هذا الكتاب يسعى لاستجلاء أسرار اقبال الفكرية و الغوص في أعماق فلسفته وحل مغلقاتها وإبراز أسسها وفق مقتضيات المناهج العلمية الحديثة , منهج الدراسات التاريخية والمنهج المقارن , للوصول إلى النتائج الصحيحة وإذا كان إقبال أحد أعلام الفكر الإسلامي والإصلاح في العهد الحديث من أمثال الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والكواكبي وخير الدين التونسي .. فإنه من كبارهم إن لم يكن متميزا"منهم , والدراسات التي تقوم عنه لجديرة بالاهتمام .
في بداية الكتاب لمحة عن الواقع التاريخي و السياسي للهند في العهد الإسلامي وزمن الاستعمار الإنكليزي ومقاومته و السعي إلى التحرر , الملامح الثقافية و الاجتماعية في عصر إقبال . ثم تقديم نبذة عن حياته وأسرته وتعليمه وجولاته , ثقافته و آثاره ومنهجه الإصلاحي , أما الجزء الأكبر من الكتاب فكان للتعريف برؤيته الفلسفية في بعض المباحث التجريدية التي تناولها الفلاسفة سواء يونان أو مسلمين و متصوفتهم أو غربيين , منها الألوهية و النبوة وخلق العالم , الزمان و المكان , المعرفة و الإنسان. الكاتب لم يكتفي بعرض فلسفة إقبال بشكل مفرد و إنما وضع الفلسفات الأخرى حتى تتحدد معالم فلسفته أكثر و هذه النقطة أرها ميزة للكتاب الحقيقة وجدت مشقة في قراءةوفهم بعض تلك المباحث كالزمان والمكان وغيرها لتعقيدها وصعوبتها و لكن خرجت إجمالا" ببعض التصورات العامة و الخلاصات البسيطة و السطحية , ومع ذلك وجدت متعة في مباحث أخرى كالمعرفة. يكشف إقبال عن إسراف الأوروبيين من وجهة نظره في استخدام العقل استخداما" مفرطا" جعل من الأفئدة خالية من الحكمة انجر عنه تنكر النفوس للقيم الروحية وانعدام الإيمان في القلوب فيقول في أبيات
العشق غائب من قلب الغربي وقلبه كالأفعى يلدغه إنه عاجز عن إخضاع قلبه للحدس و الإيمان بالإنسان ذلك الذي يكشف عن مجرى الأفلاك لم يستطع أن ينفذ إلى العالم الجواني عالم الأبصار ضل في متاهات عقله البائن المحدود فلم يستطع أن يفصل بين الخير و الشر ذلك الذي اقتنص شعاع الشمس عجز عن الوصول إلى النور يبدد به ظلام الحياة
ثم يقارن اقبال بين دور القلب و العقل في حياة الغربيين من ناحية و سكان الشرق من ناحية ويدعو الى التوفيق بين مزايا الحضارتين الغربية و الشرقية و التوفيق بين العاطفة القلب و العقل فيقول
في الغرب : العقل مصدر الحياة في الشرق : الحب قوام الحياة وبواسطة الحب يحيط العقل بالحقائق فيعزز شغل الحب انهضوا و أقيموا دعائم عالم جديد بالتوفيق بين العقل و الحب
و الإنسان كما يتصوره اقبال هو قوة مبدعة وروح خلاقة تتصف بالإقدام و الشجاعة و القدرة على التدبير و التسيير فيقول : أنت موهوب حركة دائمة من يدري هل أنت من طين أو أنت من زئبق يحكى أنك ولدت من طين ومع ذلك فإن طبيعتك تقبض على النجوم و القمر ! لو أبصرت جمالك حتى في أحلامك لكان هذا الحلم الجميل يعادل ألف يقظة ! إنها هي التي تسقي شجرتك القديمة يتكشف صميم الحياة بصرختك لأن الطبيعة تعزف على قيثارتك
وأخيرا "في نهاية الكتاب عرض لفلسفة اقبال الذاتية.
, الكتاب ايضا مدعم بالعديد من الأبيات الشعرية التي حملها اقبال شيئا" من رؤيته وفلسفته
وهذه القصيدة من كتاب الأعمال الكاملة لإقبال قصة الطائر الذي أجهده العطش في تصوره الماسة تمثل الذات القوية و قطرة الماء الذات الضعيفة طـائـر مـن ظـمأ قد جهدا **** كـدخـان نـفـسـا قد صعدا قـد رأى ألـمـاسة مثل الندى *** صـاغـهـا ماءً لعينيه الصدى خـدعـتـه شذرة مثل الشرر *** فـرأى الجاهل ماءً في الصخر لـم يـجـد رياً بضرب المنقر *** لـم يـصب ماء بنقر الجوهر قـالـت الشذرة: جنبت الهدى *** تضرب المنقار في جسمي سدى لـسـت ماء، لا تراني ساقية *** مـا أنـا من أجل غيري باقية جاهل يقصد هضمي ما اهتدى *** لـحـيـاة نـورهـا منها بدا كـل مـنـقـار بمائي ينكسر *** وتـرى الإنـسـان منه ينبهر مـا رأى الـطـائـر فيها أربا *** فـتـولـى عـن سـناها لغبا حـسـرة فـي صـدره تـتقد *** زفـرات لـحـنـه يـصـعّد وأضـاءت مـثـل دمع البلبل *** قـطـرة في غصن ورد خضل لـضـيـاء الـشمس فيها منّة *** ولخوف الشمس فيها رعدة كـوكب يرعد من نسل السماء *** شاقه الجلوة في هذا الفضاء غـره الأكمام والزهر الخصيب *** لـم يزود من حياة بنصيب قـطـرة مـن دمع صب تبهر *** زانـت الـهدب وكادت تقطر فـمـضـى الطائر فيها راغباً *** بـل بـالـقـطـرة حَلقاً لاهباً أيـهـا الـباغي عدواً تقهر ! *** قطرة أنت ، ترى ، أم جوهر ؟ حـيـنـما الطائر أضناه صداه *** حـيّ نـفـساً بحياة من سواه كـانـت الشذرة عضباً يرهب *** لـم يـكـن قطرة طلّ يشرب قـوة الـذات احـفـظنها أبداً *** وكـن الألـماس لا قطر الندى أنـضـج القطرة كالطود ترى *** حـامـلاً غـيماً مفيضاً أنهرا أثـبـت الـذات وفـيها حقق *** فـضـة كن بالتئام الزئبق ومـن الـذات أبِـنْ أسرارها *** حـركـن عـن لحنها أوتارها