What do you think?
Rate this book


297 pages, Paperback
First published January 1, 1999
والحق أن درجة (تدخلية) الجيش، وإن كانت تتحدد بطبيعة الجيش
(بريتورى أم لا) ، فإنها تتحدد- أساسًا- بطبيعة المجتمع والثقافة السياسية
السائدة.
إن هناك عاملين رئيسيين يحددان مستوى الثقافة السياسية فى أى مجتمع.
العامل الأول، هو مدى احترام واستمساك المواطنين بالمؤسسات والأدوار الحكومية المدنية أى مدى قبول واعتراف المواطنين بشرعية النظام.
والعامل الثانى، هو مدى حضور وتجذر المؤسسات المدنية، مثل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والاتحادات والجمعيات، فى المجتمع.
وكلما انخفض مستوى العاملين السابقين ، انخفض مستوى الثقافة السياسية فى المجتمع . وبانخفاض مستوى الثقافة السياسية، يرتفع مستوى ودرجة التدخل العسكرى فى الشئون العامة . إذن، تعتمد درجة تدخلية الجيش على طبيعة المجتمع (مستوى الثقافة السياسية- المدنية) وطبيعة الجيش (مستوى الاحترافية والبريتورية). وتقدم لنا الحالة التركية تطبيقًا نموذجيا لهذا التصور النظرى،
فتدخل الجيش التركى، بالانقلاب العسكرى أو بممارسة دور سياسى أو بالوصاية على الحكومة المدنية، ليس إلا محصلة لأزمة تطور المجتمع التركى
وأبدى خريجو المدارس العسكرية المدنية توجها نحو النموذج الغربى والمنحى الإصلاحى لإنقاذ دولتهم - الإمبراطورية المتساقطة ، واعتبروا أنفسهم حراس
«التنوير» وانهم ملزمون بإصلاحات سياسية إلى جانب (التحديث العسكرى).
وصعدت هذه التطورات إلى السطح مع خلع السلطان عبد العزيز عام ١٨٧٦ وحركة المطالبة بالدستور. وهناك من يعتبرون أن ما حدث عام ١٨٧٦ هو «انقلاب)) وان من قاموا به كانوا مصدر إلهام مهم لمن تبعوهم ، ومصدر شرعية لتدخلات العسكريين اللاحقة. ولما علق السلطان عبد الحميد الثانى العمل بالدستور، بدأ الضباط العمل لخلع السلطان وإعادة الحياة الدستورية، وكونوا جمعية سرية عرفت باسم لجنة (الاتحاد والترقى عام ١٨٨٩. وقد ضمت الجمعية ضباطا، لعبوا أدواراً حاكمة فى تاريخ تركيا المعاصر مثل أنور باشا وجمال باشا ومصطفى كمال أتاتورك. وقادت الجمعية تمردا فى شهرى يونيو ويوليو عام ١٩٠٨ ، كان من نتيجته أن اضطر السلطان عبد الحميد لإعادة العمل بالدستور الذى كان أوقف العمل به قبل ٣٠ عامًا، فيما عرف بأسم ثورة ل(تركيا الفتاة)، والتى كانت، فى جوانب منها، استعادة لما حدث عام ١٨٧٦ .
وفى حين أن ثورة تركيا الفتاة التى استمرت خلال السنوات العشر التالية، انتهت بهزيمة الإمبراطورية العثمائية فى الحرب العالمية الأولى، فإن الجيش التركى ظل المؤسسة المنظمة والقادرة على مقاومة غزو واحتلال القوى العظمى للبلاد .
عام ١٩١٩ ، بدأت القوات الوطنية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك فى تنظيم حركة المقاومة الشعبية. واستغرق الأمر ثلاث سنوات حتى تمكنت قوات أتاتورك من استعادة السلطة على كل مناطق الأناضول . وتوجت انتصارات أتاتورك العسكرية بانتصار دبلوماسى تمثل فى معاهدة لوزان فى يوليو عام ١٩٢٣ ، التى ضمنت اعترافا دوليا بالحدود التركية الجديدة. وفى ٢٩ من أكتوبر أسس «الغازى) مصطفى كمال الجمهورية). وهكذا أصبح الجيش التركى الذى خاض حرب التحرير الوطنية جيشا قوميا وبريتوريا أيضًا .
وجاءت انتخابات عام ١٩٥٠ البرلمانية، لتسفر عن فوز ساحق للحزب الديمقراطى وهزيمة حزب الشعب الجمهورى (حزب أتاتورك). وعكست تلك النتيجة سخط الشعب التركى على النخبة البيروقراطية-العسكرية، التى فرضت علمانية متطرفة، بشكل بيروقراطى- فوقى، وبالإرهاب أحيانًا، على مجتمع ظل فيه الإسلام تعبيرا عن الهوية وأداة للترابط الاجتماعى والتضامنية ومصدرًا للقيم والعادات. وجعلت التسلطية السياسية وتدهور الأوضاع المعيشية، من استمرار النخبة البيروقراطية العسكرية أمرًا مستحيلاً. وكان فور الحزب الديمقراطى لنجاحه فى استثارة السخط الشعبى ضد البيروقراطية العسكرية.
لقد قدم الحزب الديمقراطى نفسه - خلال سنوات المعارضة وإبان وجوده فى الحكم - على أنه يمثل الإرادة الشعبية ومصالح البرجوازية الصاعدة فى مواجهة ((تسلطية)) النخبة البيروقراطية العسكرية التى تشكلت فى أثناء حكم اتاتورك إينونو،
إن الحزب الديمقراطى ومندريس فى تحديهما للنخبة البيروقراطية العسكرية، أطلقا قوى المجتمع. وارتبط ذلك، بعودة الإسلام، كأداة سياسية وظفها الحزب فى عقد الخمسينيات. ولم يكن فى الحسبان أن عودة الإسلام، بعد سنوات القمع، ستكون البداية لأن يصبح الإسلام السياسى - فيما بعد - المتغير المعادل للجيش والنخبة العلمانية فى السياسة التركية.
وانتهت تجربة الحزب الديمقراطى ومندريس ، بالانقلاب العسكرى فى عام ١٩٦٠ وإعدام مندريس واثنين من وزرائه.
لقد حاول الجيش ، إعادة خلق الظروف التى كانت قائمة قبل عام ١٩٥٠، بالإطاحة بحكومة منتخبة ديمقراطية وتبنى الاتجاه البيروقراطى - العسكرى فى التشريع والإدارة وإحياء الائتلاف بين الجيش والبيروقراطية.
وقد يبدو أن الإنجاز الأكبر للجيش من انقلاب مايو عام ١٩٦٠، أن الدستور الجديد أعطى الجيش دورا دستوريا، من خلال النص على تأسيس (مجلس الأمن القومى)، والذى تكون فعلاً عام ١٩٦٢، ليرأسه رئيس الجمهورية (أو رئيس الوزراء خلال غياب رئيس الجمهورية)، وبعضوية رئيس الاركان وقادة القوات البرية والبحرية والجوية وقائد الجندرمة. وأُعطى المجلس الحق فى تقديم النصائح للحكومة فى مسائل الأمن الداخلية والخارجية.
ولذلك، عندما دخل البناء السياسى الذى أعاد العسكريون هيكلته فى أزمة - مأرق، وجهت قيادة الجيش فى ١٢ من مارس عام ١٩٧١ ، مذكرة إنذار إلى رئيس الوزراء سليمان ديميرل بإجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية سريعة من أجل القضاء على أسباب التذمر والفوضى، وإلا فإن الجيش، كما أوردت المذكرة-الإنذار، سيمارس حقه (الدستورى) ويتسلم مقاليد الحكم. وعرف ذلك الانقلاب (انقلاب مارس عام ١٩٧١) بانقلاب المذكرة. إذ تسلم الجيش مقاليد الحكم دون تحريك دبابات وقوات. غير أن الجيش لم يحكم مباشرة، واكتفى بتوجيه حكومتين من التكنوقراط، ثم عاد الحكم المدنى عام ١٩٧٣ ، بحكومة أجاويد (حزب اليسار الديمقراطى) وأربكان (حزب السلامة الوطنى - الإسلامى) .
لقد كانت ذريعة الانقلاب هى عجز السياسيين المدنيين عن حماية النظام الجمهورى الأتاتوركى العلمانى وانتشال البلاد من الأزمتين الاقتصادية والسياسية وتصاعد التطرف فى الشارع التركى. وحدث انقلاب عام ١٩٨٠ ، بعد ستة أيام، من انعقاد مهرجان (تحرير القدس) الذى أقامه حزب السلامة الوطنى (الإسلامى) بزعامة أربكان بحضور مائة ألف شخص، دعوا إلى هدم النظام العلمانى وإقامة دولة إسلامية على أنقاضه.
ولذلك ، قام قائد الطغمة الانقلابية، إيفرين، بحظر الأحزاب السياسية ومحاكمة زعمائها وسجنهم. وأبى قادة الجيش إلا أن يفرضوا إطارًا جديدا للحركة السياسية ودستورا جديدا، قبل إعادة السلطة للمدنيين بانتخابات عامة فى نوفمبر عام ١٩٨٣.
فالدستور الجديد(عام ١٩٨٢) مثل تراجعا عن دستور عام ١٩٦٠ ، إذ ركز السلطة فى قبضة السلطة التنفيذية وزاد من سلطات رئيس الجمهورية ومجلس الأمن القومى . كما قيد الدستور الجديد حرية التعبير وحرية التنظيم باعتبارات كثيرة من قبيل المصلحة القومية والنظام العام والأمن القومى وتهديد النظام الجمهورى.
غير أن وصول الرفاه الإسلامى إلى الحكم، قاد إلى مواجهة مباشرة بين الجيش والإسلام السياسى. وزاد من حدة المواجهة إحساس الجيش بخطورة تغلغل الرفاه فى المجتمع (التعليم والاقتصاد والمؤسسات المدنية) بل داخل المؤسسة العسكرية ذاتها. وكان أن تدخل الجيش بأن عرض قادة الأركان على مجلس الأمن القومى فى ٢٨ من فبراير عام ١٩٩٦ ١٨ إجراء يجب على الحكومة أن تطبقها، لمكافحة انتشار الإسلام السياسى. وكان خيار الجيش هو إبعاد أربكان وحزب الرفاه عن الحكم فى خطوة أولى، وذلك ما حدث فى يونيو عام ١٩٩٧ . ثم إبعاد الرفاه وأربكان عن السياسة بوجه عام فى خطوة ثانية، وذلك ما حدث بقرار المحكمة الدستورية فى ١٦ من يناير عام ١٩٩٨ بحظر حزب الرفاه ومنع أربكان وسبعة من قادة الحزب من ممارسة العمل السياسى لمدة خمس سنوات. وكانت الخطوة الثالثة، هى الإنذار الذى وجهته رئاسة أركان القوات المسلحة إلى الحكومة ، باتخاذ سلسلة من الإجراءات لمكافحة التيار الإسلامى فى ٢٠ من مارس عام ١٩٩٨ .
ويستعرض دور الجيش والغازى مصطفى كمال فى حرب التحرير الوطنية ، بعد هزيمة تركيا فى الحرب العالمية الأولى واحتلالها من قبل جيوش الحلفاء ، وصولا إلى تحرير تركيا بحدودها الحالية، وإقامة النظام الجمهورى فى عام ١٩٢٣ ، وإلغاء الخلافة الإسلامية عام ١��٢٤ . ثم يتطرق إلى عملية تغريب تركيا، من إلغاء الطربوش (١٩٢٥) وحل الطرق الدينية (١٩٢٥) وتبنى القانون المدنى السويسرى (١٩٢٦) وإلغاء اعتماد الإسلام كدين رسمى للدولة (١٩٢٨) وتغيير حروف الكتابة من العربية إلى اللاتينية (١٩٢٨) ورفع الأذان باللغة التركية (١٩٣٢).
ويتابع حركة صعود بديل (الرفاه الاسلامى)) على خلفية أزمة مشروع ((الأتاتوركية))، وينتقل إلى مسألة التعاون العسكرى التركى الإسرائيلى فى إطار صراع الجيش والرفاه، ثم إلى دور تركيا الإقليمى فى ظل الصراع الأتاتوركى - الإسلامي،