زهر الآداب وثمر الألباب كتاب أدبي جمعه أبو إسحاق، إبراهيم بن علي، الحصري، القيرواني (ت453هـ، 1601م) أديب من أدباء المغرب مؤلف وناثر بليغ. وهو معاصر الشاعر المشهور أبي الحسن الحصري القيرواني وبينهما قرابة. والحصري، أبو الحسن هو صاحب القصيدة المشهورة ياليل الصّبّ.
وزهر الآداب كتاب أدبي محض لم يتناول فيه المؤلّف شيئًا من النحو والتّصريف واللّغة، بل قصره على فنون القول من شعر ونثر وما يتَّصل بذلك من ضروب البلاغة وجمال الصِّياغة وإصابة التشبيه وحُسن الإنشاء وجودة الخطابة.
والكتاب قائم على الجمع والرّواية، لم يُعنَ صاحبه بتمحيص الأخبار والأشعار ومناقشتها والتعليق عليها. كما أن الكتاب لم يمش على نهج معيّن أو أسلوب مدروس، وإنما هو مجموعة نصوص وأخبار جمعها الحصري في أزمان متباعدة ثم ألف بينها دون ترتيب معين. فهو يتحدث، مثلاً، عن الزبرقان بن بدر ثم عُلَيَّة بنت المهدي ثم عن الرسول ³ وبعض أقواله في الشعر والبيان وغير ذلك، ثم يعود للحديث عن زهير بن أبي سلمى وشعره، هكذا دون ترتيب أو تبويب، وهذا ماجعل بعض القدماء يصف هذا الكتاب بأنه مؤلَّف جمع كل غريبة.
والغالب على موضوعات الكتاب الجدُّ، فهو محصور في دائرة الخُلق والدين بعيدًا عن العبث والمجون؛ لأن فيه أخبار الرسول ³ والصحابة والتابعين وأقوالهم. فكأن المؤلِّف أراد تنزيه الكتاب عمّا يشين لما كان مشتملاً على أخبار السَّلف الصَّالح. والذي يؤكد ذلك أن الحصريّ نفسه صنّف كتابًا آخر سمّاه جمع الجواهر في المُلَح والنوادر. ويُعرف باسم ذيل زهر الأداب، فلعلّه ألحق فيه من الأخبار ما تحاشى ذكره في الكتاب الأول، وهو منهج مقبول.
وقد أبان المصنّف عن منهجه في مقدمة الكتاب فقال: "هذا كتاب اخترت فيه قطعة كافية من البلاغات في الشعر والخبر والفصول والفقر مما حسن لفظه ومعناه… وليس لي في تأليفه من الافتخار أكثر من حسن الاختيار. واختيار المرء قطعة من عقله".
وقد عُني أبو إسحاق الحصري بموضوع الوصف عناية خاصة، فأكثر من إيراد النصوص في وصف الليل والبلاغة والماء والرعد والبرق وغيرها. وغلب السجع على أسلوب الكتاب وهو أسلوب ذلك العصر. طبع الكتاب طبعات عديدة مشروحة ومضبوطة ومفهرسة.
أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن تميم، المعروف بالحصري (نسبة إلى صناعة الحصر أو بيعها) القيرواني.
لم تعرف سنة ولادته واختلف في سنة وفاته ولكن الدلائل تشير إلى أنه تــوفي سـنة 413هـ، قضى حياته في مدينة القيروان ولم يعرف عنه أنه غادرها، ونشأ على العمل بالوراقة والنسخ، وكان جيد الخط، بارعاً في النسخ. ومن حسن حظه أن بيته كان لزيق جامع القيروان، فجعل الجامع بيته وخزانة كتبه. وفيه كان الناس يجتمعون إليه. ولزمه شبان القيروان يأخذون عنه. فنظر في النحو والعروض، ثم أخذ في جمع الأخبار، ونظم الأشعار، فازدادت مكانته بين الناس، وانتشرت كتبه في المناطق المجاورة حتى وصلت إلى صقلية وغيرها. وجاءته الصلات من كل حدب وصوب.
قيل إنه ابن خالة الحصري الكفيف، لكن الفاصل الزمني بين الأديبين في سنة الوفاة جعل هذا الأمر محل شك.
كان أبو إسحاق كاتباً شاعراً، ذكر له شعر رقيق ينم على عواطف صادقة، ومشاعر مرهفة، وهو في معظمه في النسيب والغزل، منه قوله:
إنـي أحبـك حباً ليس يبلغــه
فهمُ، ولا ينتهي وصف إلى صفتهْ
أقصى نهاية علمي فيه معرفتي
بالعجز منّي عن إدراك معرفتـهْ
وعلى الرغم من أنه كان ذا طبع رقيق إلاّ أنه آثر الصنعة في شعره اقتداءً بأبي تمّام. وقد انفرد ابن خلكان بالقول: إن له ديوان شعر.
لكن شهرته طبقت الآفاق بفضل ما ألّفه من كتب ورسائل كان فيها أسلوبه سهلاً رائقاً، وعباراته واضحة بعيدة عن التكلف وهي أقرب إلى الأسلوب المرسل،على الرغم من أنها مسجوعة لكنه سجع خفيف، قريب إلى النفس، بعيد عن الصنعة الممجوجة.
هناك اتفاق على أن أبا إسحاق الحصري ألف أربعة كتب وهي: «النّور والنور» ويسمى أيضاً «نوْر الظُرف ونور الطَرْف» وعرف أيضاً بكتاب «النورين» وهو منتخب من كتابه «زهر الآداب»، وكتاب «جمع الجواهر في المُلَح والنوادر» طبع تحت عنوان «ذيل زهر الآداب» لكنه قد يكون مستقلاً، و«المصون من الدواوين» أو «المصون في سر الهوى المكنون» وقيل هو «المصون والدرّ المكنون» وهو يشبه طوق الحمامة لابن حزم. وأشهر كتبه «زهْرُ الآداب وثمر الألباب»، قال بعض معاصريه: إنه أراد فيه معارضة كتاب «البيان والتبين» للجاحظ، ويقول ابن بسام: إنه ما قصّر عن الجاحظ في شيء لولا أنه جاء فيه بكلام أهل عصره.
ذكر الحصري، في مقدمة كتابه هذا، أنه ألّفه تلبية لرغبة أبي الفضل العباسي بن سليمان الذي ارتحل إلى المشرق وجمع كثيراً من الطرائف والغرائب لفصحاء عصره وبلغاء دهره، ثم سأل أبا إسحاق أن يختار مما جمعه شيئاً يضيف عليه من كلام المتقدمين ما يقاربه أو يشابهه، ويجعل ذلك كله في كتّاب.
روض أنق و حسن بارق و نسق حاذق ... كتاب اتسق بناؤه و ظهر عبر العصور غناؤه و ضمّ حالّ الحكمة و مرتحلها فناؤه , عدّة للأريب و عونٌ للّبيب متعة للطَروب و نزهة للقلوب , قد انتقى من روض الآداب زهره فأبدع و جعل في بستانه غذاء الأهواء أجمع , من شعر تأنّق و صفا و قول أوجز و أوفى و حكم لا أنفع منها و لا أشفى و رسائل هي شهد مشترى و أخبار تعمّ بالفضل كلّ الورى , لا غناء عنه لدارس الأدب و لا محيد عنه للنابض قلبه بدم و أيّام العرب , رحمك الله أيّها الحصري كم أمتعت و أطربت و نفعت .
من أركان الأدب كما قاله ابن خلدون،، الكتاب ممتع جداً، درسته وأدرسه الآن للمستوى الأول من كلية اللغة العربية، على الرغم من جمال مواضيعه إلا أنه صعب جداً على المستويات الأولى لطلاب الجامعات،
- الكتاب معظم أدبه مستقى من عصره شعرا ونثرا وقصا ورواية العصر العباسي . - وربما هذا التخصيص الذي أراه عيبا هو الميزة باعتبار أن هذا أتاح له استخراج الدرر والفرائد وينقلك بين الحكايات والمواقف والأشعار نقلا سهلا لا تشعر معه بثقل ولا تكلف ويربط بين الشعر بعضه ببعض مكتشفا معه المخبأ ، فمثلا تجده كثيرا ما يكتشف اقتباسات الشعراء من بعضهم،فيورد الأبيات مثلا لشاعر ثم يقول وهذا البيت استقاه أو أخذه من قول فلان من الشعراء مثال فقط للتوضيح ،أورد أبيات لأبى نواس فى فضل آل الربيع من قاس غيركم بكم**قاس الثماد إلى البحور قال الحصرى: ومن قول أبي نواس"من قاس غيركم بكم..." البيت، أخذ المتنبي: قواصد كافور توارك غيره** ومن قصد البحر استقل السواقيا. و هو لطول باعه وسعة إطلاعه على ثقافة عصره يتتبع بيت الشعر ليعرف مصدره ومن أين أخذ الشاعر معناه ثم يذكر مقتبسى المعنى على الترتيب يقول مثلا : أخذ معنى قول المهدي- الخليفة-: لألبسنك قميصا لا تشد عليه زرا. أبوتمام فقال: طوقته بالحسام طوق ردى*أغناه عن مس طوقه بيده. وقال فى معنى قول الطائي: طوقته بحسام طوق داهية*لا يستطيع عليه شد أزرار.
كتاب عظيم ،وجانب كبير من عظمته فى طريقة تأليفه ،وما ذكرته ما هى إلا نتفا وشذرات لن تغنى شيئا لتوضيح هذا،الكتاب ألف صفحة ومائة تزيد قليلا لكن أعدك بالمتعة الخالصة لن تملك معها إلا قراءة الكتاب من الجلدة للجلدة .
قال الحصري القيرواني في مقدمة كتاب آخر له، اسمه نور الطرف ونور الظرف "قلتُ: أجعله كالمختصر في الكتاب الموسوم بزهر الآداب وثمر الألباب، الذي ضمنته كل لطيفة، ونظمته بكل طريفة، فجاء بديع الغرر، رفيع الدرر، صحيح الحوك، مليح الحبك" وكفاك بكلام مؤلّفه دلالة على مافيه.
وقد حقّق الاستاذ زكي مبارك الكتاب، وبذل فيه مجهودا عظيماً. أنصح به
هذا الكتاب من متنزّهات القلوب، تستعذب قراءته فهو أنسٌ للروح وفائدةٌ للعقل، من روائع الأدب العربي يضم بين دفتيه ذخائر ونفائس من النثر والشعر، والقصص والأخبار والطرائف بالإضافة إلى بعض الشذرات النقديّة.
متنوع المواضيع غزير المادة، وهذا ما أشار إليه الدكاترة زكي مبارك في تقديمه للكتاب. وبغض النظر عن تفضيله إياه على كتب الأدب الأربعة التي ذكرها ابن خلدون يبقى زهر الآداب أحد الكتب المهمة في التراث الأدبي العربي