نعرض فى هذه الدراسة للإغتراب مقارنة بين أديب فيلسوف فى الشرق هو أبى حيان التوحيدى، ورائد للفلسفة فى الغرب هو ابن باجه تواجدا فى ظروف سياسية وثقافية واجتماعية متشابهة، وعانى كل منهما الاغتراب، ومشاكله كل على طريقته الخاصة، وحاول كل منهما التخلص منه بوسائل وآليات من إمكاناته وقدراته ورؤاه، بحيث شكل كل ذلك فى النهاية منهجاً وأسلوباً متميزاً يصلح أن يكون علاجاً يتعاطاه كل إنسان يسقط فريسة لذلك المرض القديم الحديث، خاصة وإن الاتجاه الإنسانى قد جمع بين كلا المفكرين، فهما صحابى فلسفة تدور رحاها على الإنسان وملكاته وقدراته والغاية من حياته ووجوده، بل يمكننا إعتبارهما مؤسسين لذلك الإتجاه الفلسفى الإنسانى فى الفكر العربى والإسلامى. وإذا كان الإغتراب alienation الذى يعتبره بعض الباحثين المحدثين من المصطلحات الغربية الحديثة، لكثرة استخدامه لدى الباحثين والنقاد والفلاسفة فى العصر الحديث، فأننا برهنا هنا على أنه يضرب بجذوره فى الفكر العربى والإسلامي، قبل أن يهتم به الفكر الغربى بزمن طويل. فنجده فى الشعر العربى قبل الاسلام، يتردد عند كل من الشنفرى والمتنبى، كما نجده يتردد فى بعض الأحاديث النبوية الشريفة، وينطبق على بعض الشخصيات الصوفية كالحسن البصرى والحلاج والسهرورى وابن عربى. ولذلك عالجنا مختلف أنواع الإغتراب سواء فى الشرق عند العرب والمسلمين أو فى الغرب عند الفلاسفة المحدثين، ووجدنا أن الاغتراب بمعناه المكانى والنفسى والاجتماعى لا ينطبق أبلغ ولا أعمق من ذلك الذى سنجده عند كل من أبى حيان، حيث عانى كل أنواع الاغتراب، وتجلى هذا واضحاً فى حياته ومؤلفاته معاً، كما وجدناه ينطبق على ابن باجة الذى عاش حياة قصيرة عانى فيها إغتراباً شديداً إنعكس فى مؤلفاته وخاصة " تدبير المتوحد " وانتهت حياته بمأساة مروعة حيث قتل مسموماً، وكان كتابه " تبرير المتوحد " بحق عمل يصور حياته الخاصة وتأملاته الداخلية ويعتبر هذا العمل الفلسفى الفريد، رد فعل شخصى لحياة مضطربة فى زمن مضطرب، ويظهر وجهة نظره الأصيلة حول الدور الخاص بالفيلسوف فى ظروف غير مواتية. ويعتبر هذا الكتاب الذى ضمّنه ابن باجة فلسفته العقلية ثورة ليس على المستوى المعرفى فحسب، بل ثورة اجتماعية حين يقرر أن الفرد إذا تركز فى نفسه، وتوحد فى ذاته، ولم يترك للمجتمع سلطانا على تفكيره، ولا للعرف السائد سيطرة على عقله، استطاع بتأملاته الخاصة أن يدرك أرفع الحقائق منزلة وأسماها قـدراً. وإذا كان الغربيون قد استخدموا مصطلح الاغتراب بمختلف دلالاته أداة كشف وتوضيح ونقد لآفات مثل : الاستبداد السياسى، والقهر الاجتماعى، والجمود الدينى، والكبت الجنسى والتعصب بمختلف أشكاله إلى آخر هذه الأفات التى أنتشرت فى المجتمع المعاصر، فقد سبق كل من ابن باجة وأبى حيان التوحيدى الغربين فى هذا الشأن، وتجلى هذا واضحاً فى مؤلفاتهما وقد برهنا على هذا بنصوص كثيرة من تلك المؤلفات، وقد وجدنا أنه لا معنى للحديث عن الاغتراب، دون تحليل الأسباب التى أدت إليه والنتائج التى ترتبت عليه، والأسباب قد تتعدد، فقد تكون نفسية أو عقلية أو ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو دينية، أما النتائج فهى مسألة صعبة تخضع للتفسير والتأويل، وغالباً ما تعكس موقفا أيديولوجيا وقيمّياً معيناً. ولذلك استقصينا كثيرا من الأسباب التى كانت وراء إغترابهما، كما حللنا الأساليب الثقافية والفلسفية التى تمكنا بواسطتها من تطوير هذه الأنواع المختلفة من الاغتراب، التى عاناها كل منهما، واستعرضنا فى ثنايا البحث الوسائل والبرامج الفكرية والأدبية التى تمكنا بها من التغلب على هذا الاغتراب. وقد جاء ابن باجة فى أوئل القرن السادس الهجرى، فى وقت كانت فيه الحضارة الإسلامية تواجه كثيرا من التغيرات السياسية والثقافية العميقة، وفى زمن عانت فيه الفلسفة والعلوم العقلية معاناة شديدة، وكان على هذا الفيلسوف الشاب أن يقف بشجاعة نادرة مدافعاً عن الفلسفية أمام العداء ومحاولات التشكيك السائدة فى عصره ضد الفلسفة، فكان شجاعاً صريحاً بعكس نظرائه من المفكرين الذين آثروا سبيل السلامة وانسحبوا من مسرح الحياة الفلسفية وقد وجدنا أن محور فلسفة ابن باحة تمثل فى الأنسان، وعوّل بشكل متميز على توضيح " نظرية الإتصال " التى تمكن ذلك الإنسان من تحقيقه لوجوده وانجازه لرسالته الوحيدة فى الحياة، متمثلة فى الإدراك والتعقل. ومن هنا كان إنصرافه عن الإنشغال بالمباحث الآلهية، وصرفه جهدا فلسفياً مضاعفاً من أجل تكوين فلسفة إنسانية تعتمد وسائل إنسانية وتكشف دائما عن إمكانات إنسانية لا نهائية، وهو بذلك يؤسس فى الفلسفة الإسلامية لأول مرة اتجاهاً إنسانياً ذو ركائز ميتافيزيقية، ستتحدد بوضوح من بعد عند كل من ابن طفيل وابن رشد. ومـن هنـا ســيكون " حى بن يقظان " لابن طفيل هو التجسيد المتطور لمتوحد ابن باحة فى مرحلة جديدة هى مرحلة دولة الموحدين، حيث الازدهار والاستقرار والتفتح العقلى. أما عند أبى حيان، فقد حاولنا الإجابة عن سؤالين هامين بالنسبة له، فعرفنا أولاً لماذا كان مغتربا عن مجتمعه وعن ذاته، وحللنا الأسباب والعوامل الداخلية والخارجية التى أدت إلى هذا، فنحن لا نستطيع أن نفصل الأنواع المختلفة من الاغتراب التى عاناها عن معطيات حياته ومكونات نشأته وموجهات تكوينه النفسى والثقافى، ثم عرفنا ثانيا كيف كان مغتربا، وكيف تغلب على إغترابـه. وسوف يتبين لنا اشتراك الفيلسوفين فى القدرة على التفلسف والأندهاش، و التى هى من أهم أسباب الإغتراب، بل هى خصيصة الفيلسوف دائما، لأنه ذو قدرة على ممارسة التأمل الذى هو تجريد ومفارقة الظواهر والوقائع، وعدم إستغراقه فيها أجل إدراكها إدراكاً حقيقياً. لذا كان هذان الفيلسوفان مغتربين عن مجتمهما وعن الآخرين، من حيث إختلاف رؤيتهما للظواهر والأشياء والوقائع والأحداث، وأيضا من حيث إستجابتهما لكل هذه الأشياء إستجابة مختلفة، فالإبداع الفلسفى الذى تميز به كل من ابن باحة فى الغرب والتوحيدى فى الشرق هو نتاج موقف عزلة، ونتاج مساحة بين الفيلسوف والواقع يساعد...
الأستاذ الدكتور بركات محمد مراد من مواليد مصر عام 1950. حصل على الماجستير ودكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية من كلية دار العلوم في جامعة القاهرة. يعمل أستاذا للفلسفة الإسلامية بجامعة عين شمس بالقاهرة، ورئيسا لقسم الفلسفة بالجامعة نفسها. له عدد من المؤلفات منها: تأملات في فلسفة ابن رشد، الكندي رائد الفلسفة الإسلامية، الاغتراب بين ابن باجة وأبي حيان التوحيدي، الإسلام والبيئة، ظاهرة العولمة رؤية نقدية، وفلسفة ابن باديس في الإصلاح والتجديد
الكتاب قرأته قبل أكثر من عام و اليوم خطر لي إضافته بعد أن رأيت كتاب الهوامل و الشوامل للتوحيدي و هذا ما كتبته حين أنهيته:0 يتحدث الباحث بركات بداية عن مفهوم الاغتراب بشكل عام عند الفلاسفة العرب و الغربيين... ثم يخص الحديث عن مفهوم الاغتراب عند كل من ابن باجة و أبي حيان التوحيدي، اللذين عانا من غربة في مجتمعيهما و حتى بين أوساط مثقفي عصرهما، متحدثا عن الظروف التي أدت إلى اغترابهما و عن فلسفة كل منهما في الاغتراب... فابن باجة عالج هذه الفكرة في رسائله من أشهرها رسالة المتوحد... و أما أبو حيان فقد عالجها بكتاباته الأدبية و آخرها رسائله الإلهية...0 الدراسة ممتعة جدا... و مكتوبة بأسلوب سلس... و حُق لباحثها لقب أستاذ، فهو يشرح الأفكار الفلسفية (و خصوصا فلسفة ابن باجة في الاتصال بالعقل الفعال) و يقربها للذهن بطريقة سهلة... ليس ما يعيب الدراسة سوى الأخطاء المطبعية التي لا تكاد تخلو صفحة منها حتى اسم المؤلف على صفحة الغلاف... 0 بأية حال يبدو أن العزلة و اللاانتماء و الانفصال عن الزمان و المكان و الاغتراب هو قدر كل من يملك قلبا مبصرا و عقلا واعيا و لسانا صادقا في مجتمع أعمى زائف لا يعي...0 فطوبى للغرباء!0