تشكل رواية "أنبئوني بالرؤيا" للكاتب المغربي "عبد الفتاح كليطو" سفرا في نوادر وطرائف من "ألف ليلة وليلة" لكن بقوالب مجددة ومختلفة وشخوص قد تحيل أحيانا على أعمال أخرى للكاتب.
ويستلهم عبد الفتاح كيليطو راويته من ذكريات طفولته، وخياله، ومن تأملاته حول الكتابة والقراءة، وخاصة قراءته المغايرة للتحفة الأدبية "ألف ليلة وليلة" التي تأثر بها في كتاباته الأولى.
راوي هذه الرواية، او أحد الرّواة، يقول، في لحظة من اللّحظات: "في داخل كلّ قارئ شهريارٌ غافياً" ألا يمكن القول كذلك: "في داخل كلّ كاتب شهرزادٌ غافيةً"؟ فماذا لو كانت شهرزاد وشهريار؛ في الخيط الرّفيع من الدّم والقسوة والفنّ والخيال الذي يجمع بينهما، هما النّموذج والنّبض البعيد الحاضر في كل رواية وكلّ سرد؟ وماذا لو كانت ألف ليلة وليلة هي نغمة القرار في كلّ صوت من أصوات الرواة وهم ينغّمون عالمهم الروائيّ؟ وماذا لو كان ما كُتب من الرّوايات بعدد الحصى والنّجوم ليس سوى تنويع على صوت شهرزاد الهامس بحكاياته في ليل بغداد؟.
هذه الرّواية، بتشابك رواتها وتحابك شخصياتها، آتية إلينا من دائرة السّحر التي خلفتها وتخلقها شهرزاد حتّى لا ينقطع السّرد ولا الكلام ولا الفنّ.
Abdelfattah Kilito is a well known Moroccan writer. He was born in Rabat in 1945. He is the author of several books in Arabic and in French. He has also written articles for magazines like Poétique and Studia Islamica. Some of the awards Kilito has won are the Great Moroccan Award (1989), the Atlas Award (1996), the French Academy Award (le prix du Rayonnement de la langue française) (1996) and Sultan Al Owais Prize for Criticism and Literature Studies (2006).
يا الله على كمية المتعة التي تمنحني إياها كتابات عبد الفتاح كيليطو! ما ظننت أني سأتمكن من الشعور بكل هذا الجمال بعد أن فتتت قلب واحدنا الأخبار... وما حسبت أني سأعاود الحديث عن الكتب وكنت عقدت العزم على الصمت... فقد بهتت وضاعة هذا العالم اللغة... ولكن كتاب "أنبئوني بالرؤيا" ينطق الحجر! ه
كيليطو يكتب ما بين الرواية والوقائع، الأسلوب الذي لا تدري ما يمكن أن تسميه... يجمع ما بين ذكرياته وتداعيات الأفكار المتخيلة، مصاغ بكثير من الظرف الذكي والاستغراق بالذات بسخرية محببة، فينقلب الواقع حكاية والكاتب هو شهريار حكايته... ه عمله هذا شبه رواية عن كتاب ألف ليلة وليلة وذاك الباحث الممسوس بها، ولياليه التي سهرت على لياليها، ففاقتها ظرفا وسحرا... والحق يقال أني ما استطعت تحمل قراءة ألف ليلة وليلة حين أردت ذات مرة، لأني ولجتها عبر بوابة كيليطو المفتونة بها، لأجد أن الجمال كان بعين الرائي كيليطو لا بها... ه وهنا في هذا الكتاب تارة أخرى يصير كيليطو شهرزادي الحقيقية، وتظل شهرزاد العتيقة قابعة كخلفية باهتة للمشهد... ولو سألني أحد عن رأيي فإن حكاية كيليطو هي أفضل ما روته هذه الليالي العربية...ه
(ما كتبه شاعر قديم آخر: 0 إن يوما أحببت امرأة ... لا تسع إليها منتابا أمكث في بيتك لا تبرح ... هي يوما تطرق البابا كثر الكلام عن هذين البيتين [...] يفترضون أن البيتين قد نظما والمؤلف في مرحلة الأفول، يتوق إلى الراحة الأبدية. ويضيفون أن لا امرأة أبدا أتت تطرق بابه، وإذ ذبلت زهرة رغبته، فهو لا ينتظر شيئا، إن لم يكن الموت، والموت لا يريده. لكن ذات مساء، حصلت رؤيا، رؤيا قصيدته بالضبط! كلمة جميلة أتت تطرق بابه. ذلك ما كان يبحث عنه مدى حياته كلها، دون أن يدري) ص38
ليست عملاً روائياً بالمعنى الأدبي المتعارف عليه...ولكن مزيجاً سحرياً من خيال الكاتب وذكرياته وقراءاته المتميزة والفريدة لحكايات ألف ليلة وليلة ، ليحاكي الواقع ويتماهى مع ذواتنا... فالسيد " كيليطو" يبعث مجلدات الليالي ببراعة حكاء وذكاء ناقد ..لقد سارعتُ بوضع يدي على رؤى النص وأغمضت عيني ، وحذرت نفسي من اختلاس النظر...ها إنها ليست لعبة... هنا الرؤى عن كتاب " ألف ليلة وليلة " ولابد من تأويلها ، ولكن من يقدر على ذلك إلا من يكشفها..وعالم الليالي مراوغ...غامض..وملتبس.... تنصت إلى صوت شهرذاد بمسامع شهريار وتتساءل ماذا عن ما قبل مفتتح الحكايات ..ماذا كان هناك ؟ هل الخاتمة المفتوحة توحي بلانهائية الليالي ؟ متى علِق صوت شهرذاد في ظلمة الليالي..ومتى توقف شهريار عن تأويل الرؤى ؟ ماذا عن ما لم ترويه الليالي ؟ ولن تقاوم الاجتياح الجارف للاسقاطات على الواقع... هل الحكايات تنقذ الحيوات...؟ ترى أي نص زائف في مخطوطة حياتنا علينا التعرف عليه ؟ هل اذا ما افتقدنا خاتمة لحكاية ما ..يتوجب علينا اختراعها ؟... هل نعاود الالتفات للبدايات وبمحاولة عقيمة بائسة نقوم بتغييرها ...أم تلك منطقة محرمة لا يجوز الاقتراب منها... ثمة مناورة صغيرة متكررة هنا...يقابلها أول مرة ، يحاول التعرف عليها ، لا يلقى سوى اللامبالاة وما يثير الاعجاب إن لم يكن التمسك بها هو إنها برباطة جأش تثبت على موقفها ولا حتى تزوغ نظراتها كما لو كان طيفاً لامرئياً... لا يفارقه الأمل في لقاءها مجدداً وفي اللحظة التي تتراجع فيها عن موقفها يكون هو نائماً...أجل نائماً... يبدو إنه يستنجد بك لتأويل رؤياه ، فهل نبأته بها ولكن تذكر بالفعل..هناك شيء لا يُكشف عنه....
لايستهوي الكثير العمل الروائي التاريخي لكن ماذا سيكون بالمقابل مصير نص روائي في بحث المعرفة من كتاب"ألف ليلة وليلة تبدأ روايته ثم تتركه جانبًا لتتعمق أكثر وتتعقد أكثر لا أعلم هل أقول : أن قد كتب هذا النص للنخبة.. فأنا ضد النخبوية وكل نتاجها بداية من الشعر الرمزي الغارق في بحر السواد نهاية بالنصوص المعقدة التي يطمح صاحبها لنيل إعجاب فئة. إلا أن هذا النص تتضح لك معالمة وسير حبكته منذ أن تقطع جزء لابأس به من العمل. يشق عبد الفتاح على نفسه من خلال بطل العمل الذي يمثل روح باحث على مستوى فردي يسعى جاهدًآ لتنقية نص عربي عن كتاب "الليالي" وعن محاربة ما يعرف بالتكرارية في الرواية الواحدة للنص العربي، ومن مدينة لمدينة بحثًا عن الكتاب .. لايزال كيليطو يشرح نصوصه بروعه وجمال لا أعرف له نصًا آخر روائيًا ولم يكن هو أول ناقد مفكر عربي يجرب الكتابة الروائية أو كتابة النص الإبداعي .فقد سبقه العروي والغذامي وطه حسين
أريد أن أبني جسراً بيني وبين كل عشاق عبدالفتاح كيليطو :)
" أنبئوني بالرؤيا " عملٌ شبه روائي للباحث و الناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو من ترجمة عبدالكبير الشرقاوي ، على بوابة فكر كيليطو الذي يتحمل هنا مسؤولية صانع اللعبة النّصية ستجد / حضوره النقدي .. فقط / يصادر أوراق اللعبة كلها من كل أجناس الأدب و يضع قواعدها ، هذا الرجل لا يستطيع استبدال جلده النقدي بسواه و لا شروحاته بحبكات فلا سلطان سوى سلطان النقد في أفقه / فالنقد مصيدته / كما سبق و قلت حين قرأته هو رجل لا يكتب باللغة ولكنه يكتب لها فقط .. هذا عقل ُرجل لا يمكن أن يتخبط بين الرواية و باقي الأجناس فهو يهدي عقلي لمسارب نقد قلّما تفتح أبوابها أمامي في نصوصٍ أُخر.. في روايته هذه ثمة أربع أجزاء تدور حول تأثير اهتمامات شخوص الرواية الأدبية على سلطان النص أي كان / ألف ليلة وليلة مثلاً / هذا العمل ( لفرط حسرتي لتفويت قرائته كاملاً )إلا شذرات من هنا وهناك جعلتني أعتقد أني بغنى عن قرائته ) أُشبع نبشًا و تذويباً و تحليل ، لعلي توهمت أنّه من الأعمال القليلة التي أكلت شهرته ذاكرته و كيليطو هنا يخالفني الرأي فلازال بحر ظلماته التراثي يجتذب المغامرون ..ف كيليطو يطرح نسق نقدي مفاده : انتبه أيها القارئ ل كيف تُصنع أو تضيع قيمة النص بين كل من مؤلفيه و جمّاعيه ومترجميه و مقتبسيه / فضلت المقتبس عن القارئ لأن القراءة أضحت فعل عدواني يخلق إن لم يجد مشيئته في النص نافذة و كيليطو يتنبأ بخطر القارئ بتعظيمه الفطري للفكرة التي يقرؤها فثمة شهرزاد غافية في أعماقنا ( روح الكتابة والتأليف ) في كل شهريار يقظ نعلن عنه ( روح القارئ ) في معادلة استغلالنا لموت المؤلف التي إما ابتكرناها لتجريد المناقشة من واجباتها ولنمنح ذوقنا شرعية و حقوق لن يوجدها لنا ضيق النص أو ابتكرها المؤلف بنفسه من باب ما قيل قد قيل .. نقطة و انتهى ! و هذا خطر واحد من مجموعة أخطار يطلعنا عليها كيليطو كمخاطر البحث عن نهاية ترضي أذواقنا أو خطر الخديعة الأدبية و الإنتحال الأدبي أو السعي لتوازن أدبي نفرضه على النص يناسبنا أكثر منا يناسبه .
مزاج النصوص الأربعة متقلب فهو يتحدث عن الإهتمام الأدبي بالنص / ألف ليلة وليلة / من زوايا مختلفة لأشخاص يسيّرهم هذا الاهتمام أو الهوس حتى تضمحل لحسن الحظ قيمة شخوصهم أمامه أو قيمة النص ذاته للأسف ، فالاهتمامات تتبدل و تتصدع و تنهدم أمام سلطان النص و هي أولاً و أخيرًا معضلة الشخوص أضعاف كونها معضلة النص فهي خارج كادر النص -هكذا يراها كيليطو - بلا شك .. اهتماماتنا بقدر ما نظن إحتواء العمل على ثغرات ربما تصنع قيمة جديدة أو تضيعها لكنها عالأرجح - في نظري - تحرك يتقدم بالنص بدل الإكتفاء بالإمتاع الذي جعجع به من زمنه لزمن خطورة النقد الذي يطال الأخضر من أخضره قبل اليباس .
إهداء كيليطو للقارئ من قول شتراوس ( هكذا يبدو مظهر شخص يقرأ ، مظهر لا أحد ) تحديد دور القارئ في خانة اللا أحد هو قمة العقاب / عقاب خانة /!
الجزء الأول : " إيدا في النافذة " يفتتح الجزء بجملة هيرمان ميلفل التي يحلو لي تسميتها بالجملة السنارة التي تصطاد موبي ديك من عتمة نسياني ( سمّوني إسماعيل ) ولماذا نسميك؟ فأنت بالفعل إسماعيل الذي يقدم اهتمامه الأدبي على مذبح النص بدلاً من إسمه ، فهو إسماعيل كملو الولد المريض الذي نمى عنده قراءة عمل ألف ليلة وليلة مستقبل الطالب القارئ و المتميز بمقالة تناقش قضية النوم الذي جافى شهريار في ألف ليلة و ليلة و تناسلت من قلته ليالي الأرق و كل تلك الحكايا و شغلته -إسماعيل - قضية النقص في الإقناع لخاتمة العمل مما أفقدها التوازن و برأيه لا أحد قادر على صنع خاتمة بقدر مبتكر البداية ، زكّاه أستاذه ( الأستاذ ك ) -الذي له اهتمام بدورة وبحوث تتعلق بقلة النوم و بنهاية الغير مقنعة لألف ليلة و ليلة و أهم بحث له " ليالي السهاد في ألف ليلة و ليلة " -بطلب إسماعيل لمنحة لنيل شهادة الماستر فوجد نفسه يناقش كتابه المبني على المقالة في أميركا .. المفارقة كون إسماعيل يعاني غرق في النعاس جعل مأساته تفقد شخصيته تفقد بريقها الذكوري أمام الأنثى التي شدّت آنتباهه / إيدا/و جعلته رجل اللحظة المتأخرة و التعاسة الغير مستحقة كما يقول ، يجد في أمريكا ما كان يبحث عن منذ زمن نسخة من ألف ليلة وليلة بترجمة بيرتون الإنجليزية التي لطالما شهد لها قراء العمل بتأثيرها في شهرته وعندما اشتراها وجد فيها حكاية هامشية باللغة العربية قد تعتبر اكتشاف فهي غير واردة في النسخة العربية ، يقتفي أثر الرجل الذي باع النسخة وله قصة مشوقة ، ليكتشف أنها تعود لجده الذي كان صديقًا للمترجم وهنا يفتح كيليطو نقاش عن ذمّة الترجمة كما استشعرت .
قضية الكتبيين و مُلّاك النسخ و قضايا أخرى ترد في هذا الجزء .. و تتفرد إيدا أو عايدة أو إدّا بحصة كبيرة فيه .
الجزء الثاني : " الجنون الثاني لشهريار " إفتراضًا - قلة النوم -كان جنونه الأول
هذا الجزء يختص باهتمام الأستاذ ك بالأدب العربي الذي سيشاطره أياه طالبه إسماعيل فجأة بعد قراءة بحث الأستاذ " ليالي السهاد " نظرًا لكون إسماعيل يهتم بنوعية أدب مغاير تارة للأدب الأجنبي أو الأدب الملعون ، لذلك يبدو في نظر استاذه متسلق و وصولي.. هو الذي كان يؤثر هذا العمل على كل الأعمال و يرى ما يناقش حوله متشبع الهواء، بحيث يكاد يخلق بعدًا غير موجود للعمل " حتى شاؤول يتنبأ" يستشهد بهذا المثل التوراتي الذي منح عري شاؤول ليوم وليلة دون ملابس ملكه- مسحة المبالغ في تقدير ما يملكه.. يمتعض الأستاذ من خاتمة أطروحة إسماعيل ( لو لم تكن النهاية موجودة لوجب إختراعها ) بقدر امتعاضه وانبهاره من أقسامها ( قراء قتلة/ عطّاف و دانيال / الجنون الثاني لشهريار) ومنها يشتق المترجم عنوان العمل " أنبئوني بالرؤيا " المأخوذ عن قصة الملك نبوخذ نصر بشرطه التعجيزي الذي يفوق قدرة العقول البشرية .
الجزء الثالث : " معادلة الصيني " هذا الجزء يستلم القص فيه الساكن الجديد الذي يسكن شقة / صديق منتقد /لإسماعيل كملو وفيها بعض من بقايا مقتنايته وأهمها مسّتل عن مقالته و اكتشافه الذي ذكرته من قبل ، الساكن السابق مهتم بأدب الرحلات لأبن بطوطة وهو يرى أن ما عجزت حكاية صلاح الدين و الحصان ف تفسيره عن بحر الظلمات نجح ابن بطوطة في التطرق له - الحكاية التي اكتشفها اسماعيل كملو في ترجمة بيرتون لألف ليلة وليلة- فهو يُسقط قيمة الأخواتية التي نشأت ضمن معادلتها الحكايات فالحكاية المكتشفة فاقدة المصداقية لغياب مقومات أخواتها في العمل لذلك يشكك في نسبها للعمل أساساً ، ويقدم تفسيراته الخاصة الجميلة لبقاء أرض الظلمات دون سبر حتى في كتب أبن بطوطة ، الساكن الجديد جار لعايدة وحكايتهما تمثل معادلة الصيني الذي خطب ود حبيبته بسهره لثلاث سنوات أمام نافذتها لكنه بعد انقضاء المدة انسحب كأن شيئاً لم يكن .
الجزء الرابع : " رغبة تافهة في البقاء " هوية السارد هنا مبهمة ومحيرة والارتباط الوحيد لها مع باقي الأجزاء هو عايدة و المقال ولا أخفيكم شعرت بالضياع هنا ..
حكاية الشاعر الذي نزّه قصائده عن النشر وتفّه قيمته حتى سرق صديقه لوبارو ديوانه الأول عن تراضٍ بينهما نوعاً ما و عدم أدراك الشاعر لخطورة الوضع و حين يعزي نفسه بأن لوبارو عاجز عن انتاج المزيد من الدواوين بعكسه هو يسقط في فخ تقليد لوبارو من وجهة نظر الناشرين الذي يأمل منهم رعاية نتاجه الشعري ، المهم أنه سيسرق من لوبارو ما هو أهم مما سرقه .
مواضيع مهمة مرت كالعدّاء دون مهل : -مصادر شهرزاد للحكايات .. هل كانت سارقة تاريخية لأدب متنوع المشارب ؟ وهنا لا يسأل القارئ فقط عن هوية العمل بل هويات المصادر - حين أمر شهريار النُسّاخ بكتابة القصص الشهرزادية شككت كون شهرزاد لم تلاقي مصير سابقاتها بالقتل -لإنها بدت كمن قتل كسابقاتها - و كون القصص المكتوبة مفتعلة من خيال المدونيين وبذلك هو طلب منهم أن ينبؤه برؤياه و لاقت رؤياه المفتعلة من قبلهم كل هذا النجاح . -العلاقة المضطربة بينهما - شهرزاد و شهريار - و النوم و بين مجريات أحداث الألف ليلة و الليلة و تطور اللغة و تنويع الاهتمامات الأدبية / تحيل الكثير من أفكار الرواية مع كتاب المرأة و اللغة ل عبدالله الغذامي .
أردت مراجعة مختصرة لكنني أعشق الأعمال التي تحاورني فأبادلها المحاورة !..
في الاصل هذه رواية، نعم مكتوبة على يد ناقد في الأساس ومفكر لكن القارئ المتفطن لها يجد انها تجاوزت حدود الرواية وتعمقت اكثر في ثنايا قصص الف ليلة وليلة وتاثيرها على مجتمعات غير العربية، ثم تتعمق اكثر لتصبح نصاً اعمق مما يبدو وتخرج من عباءة الرواية وتقاليدها (متى كان عبدالفتاح كيليطو يهتم بتقاليد الرواية)، تتشابك الخيوط والشخصيات وتدخل اعمال عبدالفتاح كيليطو السابقة ومشاريعه لكن خط الشرح والتشريح في النص العربي القديم يبقى واضحاً قوياً متماسكاً...
يبدو أن أولئك الذين قرؤوا حكايات الف ليلة وليلة منذ طفولتهم المبكرة وشغفوا بها واحتلت جزءاً لا بأس به من احلامهم وخيالاتهم وذاكرتهم لها الأثر الأكبر والعميق على امتداد حياتهم على خلاف الذين قرؤوها بوقت متأخر من عمرهم كحالتي أو لم يشغفوا بها ويحبوها
أعجبتني جملة في الكتاب لا زالت ترن في أذناي احذر أن تغرق في انعكاسك!!!
ليست رواية بالمعنى التقليدي حيث لا حبكة و لا عقدة و لا أي شيء من هذا القبيل. الكاتب و الباحث الشهير كتب رواية و هو بالمناسبة لا يكترث و لو قليلاً بالمسميات و قد عرف عنه هيامه بالتراث و أول صفحة تشي بكل شيء حيث يتحدث الكاتب عن " ألف ليلة و ليلة " و يستفيض قدر الإمكان و يبدو كل شيء متشابكاً ويناقش الكاتب قيمة الليالي الفنية الهائلة و تأثيرها الكوني على كثير من الكتّاب - أذكر من المولعين بألف ليلة و ليلة بورخيس و ماركيز و اليهودي عاموس عوز - و لا يفوته أن يناقش أفكار و نظريات أدبية شهيرة. أحببت الكتاب و أشعر بشيء من الحنق عليه ، لا أدري ماهو التعبير الأنسب من هذا.
پیور إنجويمنت... ليس هذا اسم عطر لندني بل هو وصفي للرواية. كنت أرغب بتصفح الكتاب فقط لكنني علقت في حبائله ما اضطرني إلى كامل القارورة/الرواية. علاقة أستاذ غريب الأطوار -لكن على قدر كبير من الثقافة - بالنساء (خاصة اللائي يسمون بأيدا/عايدة إد) ثم علاقته بطلابه و أقرانه من أساتذة جامعيين و من طلاب و أخيرا و الأكثر أهمية علاقته بموضوع تخصصه: ألف ليلة و ليلة. ذلك العمل الأدبي الخالد و الذي تنافس كبار الكتاب و الروائيين على كتابة نهاية مناسبة له. لكنني, و أعتذر من عبد الفتاح كيليطو, أعتب عليه تلاعبه بالنهاية على غرار ألف ليلة وليلة. أعترف أن النهاية موحية أدبيا لكنها لم ترضي الطفل الصغير داخلي.
متعةُ الحكي لدى كيليطو خالصةٌ دائماً. تحليلاته الأدبية لأعمالٍ تراثيةٍ عربية هي الوحيدة التي أقرؤها بتلذذٍ كبير كما لو كنتُ أقرأ نصاً إبداعياً، وأشعرُ أن كيليطو يلتذُّ في كتابته الحلمية هذه.
كنتُ متوجسةً من أن يخيّبني كيليطو هذه المرة في روايته. لكنّها أتت جميلةً كبقية نتاجه، ولعلها تفوقت عليها جمالاً.
أكثرُ ما أحببتُ فيها الراويَ الملتبس، هذا الخطاب المتردد بين أكثر من شخصيةٍ يتعمّدُ فيها كيليطو تقمص أدوارٍ عدّة تحيل إليه دائماً وَيبثّ علاماتهِ هنا وهناك ليستدلّ إليه القارئ دائماً. هذه الشيزوفرينيا السرديّة المذهلة التي تشدّ القارئ لمتابعة السرد المنسابِ كمن يحاول اصطياد ظلّ.
كتاب غريب ، ارهقني رغم صغر حجمه ، كلما أخبرت نفسي أنني فهمت مقصد الكاتب أجد نفسي ف متاهة جديدة وهكذا حتى النهاية ، العمل الأول الذي أقرأه لكيليطو غير مشجع ولكني سأمنحه فرصة أخرى فقد أكون أخطأت ف اختيار البداية ليس إلا !
هل هي روايةٌ حقا أم سيرةٌ يتقاطعُ معها شئ من الخيالِ، كل يريدُ أن يضيفَ إضافاته لألف ليلة وليلة منهم كملو وبيرتون، ولكنه وبما إنه قارئ غير عادي وإنما يملك روحَ مقارنةٍ بالإستناد إلى خلفيات مشتركةٍ متجانسةٍ يشكك ويتساءلُ عن مصداقيةِ ذلك.
«أنبئوني بالرؤيا». للوهلة الأولى، يبدو العنوان شاعرياً؛ بريئاً، غير أن متن الرواية يكشف عن حيلة سردية ماكرة، ذلك أن العنوان يحيل إلى حكاية في التوراة تقول إن الملك نبوخذ نصَّر حلم أحلاماً مزعجة منعته من النوم، فأمر أن يُدعى السحرة والعرافون والمنجمون، وقال لهم: حلمتُ حلماً فانزعجت، وأريد أن أعرف ما هو؟. أجابه المنجّمون: أخبرنا بالحلم فنبين تفسيره. فرد الملك: أنبئوني بالرؤيا وسأعلم أنكم قادرون على إعطائي التفسير»، ثم هددهم، إنْ عجزوا عن ذلك، أن يقطعهم قطعاً. هذا المطلب التعجيزي يكشف عن أن الملك أراد القول: ليس جديراً بتأويل الرؤى إلا ذاك القادر على كشفها. وثمة شيء مماثل ورد في «ألف ليلة وليلة» عندما قام هارون الرشيد من فراشه منقبض الصدر، فدعا وزيره جعفر الذي اقترح عليه القراءة علاجاً. وراح يقرأ من كتاب، وسرعان ما شرع في الضحك، ثم قرأ ثانية «وطفق يبكي حتى اخضلت لحيته». ولما سأله الوزير عن «علة ضحكه وبكائه تقريباً في الوقت ذاته» غضب الخليفة غضباً عظيماً، ليأمر وزيره: قد دخلت في ما لا يعنيك، فلا بد لهذا الأمر من عواقبه. آمرك بإحضار من يقول لي لماذا ضحكت وبكيت لما قرأت هذا الكتاب، ويعرف ما فيه من الصفحة الأولى إلى الأخيرة، وإذا لم تجد هذا الرجل، ضربت عنقك، وبينتُ لك، آنذاك، ما الذي أضحكني وأبكاني».
من الرواية كنت أقرأ في الفراش، على ضوء النهار… نقيض شهرزاد التي تروي في الليل وتسكت في الصباح. كنت بقطعي القراءة في المساء، أخالف إشارتها الضمنية وأعكس نظام الأشياء. أحبّ القراءة في الفراش. عادة مكتسبة منذ الطفولة، لحظةَ اكتشاف «ألف ليلة وليلة». والحال أني بقدر ما كنت أقرأ ويمضي الوقت، تتحسّن حالي. وعندما بلغت الصفحة الأخيرة، شُفيت تماماً. وكأن للأدب فضيلة علاجية. فإن لم يكن يشفي أمراض البدن، فهو يسكّن آلام النفس، هذه إحدى ثيمات كتاب «الليالي». أميل إلى الظن أنني استعدت الصحة بفضل شفاعته؛ بفضلها هي أيضاً، الزائرة الغامضة التي نسيته عند رأس فراشي.
عندما يكتب ناقد أو أديب من الطراز الرفيع رواية، فإنه لا بد من أن تكون على هذه الصورة. تقوم أنبئوني بالرؤيا ل كيليطو ع��ى تخوم السيرة وفي عمق النقد. مستمدا ذلك من تجربته الأدبية والفنية ومن الغنى التي تمنحه الليالي (ألف ليلة وليلة ).
هذه تحفة فنية لم أقرأ مثلها من قبل، شهية لدرجة استدراجي للبحث عن جميع مؤلفات عبد الفتاح كيليطو، ويا للصدفة الناقصة، التقيته قبل فترة ولم أعره اهتماما، لأني لم أكن قد تذوقت أعماله من قبل، و ها أنا أتمنى لو أستعيد ذلك اليوم لألتقيه و أحتفي به، وأشكره ممتنة لما فعله بي كتابه.. . . لست قادرة على شرحه، كتاب يغرقك في مزيج من الرغبات و الأمنيات، أن تبحث أكثر، تقرأ أكثر، تحب بطريقتك، تحلم أيضاً على اتساع طاقتك في الحلم، أن تذهب إلى حيث تأمل، أن تعيش الحياة بطريقتك، و أن هنالك حياة أكبر من الحياة التي تعرفها، معاني لم تتوصل إليها بعد، ثم عندما تتوصل إليها تدرك أنه مازال هنالك المزيد المزيد.. . . حتى أسطورة ألف ليلة وليلة أخذها من ذاكرتي ، غيّرها لا أدري كيف، وأعادها إليّ كلوحة أثرية من المحظور علي اطلاق أحكام عليها، موضوعة على مكتبتي، مغضوب عليها، لكني تمنيت لو أني بالقرب من مكتبتي لأفتح صفحة واحدة، و أنظر إليها بطريقته وأحللها وأعيد إخراجها، أتأمل، أتسائل، وأمضي أبعد من طريقتي القديمة في تذوق بعض أنواع الأدب، عبد الفتاح ليس أديباً وأستاذاً جامعياً و روائياً فقط، بل معلماً أيضاً، لديه طريقته في إغراءك، وإغراقك بعد ذلك ولا أمل لك في عودتك كما كنت قبل تعرفك عليه.. . في عالم الأدب، كلما اكتشفت ثرائه، اكتشفت أن هنالك مسميات أكبر من "ثراء" ، هنالك ما يؤكد جهلك مع هذا العالم اللامتناهي من الكتب، الوفرة التي تجعلك في قلق دائم، متى ستتمكن من تذوق كل هذه الأعمال، وكل عمل لايشبه الآخر، بل هو عالم يدهشك، يسرقك، يا له من عالم مثير.. . . أشعر بأني متأخرة في الوصول إلى الكاتب عبد الفتاح و لابد سأعوض تأخري في تكريس المزيد من اللحظات لقراءة كتبه.. . أنصحكم بتذوقه.. #soufsaf
#مراجعة_رواية_أنبؤوني_بالرؤيا للكاتب المغربي #عبد_الفتاح_كيليطو 📝: أوّل مصافحة لي مع قلم الكاتب والناقد الأدبي عبد الفتاح كيليطو وكانت تجربة ممتعة حقا. 📝«أنبئوني بالرؤيا» ليست روايةً بالمعنى التقليدي، بل هي مزيجٌ من الدراسة الأدبية، والنقد الأدبي، والرواية، والسيرة الذاتية والذكريات. وهذا التداخل يجعل القارئ عاجزًا عن التمييز بين ما هو متخيَّل وما هو مستمدّ من الواقع المعاش للكاتب، لما يتضمنه النص من تشابهات واضحة مع التجربة الشخصية للناقد. 📝انبهرْتُ بالأسلوب السردي والطريقة التي اعتمدها الكاتب في بناء النص، إذ لم تكن لديّ معرفة واسعة بالنقّاد الأدبيين العرب، ولا سيّما المتخصّصين منهم، مثل عبد الفتاح كيليطو، في نقد الأدب العربي الكلاسيكي. فقد كان اهتمامي في مجال النقد الأدبي والدراسات النقدية موجَّهًا أساسًا نحو المناهج الغربية، خاصة ما يتعلّق بالخطاب واللغة والبنية السردية والتجديد والأنواع الأدبية، من خلال قراءات لأسماء مثل ميشيل فوكو، ونعوم تشومسكي،وجاك دريدا وميخائيل باختين وغيرهم. لذلك، كان اكتشافي لهذا المسار النقدي العربي مصدرَ سعادةٍ وإثراءٍ معرفي حقيقي بالنسبة إليّ. 📝يبدو النص لراوٍ واحد، لكنّ هناك تشابكًا في الرواة وتعدّدًا في الأصوات. البطل الرئيسي شخصٌ مهووس بحكايات ألف ليلة وليلة منذ طفولته، لأنها كانت أول كتاب وقع بين يديه، ورافقته خلال فترة مرضه حتى تعافى تمامًا. كبر وتعلّم، وفي شبابه كتب، ضمن تخصّصه الدراسي، مقالًا كان في الأصل بحثًا لنيل شهادة الماجستير بعنوان: «النوم في ألف ليلة وليلة». وقد مكّنه هذا البحث من الحصول على منحة لمدة شهرين للالتحاق بمؤسسة برنامج فولبرايت في أمريكا. ومن هنا تبدأ الأحداث في التشابك بين الواقع والخيال، وبين الماضي والحاضر، وبين النوم واليقظة... 📝البنية السردية للنص مبتكرة ويبدو جليا تأثر الكاتب بقصص ألف ليلة وليلة وإدماجها في كامل الرواية.إذ يعد كتاب ألف ليلة وليلة من أشهر الأعمال الأدبية في التراث العربي والعالمي، ذاك العمل الذي يتمثل في مجموعة من الحكايات الشعبية التي جُمعت عبر قرون طويلة، وتعود أصولها إلى الهند وفارس ثم انتقلت إلى العالم العربي في العصر العباسي. تدور أحداثه حول الملك شهريار وزوجته الذكية شهرزاد التي كانت تروي له قصة كل ليلة بأسلوب مشوق لتؤجل نهايتها إلى الليلة التالية. وقد تُرجم هذا الكتاب إلى العديد من اللغات، ومن أشهر ترجماته الترجمة الفرنسية التي قام بها أنطوان كالان في القرن السابع عشر، والترجمة الإنجليزية التي أنجزها ريتشارد بيرتون في القرن التاسع عشر، مما ساهم في انتشار الكتاب عالميًا. ومن هذا الإرث السردي العريق ينطلق عبد الفتاح كيليطو في روايته أنبئوني بالرؤيا، حيث يجعل من نص «ألف ليلة وليلة» محورًا أساسيًا لبناء رؤيته الفكرية والأدبية. ولا يبدو هذا التمحور اعتباطيًا، بل يمثل الركيزة التي يعالج من خلالها قضايا متعددة تتصل بطبيعة النص الأدبي وحدود الحكي وعلاقة الواقع بالخيال، إضافة إلى إشكاليات اللغة والترجمة والنشر والكذب والحقيقة داخل الخطاب السردي. فكما كانت شهرزاد تنسج الحكاية لتؤجل الموت، يوظف كيليطو الحكي بوصفه وسيلة للتأمل في فعل الكتابة نفسه، وفي قدرة الأدب على خلق عوالم تتداخل فيها الحقيقة بالوهم، والواقع بالمتخيل، ليصبح النص فضاءً مفتوحًا للتأويل والإلهام وإعادة اكتشاف معنى الأدب. 📝هناك مرجعية أدبية ونقدية ثرية وعميقة، مما يجعل الكتاب غنيًّا بالدلالات والتأويلات. ويشير عبد الفتاح كيليطو إلى ألف ليلة وليلة وترجماته باللغتين الإنجليزية والفرنسية، كما يستحضر أعمال وتجارب عدد من الأدباء والكتّاب، من بينهم جول فيرن، خورخي لويس بورخيس، مانويل سكورزا، إدغار آلان بو، ميغيل دي ثيربانتس، بلزاك، غوستاف فلوبير، والشاعرة العربية دنيا ميخائيل، إضافة إلى ابن حزم الأندلسي وإبن بطوطة وغيرهم. 📝كما يدرس النص طبيعة النهايات المفتوحة في بعض الأعمال، ويُقارن بين النصوص غير المكتملة والمخطوطات المختلفة المتداولة، محاولًا التحقق من أصالتها، وكشف ما قد يعتريها من نقص أو تحريف، وتحديد مدى صلاحيتها كمرجع أدبي. 📝هذا النصّ يُمثّل احتفاءً عميقًا بالكتابة والسرد والفنّ والنقد، إذ يتحوّل إلى فضاءٍ تأمّلي يطرح من خلاله الكاتب جملةً من الأسئلة الجوهرية حول اللغة والخطابة والترجمة والنشر والإلهام. كما يستكشف النصّ العلاقة الملتبسة بين الواقع والخيال، من خلال مزجهما بطريقة تجعل الحدود بينهما متداخلة وغير نهائية. ولا يكتفي الكاتب باستحضار النصوص الأدبية القديمة، بل يعمل على إحيائها وإعادة تأويلها وتجديدها باستمرار، بما يؤكّد أنّ النص الأدبي يظلّ مفتوحًا على قراءات متعددة ومتجدّدة. فليس هناك تأويل أخير أو معنى نهائي مغلق، بل ثمّة استمرارية دائمة في إنتاج الدلالة وإعادة اكتشاف النصوص عبر الزمن. 📝إختيار عنوان «أنبئوني بالرؤيا»ليس إعتباطيا بالمرة،فهو يدلّ على أنّ الأدب، مثل الرؤيا، لا يقدّم معنى واحدًا ثابتًا، بل يظلّ مفتوحًا على التأويل والتفسير وإعادة القراءة، بحيث يصبح القارئ شريكًا في اكتشاف دلالاته المتجدّدة. الترجمة كانت رااائعة❤️ عمل جميل للإكتشاف❤️
عظمة. لا يمكن تسمية هذا العمل بالرواية بمعناها التقليدي، فهي نتاج أدبي غير مألوف. نص يتباحث و يتناقش في أفكار كثيرة عشوائية بشأن مختلف الأشياء في عقل الراوي، حيث يختبر القاريء بشكل مباشر من دون حاجز أو وسيط أفكار الراوي التي تنتابه و تؤرقه ويعيش مدى عشوائياتها و يقف أمام طبيعتها المهووسة بلا خجل أو ضيق، في إطار الحديث عن ألف ليلة وليلة، وغياب السياق، حيث يصبح فن الرواية هو المرجعية الوحيدة لربط النص ومنع تفككه. (ورغم ذلك فقد شعرت بأنه نص ذو طابع فرنسي لا روح عربية) يصعب كتابة أي شيء أمام ما أختبرته مع هذا النص المبدع والمبتكر. هذا الانطباع الحاد. التشتت. التيه. العبثية المتقنة. كل شيء غير مترابط، ولكن متماسك في نفس الآن. هذا النوع من الكتابة التي لا أعرف لها اسماً -أو نوعاً بعد- يصعب إتقانه، فهناك شعرة فقط بين أن يكون النص هذياناً و مضيعة للوقت، وأن يكون عظمة متقنة تدل على عبقرية تبدع في إتقان البساطة بلا تصنع. كتابة لا يمكن إلصاقها بنوع بعينه، ولا يمكن تعريفها كتابعة لصنف معين، تمتد وتتسع حتى تشمل كل ما يوجد مابين الحداثة و مابعد الحداثة، ولا يغيب عنها الطابع السريالي للوعي الفائق و الواقع المتسامي للأحلام، ولا اعتباطية ثنائية الهوية والغربة، حيث لا يغيب السؤال عن ماهية الذات. الراوي؟ مختلف في كل حكاية؟ هل هو الكاتب؟ أم شظايا مبعثرة من ذات واحدة أصبحت كيانات مستقلة تختبر قصص مختلفة؟ أربع فصول... كل فصل قصة جديدة، قصص متشابهة، هل هو الشخص ذاته في كل مرة؟ لا أعلم، ولا أرى أي جدوى من معرفة ذلك، فالتماهي هو الطابع الغالب للسرد. يتماهى القاريء مع الراوي، كما تتماهى صورة الراوي في القصص الأربعة مع شهرزاد، فيندمج النص ببعضه رغم اختلاف الأسماء والقصص، ولا يوجد ما يفصل الروايات الأربعة عن بعض ولا حتى عن القاريء. كتاب مائة صفحة ونيف شمل كل الانفعالات والتساؤلات الوجودية بإيجاز ولكن بدقة. نص تقف أمامه تشعر باللاجدوى والانتماء، ترى نفسك في مصداقية تعبيرات الكاتب عن مشاعر إنسانية بحتة ولكن قاسية، تجمع شمل التجارب البشرية المغتربة عن "الغير"، من دون إطناب، أو فلسفة فارغة استعراضية، أو صفحات طوال تدعي سبر أغوار النفس البشرية مليئة بحوارات لا طائل منها. راوي يعاني من الإفراط في التفكير، والإرتياب المرضي! في كل فصل يبدو كأنه روح تناسخت لتعيش من جديد بشكل مغاير ولكن بحتمية تخضع للطبيعة ذاتها المُعَاد إحياؤها، نفس الخيبات والمخاوف، والتعلق بتحليل وفهم ألف ليلة وليلة، والحب المشحون المراوغ المليء بسوء الفهم والغموض بينه وبين إيدا/ عايدة. الحديث عن علاقة الحب بين الرجل والمرأة بهذا الشكل! واو! حقاً لن استطيع أن أعبر عن عظمة ما أختبرت في هذه الصفحات المائة، ولا عن مدى تأثري بهذه الجزئية! عبد الفتاح كليطو يبهرني مجدداً بمدى روعته، شكراً للصديقة التي أهدتني أثمن ما يمكن للصديق إعطاءك إياه: كاتب ترغم أن تقرأ كل أعماله الأدبية. (شكراً إيمان 3>) لن انتهي أبداً بالحديث عن هذا الكتاب، و يؤسفني بأنني عجزت التعبير عن جل ما يجول في خاطري بشأنه، ولكن مهما تحدثت وأسهبت لن استطيع إيصال ما شعرت به من تواطيء و ارتباط بالكتاب، فهو عبارة عن تجربة مُعاشة، يجب اختبارها والحكم عليها بنفسك. وفي الختام، ما الحياة سوى انطباعات عابرة.
أول ما لفتني في هذه الرواية كان العنوان "أنبئوني بالرؤيا" وعندما اطلعت على الرواية وتعرفت على سبب تسميتها ، أدركت أن اختياره للعنوان كان موفقا .
《 حكاية في التوراة تقول إن الملك نبوخذ نصَّر حلم أحلاماً مزعجة منعته من النوم، فأمر أن يُدعى السحرة والعرافون والمنجمون، وقال لهم: حلمتُ حلماً فانزعجت، وأريد أن أعرف ما هو؟. أجابه المنجّمون: أخبرنا بالحلم فنبين تفسيره. فرد الملك: أنبئوني بالرؤيا وسأعلم أنكم قادرون على إعطائي التفسير، ثم هددهم، إنْ عجزوا عن ذلك، أن يقطعهم قطعاً. هذا المطلب التعجيزي يكشف عن أن الملك أراد القول: ليس جديراً بتأويل الرؤى إلا ذاك القادر على كشفها. وثمة شيء مماثل ورد في «ألف ليلة وليلة» عندما قام هارون الرشيد من فراشه منقبض الصدر، فدعا وزيره جعفر الذي اقترح عليه القراءة علاجاً. وراح يقرأ من كتاب، وسرعان ما شرع في ��لضحك، ثم قرأ ثانية «وطفق يبكي حتى اخضلت لحيته». ولما سأله الوزير عن «علة ضحكه وبكائه تقريباً في الوقت ذاته» غضب الخليفة غضباً عظيماً، ليأمر وزيره: قد دخلت في ما لا يعنيك، فلا بد لهذا الأمر من عواقبه. آمرك بإحضار من يقول لي لماذا ضحكت وبكيت لما قرأت هذا الكتاب، ويعرف ما فيه من الصفحة الأولى إلى الأخيرة، وإذا لم تجد هذا الرجل، ضربت عنقك، وبينتُ لك، آنذاك، ما الذي أضحكني وأبكاني». يذهب إسماعيل كَمْلو، وهو إحدى شخصيات الرواية التي تنجز بحثاً عن "ألف ليلة وليلة "، يذهب بهذه الفكرة إلى أقصاها، إذ يرى بدوره: ليس جديراً بتأويل عمل أدبي إلا القادر على كتابته وهنا يقصد "الليالي " 》
رواية ليست كالروايات ، رواية من نوع آخر ، رواية يمكن اعتبارها "نخبوية" تميزت الرواية بخليط سحري بين الواقع والخيال فالمؤلف اختار استدعاء أحد أشهر كلاسيكيات الأدب العربي "الليالي أو ألف ليلة وليلة "ليقدمها للقارئ بأسلوب مختلف ومبدع ،أسلوب غلب عليه حس الباحث الناقد ، فدفع القارئ لمشاركته التأمل والتفكير والاستنتاج فحقق له المتعة والدهشة والمعرفة وأبعد عنه الملل والسأم ، خاصة أن الكاتب برع في السرد بطريقة سحرية كما برع في بحثه وبقراءته المغايرة والممتعة والمتفردة لليالي فجعل منه عملا أدبيا مميزا. وأتفق مع الرواي الذي جاء على لسانه بعد إنهاء بحثه : 《أحسست أني قد استوفيت ديني 》. أول تجربة لي مع هذا الكاتب المبدع وإن شاء الله لن تكون الأخيرة.
القراءة الأولى لعبد الفتاح كيليطو، وللقراءات الأولى دوما انطباعاتها، لا أعرف من هو عبد الفتاح كيليطو ولا مكانته الرفيعة كناقد أدبي لذا دخلت الرواية بحيادية متجردة من آراء مسبقة وربما لذلك وجدت عالمها غريبا نوعا ما وغير مألوف، لكن بمرور الوقت كان صوت الراوي يجذبني ويغرقني معه في تأملاته العميقة وملاحظاته الدقيقة المرهفة، شعرت بألفة مع تصرفاته المضطربة ومشاعره المرتبكة وانفعالاته المبالغ فيها أحيانا والتي يصاحبها في نفس الوقت كتمان شديد، هي ليست رواية بالمعنى المعروف لكنها نوع من السرد يشبه الرواية تنقسم إلى أربع قصص لا يربط بينها سوى ليالي ألف ليلة وعايدة تلك المرأة المجهولة التي يغرم بها الراوي في كل قصة وهي لا تبالي به على الإطلاق حتى تفاجئنا قرب النهاية بأنها كانت تبالي بالفعل :D ، القصة الأولى عن شاب يدرس ألف ليلة وليلة يكتشف مخطوطا نادرا لها يحتوي على حكاية لم تنشر من قبل ، والقصة الثانية عن طالب يحاول تخيل نهاية غير متوقعة لليالي ، والقصة الثالثة عن طالب يسكن في شقة صغيرة يراقب جارته الصامتة التي تنفر من رؤيته لسبب غير متوقع ويعثر على ملاحظات على رحلة ابن بطوطة وتمثلا معكوسا لليالي ألف ليلة حيث يقرأ الرجل هاهنا وتستمع المرأة لحكاياته، والقصة الأخيرة عن شاعر مغمور يسمح أن ينشر ديوانه الأول باسم صديقه ثم يندم على ذلك دون أن ينجح في تدارك الأمر وبالطبع عايدة حاضرة هنا و ذكر عابر لليالي ألف ليلة وليلة وتأثيرها على الأدب العربي والغربي .
عمل اعادني الى سنوات الدراسة بالثانوية عندما اكتشفت كيليطو و كتابيه: "العين و الإبرة "و "لسان ادم" في مكتبة الثانوية و الى سنوات الجامعة رغم اني لم ادرس عنده بحكم التخصص إلا اني كنت افرح عندما التقيه مع طلبته في أروقةكليتنا بحكم تجاور شعبتينا. كعادته كيليطو يستحضر الموروث الأدبي الأكثر شهرة و ترجمة في اللغات الاجنبية :" ألف ليلة وليلة" كبطل تدور حوله شخصيات الرواية كل من زاويته الخاصة: الاستاذ ك/اسماعيل كاملو/ساكن شقة اسماعيل كاملو/الشاعر ثم عايدة او ايدا التي تحضر على مستوى العمل كرمز للمرأة في علاقتها الملتبسة بالرجل . أكثر ما يمكن ملاحظته و هو ما منح نكهة خاصة للعمل ان جاز لي التعبير المزاوجة بين السرد و النقد : حكايات الشخصيات واشتغالهم على نص الف ليلة وليلة و خصوصا بعض القضايا التي تحيط به ( نهاية الحكايات مثلا) او تتقاطع مع حكايات أخرى في الموروث الإنساني،: حكاية نبوخذ نصر و حكمائه وبالمناسبة منه تم استلهام عنوان العمل (أنبئوني بالرؤيا) و كذا التشابه بين شهرزاد و استر فكلتهاهما أنقذت آخرين من الموت ، الأولى بنات بلدها و الثانية شعبها . العمل احتفاء بالنظريات النقدية البعد حداثية(موت المؤلف رولان بارث) و احتفاء بالعلاقات الإنسانية و بعالم التدريس و الدراسة . 4.5/5
الإشكالية الأولى التي يطرحها الكتاب تبدأ من الغلاف الذي كتب عليه "رواية" تحت العنوان لا أعتقد أنه يصح إطلاق وصف "رواية" على هذا الكتاب المكوّن من أربعة فصول، وبالطبع، هو ليس مجموعة قصصية برأيي هو أقرب ما يكون إلى "مشاهد" سردية من السيرة الذاتية لكيليطو وهنا نقع على الإشكالية الثانية، وهي أن المؤلف يستخدم أسماء تبدو لوهلة أنها لأشخاص حقيقيين، ويستخدم أحداثا تبدو وكأنها أحداثا حقيقية، كحين يتحدث عن أطروحته للدكتوراة، وأبحاثه التي نشرها، وسفره لأمريكا الكتاب ممتع، لكنه دون ما كنت أؤمل منه كـ"رواية" هي الأولى لكيليطو
هنا غوص آخر مع نص آخر في الكتاب الأهم " ألف ليلة وليلة " من خلال رواية تختلف أسلوبيا عن أي رواية أخرى رواية أقرب للقصص القصيرة منها للرواية والخط الجامع بينها هو كتاب الليالي والشخصية الغامضة " أيدا- عايدة "
الليالي عالم كبير ومع كيليطو أخبرني بأن بداخله عوالم غير مطروقة ما عليك سوى أن تمعن النظر فيها وسترى ما يذهلك لطالما سحرني هذا الكتاب ولكن كيليطو يجعلك تراه بصورة مختلفة .
الرواية؟ بها الكثير والعديد من الأسئلة كيليطو عموما ليس من أصحاب النصوص السهلة والبسيطة فكل لفظ خلفه معنى ومعاني أخرى .
لا أعلم هل الكتاب يندرج ضمن تصنيف الرواية أم سيرة ذاتية أم مجموعة قصصية!، لأن المؤلف جمع فيما بينها هُنا بطريقة متناغمة وانتقال سلس بين الحكايا وفصولها. الأسلوب يرتكز على التساؤل ومن ثم التأويل وهذا بدوره يُشكّل لدى القاريء نوعاً من الحيرة كفيله بشدّ انتباهه.
ليست رواية بل سيرة ذاتية تدور حول كتاب "ألف ليلة وليلة" لا أعلم إن كانت باقي كتب كيليطو تدور في نفس فلك الليالي أم لا. صحيح أن" ألف ليلة وليلة" يعتبر من الأعمال الخالدة لكن لايصل لدرجة أن يتحول لهاجس !
#ريفيو #انبئوني_بالرؤيا عمل شبه روائي يتحدث عن ليالي " ألف ليلة وليلة" ويقول الكاتب انه يشعر بالأمتنان لها ولذلك يكتب عنها كنوع من الأعتراف بالجميل والفضل تجاهها، حيث أنها تعد أول كتاب يقع بين يديه كما حدث مع أغلب القراء، بدأ الرواية بذكره انه كان مريض وتتوالت عليه الزيارات من المقربين وإذا بواحدة من الزائرات نسيت كتاب بجانبه وإذ به جزء من أجزاء ألف ليلة وليلة، ظل يقرأ بالكتاب حتى شعر ان صحته تتحسن كلما توغل بالقراءة إلا أن شفي تمامآ مع أخر صفحاته ....
يكشف كيليطو بعض الأشياء الغامضة بالليالي فتارة يتحدث عن نهايتها ويحلل شخصية شهريار وتارة يتنقل إلى شخصية شهرزاد ويتحدث عن سبب عدم قتلها بالنهاية عن طريق طرح عدة فروض وهل كان شهرزاد ينام حقآ أم ظل متيقظ من فرط القلق...
كل ذلك من خلال ذكر أبحاث وترجمات مختلفة لليالي ألف ليلية وليلة وبعض المخطوطات النادرة وأكثر من ذلك هي تحقيقاته وأبحاثه الشخصية عنها وسفره إلى أمريكا لكى يلقى بعض المحاضرات عنها.
لم بتكفي كيليطو بذلك بل خلق له عمل روائي يحاكي ألف ليلة وليلة وكأنه شهرزاد واخرج لنا هذا العمل الدسم الذي مزج به الواقع بالخيال مما يشعر القارئ احيانآ بأنه يقرأ سيرة ذاتية للكاتبة لكن سرعان ما يكتشف انه ادخل عامل أخر وهو الخيال في كل فصل من فصول هذا العمل ....
لماذا تقرأ لعبد الفتاح كيليطو ....
لانه ليس كاتب أو باحث فقط لكنه قارئ من الطراز الرفيع، مثقف بحق، يكتب بطريقة فريدة قلما تاجدها الأن، لا يسعى لتقليد أو مجاراة احد الكتاب، هو فقط يكتب ما تمليه عليه نفسه ....
كانت هذه هي القراءة الثانية للكاتب ولن تكون الأخيرة حتى إن اسعى لتحريض الكل على الولوج لعالم كيليطو العظيم ...
الكتاب تفيض أركانه بالجمال والسلاسة.. قرأتُ لكيليطو "حصان نيتشِه" وقد كان رائعاً، بل فوْقَ الرائع.. ولهذا السببِ تحديداً كنتُ متخوّفاً للغاية وأنا أشرُعُ في تناول هذا العمل.. لكنّني وجدتُني بصددِ عملٍ أكثر جاذبيّةٍ وجمالاً.. مجموعة قصصيّة قصيرة متقاطعة حول موضوعيْن.. الليالي "ألف ليلة وليلة" وعايدة.. أيدا.. إيدا.. أو أياً كان اسمُها.
وكأنّ الثيمة الأساسيّة تربطُ بين.. الليالي.. ليالي السهر.. والحكايات.. والمحبوب الذي يبقينا حبّه في حالةٍ من اليقظةِ، كحكايات شهرزاد لشهريار.. لأنّ حكاية المحبوب تمنع عقلك السيافِ من الإجهاز على قلبك إذا ما توقّف يوماً ما عن حكاية القصص.. قصص الحبِّ والمحبوب.
كتابات كيليطو مُلهمة حقيقةً.. محفّزة للكتابة.. أو بمعنى أكثر عموميّة، محفّزة لذلك الشعور الملحّ بالرغبةِ في قولِ شيءٍ ما..
كلّما أوغلتُ في روايته "أنبئوني بالرؤيا" كلّما أدركتُ أنّني لا أتجوّل حسب رغبة الكاتب في أماكن أو أسمع أصواتاً يسمعها قدر ما أشعر أنّي أتجوّل داخل ذاته هو.. الكتاب، كنتُ أُفكّرُ، هو الكاتبُ، بشكلٍ أو بآخرَ.. صنعةٌ وصانعٌ في آنٍ واحدٍ.. أو وساطةٌ إلى دواخل الكاتب تحمل مفاتِحُ شفراته.. واحتفائنا ببعض ما نقرأُ هو احتفائنا في الحقيقةِ بمن يشبهوننا.. بل أذهبُ إلى أنّهُ احتفاءٌ بنا نحن، وبعدم وحدتنا في هذا الكون الفسيح.
كيليطو مُنفتح على نفسه بشكل أكبر من أيّ كاتبٍ قرأتُ له إلى الآن.. يأخذُ من رأسه ليسطُر لك ما تقرأه.. فتقرأه، أي كيليطو.. وهذا، أي الكتابة عن النفس، يحفّز القارئ للكتابة عن نفسه (وهل، على أيّةِ حالٍ، يكتب من يكتُبُ إلّا عن نفسه؟!)، أو بمعنىً أدقّ، للكتابةِ عن النفسِ بشكلٍ أكثر وضوحا.. أنْ تضع القارئ داخل رأسك.
كيليطو المهووس بالحكاية، يكتب الرواية لينير أكثر دواخل القارئ. رواية أنبئوني بالرؤيا، كانت بمثابة زيارة شتوية لمنزل كيليطو وهو طريح الفراش، ولتبديد السأم و أخبار الصحة، منحنا سفراً شهياً بألبوم تاريخه. الرواية في أربعة فصول، و كل فصل في سياق زمني مغاير عن الآخر، تتقاطع الفصول فقط في الرؤية. تفنن جداً -كعادته- في عجن شخصياته الأنثوية بالأساس : إيدا، آدا، و عايدة. شخصيات أقرب إلى الخيال. جعلها تتنبئ كلها برؤئ حكايا ألف ليلة وليلة، التي حاول كيليطو أن يغرس تفاصيلها في كل مسارات السرد. و مرّن كيليطو نَفَسه النقدي بذكاء، حيث استطاع أن يُعلم القارئ أنه يمتلك قدرة متوحشة في قتل المؤلف مادام لم يطمئن لخاتمة النص ولا ترضيه، كل قارئ يسكنه شهريار بجنونه و باستعداده الفطري للقتل، قتل المؤلف مع تقديس فكرة أي نص يحكيه الروائي ( تسكن كل سارد شهرزاد مولعة بالكتابة و الحكي ). على طول الرواية يتأقلم القارئ مع مزاج كيليطو النقدي، و يعيش معه تلك الهشاشة المركزة في علائقه مع المرأة. و طبعاً الرواية كانت مكثفة جداً كتوقيع كيليطو الدائم، و نمطه في الكتابة، حتى أن علامات الترقيم لها قوتها التفاعلية داخل الرواية. و كذا الإحالة على معلومات و سياقات تاريخية تتعلق بتجميع حكايات ألف ليلة و ليلة. راق لي الإهداء جداً، وتصوير شكل القارئ كاللاشكل، و اللاموقع، واللاتحديد. هذا الجبروت الذي يتحلى به القارئ على الوجود اللغوي، اختزله كيليطو في إهداء.
أيّ إبداع يا كيليطو؟ لم أكن أتخيّل أنّ رواية تترجم من الفرنسية بهذا الشكل. أول الرواية ثقيل، وبعدها ينطلق في رحلة ماتعة حتى آخر صفحة. تحكي قصّة أكاديمي باحث في مسائل ألف ليلة وليلة ومخطوطاطها حول العالم والدراسات الي كتبت حولها ذهب إلى أمريكا ليطلع على بعض الدراسات هناك، فيجعل من رحلته وما يجري معه قصة. كان بإمكان كيليطو أن يفرد كتابًا أكاديميا مستقلا مملا يضع فيه بعض آراءه، والأمور التي أورد في الرواية. ولكنّه جعلها في هذا النسيج المحبوك بخفّة وروح وإبداع لم تطمسه الترجمة، يُفهم ويُهضم، ويُبهر أيضا. جميل جميل أنت يا كيليطو!
لاحظت شيئًا .. لا يؤثر كثيرا في المحتوى. في الصفحة ٦٢ في آخرها، والصفحة ٦٣ في أولها، يذكر المؤلف عبارة "أنبئوني بالرؤيا"، لسبب ما قلت: لعل هذا هو منتصف الكتاب، ربما هي إشارة أو إلماحة مقصودة، قلبت فكان ينتهي الكتاب عند منتصف صفحة ١٢٥. ولما قلت أنهّا قد تكون مصادفة، وجدت أنّ بعض القطع بينها وبين بعضها مسافات غير مبررة. فربما كانت كما لحظت، والله أعلم.