأنه كان هناك مؤامرة بخوص مسألة الصلب وأن المر الذي شربه له لم يكن سوى مخدر يجعله يبدو كالأموات، ولولا طعن الجندي له بالحربة لقدر له الحياة، والبعض قالوا أنه عاش بالفعل، وفي الموروثات الهندية الإسلامية أنه هرب إلى هناك وعاش فترة من الزمن ثم مات.
وفي الخاتمة يلقي الكاتب الضوء في فصلين على أحد أهم أركان المسيحية وهو بولس الرسول وإيضاح أن الدور الذي قام به لم يكن مجرد تبشير بل نبوة قائمة على الوحي من المسيح، يوضح الكاتب تعارض بولس مع الرسل الاثنا عشر وإخراجه للمسيحية من التأثير اليهودي الذي ترسخ في أذهان كنيسة أورشليم والتبشير بالدين الجديد كرسالة كونية للوثنيين كما هي لليهود. مع إلقاء الضوء على لاهوت بولس وما مارسه من تأثير في اللاهوت المسيحي.
واحد من أهم وأفضل كتب فراس السواح ومن أكثرهم تنظيمًا ومنهجية، تتفق في نقطة التنظيم والمنهجية باقي كتبه لكن الطريقة التي تتبع بها شخصية المسيح هنا وإشكاليات الإنجيل عظيمة.