ذكرياتي؛ نموذج فريد من نوعه في كل ما صدر حتى الآن مما يدخل في نطاق "المذكرات" والذكريات الشخصية، فهو يتجاوز حدود الشخص، وسيرة حياته، وزمانها، ومكانها إلى حدود "سيرة حياة" قرن كامل على مختلف مراحله وبكل تناقضاته ومفارقاته ومحاسنه وأضدادها وتعاقب الحدث والحدث، والصورة والصورة، والفكرة والفكرة، والعهد والعهد، والنظام النظام، مفرغاً كل ذلك على قوالب من حياة "الجواهري" نفسه التي هي بحد ذاتها. خيوط متلازمة من هذا النسيج. والجواهري في "ذكرياتي" يبدو خلقاً أراد له ربه والطبيعة والقدر أن لا يكون جزءاً لا يتجزأ من الوراثة والبيت والشارع.
ولد الشاعر محمد مهدي الجواهري في النجف في السادس والعشرين من تموز عام 1899م "تختلف الروايات في ذلك" ، والنجف مركز ديني وأدبي ، وللشعر فيها أسواق تتمثل في مجالسها ومحافلها ، وكان أبوه عبد الحسين عالماً من علماء النجف ، أراد لابنه الذي بدت عليه ميزات الذكاء والمقدرة على الحفظ أن يكون عالماً، لذلك ألبسه عباءة العلماء وعمامتهم وهو في سن العاشرة.
تحدّر من أسرة نجفية محافظة عريقة في العلم والأدب والشعر تُعرف بآل الجواهر ، نسبة إلى أحد أجداد الأسرة والذي يدعى الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر ، والذي ألّف كتاباً في الفقه واسم الكتاب "جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام " . وكان لهذه الأسرة ، كما لباقي الأسر الكبيرة في النجف مجلس عامر بالأدب والأدباء يرتاده كبار الشخصيات الأدبية والعلمية .
قرأ القرآن الكريم وهو في هذه السن المبكرة وتم له ذلك بين أقرباء والده وأصدقائه، ثم أرسله والده إلى مُدرّسين كبار ليعلموه الكتابة والقراءة، فأخذ عن شيوخه النحو والصرف والبلاغة والفقه وما إلى ذلك مما هو معروف في منهج الدراسة آنذاك . وخطط له والده وآخرون أن يحفظ في كل يوم خطبة من نهج البلاغة وقصيدة من ديوان المتنبي ليبدأ الفتى بالحفظ طوال نهاره منتظراً ساعة الامتحان بفارغ الصبر ، وبعد أن ينجح في الامتحان يسمح له بالخروج فيحس انه خُلق من جديد ، وفي المساء يصاحب والده إلى مجالس الكبار .
أظهر ميلاً منذ الطفولة إلى الأدب فأخذ يقرأ في كتاب البيان والتبيين ومقدمة ابن خلدون ودواوين الشعر ، ونظم الشعر في سن مبكرة ، تأثراً ببيئته ، واستجابة لموهبة كامنة فيه .
كان قوي الذاكرة ، سريع الحفظ ، ويروى أنه في إحدى المرات وضعت أمامه ليرة ذهبية وطلب منه أن يبرهن عن مقدرته في الحفظ وتكون الليرة له. فغاب الفتى ثماني ساعات وحفظ قصيدة من (450) بيتاً وأسمعها للحاضرين وقبض الليرة .
كان أبوه يريده عالماً لا شاعراً ، لكن ميله للشعر غلب عليه . وفي سنة 1917، توفي والده وبعد أن انقضت أيام الحزن عاد الشاب إلى دروسه وأضاف إليها درس البيان والمنطق والفلسفة.. وقرأ كل شعر جديد سواء أكان عربياً أم مترجماً عن الغرب .
وكان في أول حياته يرتدي العمامة لباس رجال الدين لأنه نشأ نشأةً دينيه محافظة ، واشترك بسب ذلك في ثورة العشرين عام 1920م ضد السلطات البريطانية وهو لابس العمامة ، ثم اشتغل مدة قصيرة في بلاط الملك فيصل الأول عندما تُوج ملكاً على العراق وكان لا يزال يرتدي العمامة ، ثم ترك العمامة كما ترك الاشتغال في البلاط الفيصلي وراح يعمل بالصحافة بعد أن غادر النجف إلى بغداد ، فأصدر مجموعة من الصحف منها جريدة ( الفرات ) وجريدة ( الانقلاب ) ثم جريدة
"وُلدوا فتعذبوا فماتوا" بهذا المثل الصيني يبدأ شاعر العراق الكبير الجواهري كتابة سيرة حياته المعنونة بـ"ذكرياتي" و من يقرأ هذه السيرة يتعرف بحق كيف تعذب هذا العملاق في حياته الحافلة بالنجاح و الكفاح و المثابرة و تنعكس هذه المفردات في شعره العذب فكم تمنى أن تكون مقدمة ديوانه بقلم عميد الأدب العربي طه حسين و لكنه فوجئ بالإعتذار عن كتابة تلك المقدمة الموعودة فكانت ردة فعله عن هذا التنكر مقطوعتة النثرية "قارعة الطريق" التي أغنته عن أي مقدمة فكم كان الجواهري يعتد بنفسه و يعتبر المتنبي متجسد بشخصيته "فقال كلاهما إنا كلانا" كما في قصيدته عن المتنبي. تتجلى في شخصيته العفوية و الارتجال و التعجل في أمور شتى دفع ثمنها غالياً و كم كان نصيبه من التشرد الشيء الكثير سواءً من التضييق عليه من كبار رجالات الدولة من جراء إقحامه في السياسة أو من انتقاله من دار إلى دار حتى ضم عائلته أكثر من ثلاثين داراً فأي تشرد بعد هذا التشرد الذي أرغمه على تركه العراق حتى يحيي سفح دجلة عن بعد و هو ابن مائه الجاري و ثالث النهرين و كم كان في شيخوخته يعيش طفولته التي حُرم منها و من اللعب مع أترابه . رغم ذلك كله كانت عزلته التي فرضت عليه منبعاً خصباً لثقافته و شاعريته و حسه المرهف. لقد عانى من الحرمان و الفجيعة ما جعله بركاناً متفجراً من المشاعر الجياشة التي ألهمته العزف على الجراح في قصائده المتوهجة كما في رثائه لزوجته "في ذمة الله ما ألقى و ما أجد/أهذه صخرة أم هذه كبد" و في نحبه على أخيه جعفر "أتعلم أم أنت لا تعلم/ بأن جراح الضحايا فم" و للقارئ أن يشتسف من هذه الذكريات تاريخ تلك الحقبة بشتى جوانبها و يتلمس مقدار المعاناة و الألم و الطموح و الكبرياء و تجمع الأضداد بهذه الشخصية العبقرية و أختم هذه الخاطرة العابرة بما تفوه به أنيس منصور "قيل لي لم ترَ العراق ما لم ترَ الجواهري"
محمود المؤمن 2015
الجواهري بين البؤس و القساوة
لا يخفى على من يستقرأ حياة شاعر العراق الذي ينتظر محبوه سماع قصائده على أحرِّ من الجمر بأنها -أي حياته- مليئة بالمفاجآت على جميع الأصعدة و في شتى المجالات فما تكاد تهدأ و تستقر حتى تهب عليها عاصفة هوجاء لتبدأ من جديد بدفع ثمن التصريحات الصحفية و تحمل ضريبة الدفاع عن المبادئ و القيم الإنسانية.كان السجن و التشرد عن الوطن و الحرمان من دخول بعض الدول و فقدان بعض الأحبة و التهديد بالتصفية الجسدية ثمناً باهضاً لتمرد روحه. و الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار أن الجواهري عاش حياةً قاسية و بائسة،فهي قاسية من ناحية الضغط عليه من قِبل والده لتعلم أحكام الشريعة الفقهية و العقائدية ليصبح كجده صاحب الجواهر الفقيه اللامع و ما يتخلل ذلك من الواجبات اليومية لحفظ بعض المقطوعات الشعرية و الخطب و ما تيسر من الذكر الحكيم و حياة بائسة من جهة الحرمان من اللعب مع أترابه إلا لحظات الغروب بعد أن يهزم الجمع و يولون الدُبُر و من جهة آخرى كانت لمشاهدته التوابيت اليومية التي تُحمل على الأكتاف لتُدفن في مقبرة الغريَّ بالنجف الأشرف آثراً بالغاً لخدش براءة الطفولة و تكون رؤية تراجيدية مبكرة لتعكر المزاج
عندما يوثق رجلَ بقامة الجواهري وبعمره الممتد ذكرياته ويصدرها في كتاب، مؤكد لن يتم التعاطي مع الكتاب كغيره من كتب المذكرات. هذا الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لشاعر عظيم، شغل العراق والعالم العربي طوال سني حياته وبعد مماته، شاعر حتى يومنا هذا لم تجود لنا رحم الشعر من بعده بشاعر بقامته.
صفحات هذا الكتاب هي توثيق لمدة قرن من الزمان بأحداثها السياسية والاجتماعية والأدبية في العراق وماجاوره، يتحدث الجواهري فيها عن نفسه ولواعجها يغوص في ذاته وفي شعره يفككها ويفككه ويعلق عليهما. ييتحدث عن المقربين منه مابين صديق وعدو ومابين البينين.. ستقرأ في هذا الكتاب الكثير من الفخر والكثير من الأسف والكثير من لوم الذات، والكثير من الاعتزاز بها والكثير من التحذير والنصح بأن لا تقع بالأخطاء ذاتها، قطعا ستلمح فيها شيء من التناقض في المواقف، ستمر على الكثير من اسماء السياسين والشعراء والكثير من الوصوف لهم بحسب المرحلة ويحسب رؤية الجواهري وموقفه منهم، أكثر ما شدني في هذا الكتاب هو فصاخة الجواهري وتمكنه من اللغة نثرا كما هي الحال معها شعرا وهذا ليس مستغرب من خليفة المتنبي، خليفته الأول والأخير في عصرنا الحديث.
كتاب ثري لكل مهتم بتاريخ العراق. وثري وممتع لكل مهتم بالشعر، وثري وممتع جدا جدا لكل مهتم بالجواهري وتركيبته النفسية وملهمات شعره.
على الرغم من المركز الرفيع الذي اكتسبه الجواهري وتفرد فيه، وجدت أريحيةٍ ما يشعر بها الناس عند انتقاد شخصه. مثلًا في حلقة تناولته في برنامج يدعى المجاني من شعر العرب. فقررت قراءة مذكراته. وجدت جزئها عادي والجزء الآخر ممل. ولكني فهمت، إلى حدٍ ما، امتعاض مذيع البرنامج منه. قد أعاود قراءة مذكراته إذا في يوم درست ديوانه دراسة متأنية.
جُلتُ مع أبي فرات محمد مهدي الجواهري عبر سني حياته ، منذ طفولته إلى شبابه وكهولته ومشيبه، جلت معه في أزقة النجف ومكتباتها وندواتها الشعرية والثقافية، شهدت معه التغييرات السياسية التي حصلت، انتقاله من مدينة لأخرى، دخلت معه بلاط الملك فيصل، وتحدثنا مع الوزراء والمستشارين. هذه ليست مجرد مذكرات عابرة لشخص عابر بل مذكرات شخص عاش عراقيًا ومات عراقيًا، شاعرًا، يحمل في داخله روحًا مشتعلة ملتهبة لم تنطفئ إلا بموته. وأتكلم عن نفسي - فلست هنا في محل النقد ولا أعين نفسي ناقدًا - لقد استمتعت بكل سطر وبكل شطر من هذه المذكرات بل وددت لو أنها استمرت لما بعد ما انتهت عليه، وكأنها انتهت مبتورة، تنتهي المذكرات في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، فربما لم يعلم الجواهري - وقد عاش ما يقرب من السبعين وقتها - أن الله كتب له مسيرة أخرى غير قليلة، مسيرة أخرى حافلة، ربما أراد أن يستريح بعدها مما حصل لكن أقدار الشعراء لا يملكونها. أنت تقرأ لوريث المتنبي ووريث مهيار وأبي فراس وأبي تمام والبحتري، أنت تقرأ سيرة لشخص اتمزج الشعراء بداخله امتزاجًا. كنت أرى أن الجواهري بعد انتقاله إلى بغداد وعمله في الصحافة بعد البلاط لم يعطِ للشعر كبير اهتمام ولم ينمِ موهبته، فلو أنه ظل ماكثًا في النجف لكان شاعرًا أفضل، ولكن قريحته القوية ظلت محافظة على شاعريته، فكان يقول الشعر عفو الخاطر فيـخرج متينًا قويًا كما رأينا، وبعد قراءتي لهذه المذكرات أدركت صحة ما كنت اعتقده إن قريحته وقوة تأسيسه الشعرية جعلت منه شاعرًا متميزًا حتى بعد أن ترك دراسة الشعر، فإن العشرين سنة التي قضاها في النجف أثبتت أثرها فيه فهو شاعر نجفي بحق. كنت أقرأ هذه الذكريات مراقبًا فيها الجواهري الشاعر والأديب، ما كنت أولي اهتمامًا للجواهري السياسي كثيرًا، لذلك أحببت الجزء الأول أكثر من الجزء الثاني، وأحببت خاصة حديث الجواهري عن منزله، وعن والده ووالدته، حديثه عن أخيه عبد العزيز، حديثه عن النجف. وبعد هذا فلا يسع مشغوف بالجواهري إلا أن يقرأ هذه السيرة، وقد قرأتها بطبعة دار الرافدين الأولى .