أنا واقع أمام إمتحان جديد فحجم هذا الكتاب ومضمونه الممتاز وتشعب السرد الموجود فيه يجعلك أمام حيرة تامة في كتابة مراجعة حول قرائتك له مع ذلك سأحاول بذل مجهود مضاعف في نقل التجربة التي عشتها مع الكتاب أثناء قرائتي له قدر الإمكان, فمن المخزي جداً كتابة مراجعه فقيرة في مضمونها لكتاب صنع في داخلي دهشة عظمى. على العموم لا شيء يضاهي نشوة الإكتشاف المفاجئ فأن تقوم بإنتقاء كتاب ما لمعرفتك بأنه يتحدث حول موضوع معين يثير إهتمامك دون أي معرفة مسبقه بحيثيات الموضوع أو الشخصية التي يدور حولها هذا الكتاب.. هي نشوة كاملة وجديرة بأن يحتفى بها. صدفة تامة هي التي جمعتني مع سيرة "محمد سعيد طيب" فأنا لم يسبق ليّ أن سمعت عن هذا الرجل وعن سيرته.. وإنتقائي للكتاب جاء من دافع بحثي عن كتب تتحدث عن الطبيعة الإجتماعية والسياسية للمملكة منذ السيتينات الميلادية حتى الألفية الجديدة, وقد جاء هذا الكتاب ليكون متوافقاً مع هذا النسق بشكل تام, ولتكون شخصية "الطيب" وسيرته مشوقه ونافذة مفتوحة للإستطلاع على طبيعة الحراك السياسي في وقت مبكر من تاريخ المملكة السعودية.
قبل كل شيء لا أعلم أن كانت الطريقة التي أخرج بها "أحمد عدنان" الكتاب نفعت "الطيب" في سرد سيرته أم أضرته وحرمتنا فصول عديدة ومشوقه من سيرته لو أن الكتاب جاء بشكل سرد متتابع ومفتوح بدون صيغة السؤال والجواب عموماً لا ضير في ذلك فالمهم أن تجربة "الطيب" دونت على الورق وهو أمر يشكر عليه "أحمد عدنان" كونه وفر وقته وجهده ليتفرغ لتدوين سيرة رجل مناضل كـ "الطيب", أفتتح "أحمد عدنان" حواره مع "الطيب" حول ذكريات الطفولة والدراسة والنشأة وكان فصلاً خفيفاً لم أجد فيه أي عامل جذب وهو ما جعلني أعيد تفكيري في مسألة إقتنائي للكتاب حيث توقعت من خلال هذا الفصل أن الكتاب لن يتماشى مع رغبتي الأولى في إقتناءه وهي القراءة حول طبيعة المملكة السعودية إجتماعياً وسياسياً, لكن سرعان ما تلاشت فكرة إعادة النظر في إقتنائي للكتاب مع شروعي في قراءة الفصل الثاني من الكتاب حيث بدأ مستوى التشويق في السرد يرتفع وبدأت إجابات "الطيب" تحمل مضموناً يستحق التأمل والمشاركه وإعادة التدوير والنظر, حيث بدأ "الطيب" بمشاركتنا ذكرياته وحديثه حول الحراك السياسي وأول تجربة له مع معترك السياسة عام 1964م فكان الحديث بمجمله مشوقاً حول شكل الأحزاب السياسية بالمملكة وإنتمائاتها للبعثية والماركسية والشيوعية وغيرها من التفرعات السياسية حيث كانت السياسة بتفرعاتها مسيطرة على الأجواء العربية والعالمية في وقتها.
ثم أخذ "الطيب" يشاركنا تجارب أخرى فريدة من نوعها, فبدأ بسرد ذكرياته مع تجربة الإبتعاث وتحدث بشكل مطول حول المفارقات العجيبة بين الأجواء السياسية في المملكة وأمريكا وكيف كانت تلك بمثابة الصدمة لشاب سعودي في أواخر الستينات الميلادية حيث كانت المملكة تعيش أسوء فتراتها من ناحية حرية التعبير والرأي في الصحافة أو في الجو العام عموماً, وسرد لنا ذكريات السفر والتجارب الأولى في زيارة بيروت التي صورها "الطيب" في وصفه لها بأنها كانت في أوج توهجها على الصعيد الثقافي والفني في زمن السيتينات الميلادية, كذلك الرحلة الأولى للقاهرة وتجربة حضوره لحلفة "لأم كلثوم" على المسرح ومشاهدته لـ "جمال عبدالناصر" بين الجمهور وإستخدامه لحجة "دورة المياة" حتى يتسنى له العبور من أمام "عبدالناصر" ومشاهدته عن قرب, وتجربة السفر للمرة الأولى إلى لندن وعواصم أخرى كانت تشكل عناصر مهمه في الثقافة والسياسة في زمن السيتنات الميلادية.
ثم بدأ "الطيب" بسرد التجربة المرة والمغايرة في السجن سنه 1969م الى عام 1974م وهي خمس سنوات ونصف السنة قضاها في الحبس الإنفرادي حيث كان عائداً للإجازة من أمريكا كونه مبتعث فيها ليقضي الصيف في الطائف مع والدته وإذ بها تكون عودة دائمة بلا إياب, هنا سرد "الطيب" شكل التجربة بحذافيرها فصرح بالأسماء دون تحفظ وهو ما عزز من مصداقية السرد والتي كان على رأسها "عبدالعزيز مسعود" الذي شهد ولادة جهاز المباحث بالدولة وكان ممن تولوا مسألة التحقيق مع "الطيب" والإشراف على تعذيبه كما صرح بذلك "الطيب" في سرده لأحداث التحقيق والتعذيب وحيثيات التجربة, وقد كانت هذة الفترة هي فترة حكم الملك فيصل للمملكة, ويعزو "الطيب" إعتقاله في تلك الفترة إلى كونها فترة كانت مشتعله على الصعيد السياسي بشكل كلي في الأقطار العربية حيث كان زمن "عبدالناصر" والأحزاب السياسية بإمتياز مما دعى الحكومة المالكة حينها ممثلة بالملك "فيصل" بأخذ كافة إحتياطاتها ممن يفكرون بقلب الحكم من الداخل وإثارة الشغب, بعد ذلك جاء في ملحق هذا الفصل إعترافات مختصره حول تجربة السجن من شخصيات معروفة على الصعيد الثقافي في المملكة كـ "باقر الشماسي" و"تركي الحمد" و"محمد العلي" الذين وصفوا تجربتهم مع السجن بأنها الأقسى والأسواء في دائرة حياتهم.
بعدها بدأ السرد يأخذ مجريات جديدة وبدأ "الطيب" حديثه حول مشروعه الثقافي المتمثل في "تهامه" وهو إسم كان له حضور بارز أثناء مرحله طفولتي والنشأة فأنا أتذكر أشرطة الفيديو لأفلام الرسوم المتحركه التي كانت "تهامه" تقوم بمهمه توزيعها وتستحوض على حقوق نشرها, وتلك المطبوعات التي كانت تملأ رفوف المكتبات والمرافق الحكومية والتي يكون شعار "تهامه" دائماً بارزاً على ظهرها أو في مقدمتها, ليتبين لك كم كانت مساهمه "الطيب" عظيمة في تكوين الذهنية الثقافية في حياة الفرد أو النشء السعودي في وقت كانت فيه مصادر الثقافة محدودة وقليله في المملكة, وكيف جعل من الثقافة مشروعاً تجارياً مربحاً دون أي إبخاس في حق المادة الثقافية التي كانت تتناولها مطبوعات "تهامه" ومنتجاتها.
وفي سرد آخر لمجريات أخرى تتعلق في السياسة بحكم أن "الطيب" كان ناشطاً سياسياً ووطنياً مخلصاً وعروبياً كما إنعكس ليّ من خلال قرائتي لسيرته هذة, يأخذنا في سرده لحدث إستدعاءه للتحقيق في مقال نشره سنه 1984م في مجله المجله ليتبين لك بعد قراءة ذلك المقال حجم حساسية السياسي من النقد في الثمانينيات الميلادية, وبأن الوقت جعل من السياسي أرحب صدراً في تقبل النقد والرأي الآخر, وأن سقف الحريات في الصحافة إرتفع قليلاً بعدما كان يبعد عن القاع بضع مترات, فمحتوى المقاله لا يعادل محتوى ما ينشر الآن في الصحافة سواء في حقل السياسة العام أم في النقد المباشر للسياسي, ليأخذنا بعدها في سرد وتحليل لرؤيته الخاصة حول "العريضة المدنية" وكيف جاءت فكرة إنشائها وتداعيات حرب الخليج سنه 1990م وتظاهرة المرأة للقيادة ليسلط ضوءه على تلك الأحداث التي ما زالت المملكة حتى وقتنا الحالي تعيش نتائجها كحقيقة مرة, ثم حديثه عن مشروع كتابه "مثقفون.. وأمير" وكيف إستلهم الفكرة لبدء مشروع كتابه تلك الرواية, ولقاءه اليتيم بـ "بن لادن" وتحليله لشخصيته وكيف أن "بن لادن" في تلك الفترة كان مع الوطن ومع أبن سعود ومملكته قبل أن تنعكس توجهاته إلى الضد, ثم يسرد لنا "الطيب" مجريات تلك الرساله التهكميه التي بعث بها بالفاكس لزميله "توفيق إبراهيم" مباركاً له حصوله على كرسي في مجلس الشورى وهي من المطالب التي كان "الطيب" حريصاً على إيصالها إلى قيادة المملكة وكيف أن تلك الرساله قلبت حياته على عقب لتوقعه سجيناً في الحاير لسبعه وسبعون ليله, ثم يأخذنا السرد لتحليل "الطيب" لأحداث الحادي عشر من ستمبر وأثارها على المملكه ومساهمته في موجة الإصلاح التي إنبثقت بعد الضغط العالمي على المملكة لتحسين أوضاع الحريات والتقليل من مستوى الغلو في التعاطي مع الدين مروراً بأحداث فرعيه كأعتقاله سنه 2004م ومنعه من السفر لمدة ست سنوات تقريباً وقرائته للأوضاع في عهد الملك فهد والملك عبدالله رحمهم الله وسرده لمجريات مساهمته في إعداد الكثير من الخطابات الإصلاحية وملتقى الحوار الوطني.
وأنت تقرأ في هذا السرد المشوق والمثير بمجرياته ستتفاجئ بحجم التاريخ المسكوت عنه الذي جاء "الطيب" هنا على ذكر جزءاً منه ضئيل جداً مقارنه بالفترة الزمنيه التي تفصلنا عن تاريخ إنشاء هذة المملكة, وستجدك متعجب في الكثير من المواضع حول مجريات بعض الأحداث ودور "الطيب" فيها, وستعجب جداً بشخص "الطيب" وبرؤيته الوطنيه والعروبيه وبحرصه الدائم وجهده العظيم في السعي للإصلاح, وبأن الكثير من التغيرات على مستوى الحريات وفتح آفاق الحوار بين الطرف والطرف الآخر أو بين السياسي والمصلح أو المثقف كان له فيها مساهمه فعاله ودور كبير وواضح, وستجد في نفسك ملامه كبيرة على هذة الدولة التي أبخست حق "الطيب" ولم تعطه وقتها في تفهم ذهنيته والتعاطي مع مقترحاته بشكل سليم ودون أي إستنزاف لوقته وجهده, وبأن جملة الشعب السعودي لم يحضوا على فرصة حقيقة للتعرف على وطنية وعقلية "الطيب" فقد ظلمه إعلام الدولة ولم يبرزه كمثل جدير بالإحتفاء كونه شخص سوي يحب وطنه بكل ما فيه ويتمنى لو كان بإمكانه أن يجعله في مقدمة دول العالم على صعيد الحريات وتقبل الآخر وصناعة سياسة الدولة الحديثة, بالنهاية تجربة القراءة في هذا الكتاب كانت ثرية ومثمرة للغاية ومن الصعب حصرها في سطور معدودة, أنصح به بشدة للمهتمين بالوضع السياسي في السعودية.