يبدو للوهلة الأولى عند النظر إلى عنوان هذا الكتاب أن شريعتي كان يريد سرد تاريخ الحضارات أو بعضها, لكنه لم يرد ذلك, فمواضيع الكتاب عديدة ومتنوعة, بعضها جاءت في كيفية نشوء الحضارات, وبعضها في الاقتصاد والبيروقراطية, وبعضها في العقائد والدين, وغير ذلك.
وهنا سأحاول إيجاز أبرز ما جاء في الكتاب من مواضيع كلٌ حسب نوعه:
(في الحضارة بوجه عام)
• يستعرض شريعتي بداية مقدمةً في كيفية نشوء الحضارات والمذاهب العلمية التي فسرت نشوءها, والتمييز بين مصطلح الحضارة والثقافة إلى جانب التركيز على الجانب الروحي والمعنوي والفكري في الحضارة. والحضارة عند شريعتي "عبارة عن حالة روحية ودرجة معنوية وفكرية, ويمكن أن نفهم هذه الحضارة من خلال طريقة التفكير والعقيدة والثقافة ودرجة الإحساس وبعد النظر في الكون والضمير الاجتماعي ونسبة المعرفة الذاتية والإحساس بالمسئولية والهدف وكذلك الفكرة السياسية للأفراد حتى لو كانت الحياة المادية والتكنولوجية في مستوى غير مطلوب" , فالإنسان المتحضر عند شريعتي "ليس هو ذلك الإنسان الذي يمتلك الوسائل الحضارية, فمن الممكن أن يكون هناك إنسان متوحش يمتلك سيارة وثلاجة وغيرها من الوسائل الأخرى, فالحضارة مرحلة فكرية وروحية متعالية للإنسان أو المجتمع".
• يتبنى شريعتي النظريات القائلة بأن جميع الحضارات والأعراق ترجع إلى أصل واحد, وذلك بالاعتماد على عدة علوم, كعلم اللغات المقارن (الفيلولوجيا) وعلم الأساطير (الميثولوجيا), وذلك بوجود شبه ملحوظ في كثير من الكلمات في لغات مختلفة, ووجود شبه في الأساطير والحكايات الشعبية.
• يرى شريعتي أن الأساطير والقصص الدينية تشكل روح الحضارات, وذلك باعتبارها اللبنة الأولى في بناء الفلسفة والمذاهب الفكرية والمدارس الفلسفية, كما يرى ضرورة دراسة الأساطير دراسة خاصة لفهم مضمونها وحقيقتها, وتفكيكها لمعرفة ما تحاول تفسيره, والتعامل معها بمنهجية خاصة, كون هذه الأساطير تحتوي على فلسفات عميقة, وقد تعامل شريعتي شخصياً معها باعتبارها قصصاً رمزية, كما هو الحال في تعامله مع قصة آدم وحواء, وقصة قابيل وهابيل, بحيث أن كل شخصية تمثل معنى إنساني معين, والأحداث فيها تمثل ظواهر كونية وحقائق واقعية, ووجوب استخلاص الجانب الفلسفي منها, كونها شكلت "فلسفة ما قبل الفلسفة".
(في الحضارة الصينية)
• تعتبر الحضارة الصينية حضارة أصيلة وعريقة, عرفت ازدهارا في جميع جوانب الحياة, فقد عرفت الصين ازدهارا في الفنون والمسرح والصناعة والأدب والفنون المعمارية الخ...
• عرفت الصين الكثير من الاختراعات والاكتشافات المتقدمة, فقد كانت الصين هي السباقة في اختراع الطباعة والأوراق وأوراق اللعب والعملات الورقية والبارود - الذي استخدمه الصينيون في الألعاب النارية والقنابل اليدوية - , والبوصلة وجهاز لمعرفة الزلازل وغيرها... كما شهدت الصين تطورا في عدة مجالات كالطب والهندسة والجبر والفلك
• رغم كل التطور العلمي والثقافي الا أن الصين لم تتخلص من الفكر الخرافي
• المجتمع الصيني كان مجتمعا طبقيا, وقد كانت الهوة بين الأغنياء والفقراء واسعة جداً, فقد كان يقدم في طعام الأغنياء ما يقرب الأربعين صنفاً من الأطعمة والذي قد يستغرق تقديمه ثلاث أو أربع ساعات, في حين كان الفقراء يأكلون ما يسد رمقهم فقط.
• المجتمع الصيني عرف الرق, حيث كان رائجا بيع الأيتام والبنات, وكان للآباء حق بيع بناتهم في حالات العسر بأسعار زهيدة, لكن الرق لم يكن على وتيرة عالية كما كان لدى الرومان على سبيل المثال.
(في العقائد)
• عقيدة التوحيد ليست مجرد عقيدة, بل إن لها أبعاداً اجتماعية وأخلاقية وإنسانية, تتمثل في توحيد القبائل والشعوب والجماعات والأعراق والإثنيات..., ويرى شريعتي أن البشرية بدأت بعقيدة التوحيد ومن ثم أخذت الأمم بالتعديد (تعديد الآلهة) والشرك بالله.
• يرفض شريعتي تقسيم ( الطبيعة وما وراء الطبيعة), ويرى أن أنهما - أي الطبيعة وما وراء الطبيعة - شيء واحد, والحاجز بينهما حاجز مصطنع, فالإنسان يستطيع أن يدرك ما وراء الطبيعة بالعلم والمعرفة العبادة المخلصة, وشريعتي يتبنى هنا نظرية (وحدة الوجود), لكن ليست كتلك التي يعتقد بها الفلاسفة والمتصوفة (كالحلاج وابن عربي وسبينوزا...), بل هي وحدة الطبيعة وما وراء الطبيعة, وكلام شريعتي هذا ربما جاء على سبيل المجاز, حيث أن العارفين بالله والصالحين من الممكن أن تتكشف لهم بعض الخفايا والحقائق الإلهية.
• الإيمان بقوى مفارقة حاكمة هذا الكون ومن ثم عبادتها, فطرة أو غريزة متأصلة في الكائن البشري, فلم تخلُ أي دورة تاريخية من تاريخ الحضارات من عنصر العبادة, فالعبادة عنصر لصيق بالإنسان يحتاجه كما يحتاج إلى الغذاء والشراب والجنس..., وهذه الغريزة موجودة ومتكررة قدم وجود الإنسان, ولا عبرة هنا بصفات المعبود لأنها مسألة تشخيصية من الإنسان نفسه, وعند نزع مفهوم الإله, فإنه سيعبد أي شيء (جمادات, حيوانات, أشجار, أخشاب,...), ويضرب شريعتي على ذلك مثال بودا وكونفشيوس الذين لم يُشر أحد منهما إلى مفهوم الخالق, فقام أتباعهما بعبادتهما هما وأصبحتا شخصيتان مقدستان تُقام لهما الطقوس وتُقدم لهما القرابين وتُبنى لهما المعابد.
• يرى شريعتي أن عقيدة الإنتطار, أو انتظار المنقذ والمخلص, عقيدة عرفتها معظم الأمم والشعوب البشرية التي وقع عليها الظلم والجور, فمن خلال وقائع التاريخ يُعرف أن الأمم والشعوب التي يقع عليها كمٌ هائل من القهر والبؤس تلجأ عادة إلى اعتناق هذه العقيدة, مثال ذلك عقيدة اليهود في ظهور المخلص (السيد المسيح), بسبب تعرضهم للظلم والاضطهاد الشديدين, ويرى شريعتي - وبعكس بعض الباحثين - أن عقيدة الانتظار عقيدة إيجابية, كونها لا تقبل بالأوضاع التي تعيش فيها الجماعة المضطهدة وترفض الظلم والاستبداد الواقع عليها, وتسعى إلى تغييره, وعقيدة الانتظار هنا تمثل دافع ومحفز معنوي قوي لهذه الجماعة, وعامل نفسي مساعد لمقارعة الظلم والصمود في وجهه, وكلما كان إيمان الجماعة بهذا المخلص قوياً كلما كان التغيير في الواقع إيجابي وتطوي بشكل أكبر, كما يرى شريعتي أن قوة العقيدة تُجسّد هذه الشخصية و تُكوّنها على الواقع بصورة أعمق وأدق.
• يرى شريعتي عدم إمكانية إقامة نظام أخلاقي دون أساس ديني أو ما ورائي, لأن الأخلاق في جوهرها تدعو إلى إنكار الذات, فالتضحية والفداء والإيثار وغيرها من القيم الأخلاقية والتي يغيب فيها الأنا في سبيل مصلحة الغير أو مصلحة الجماعة أو الدين أو الوطن..., وقد لا يعود للفرد منها أي نفع أو فائدة, تكون مخالفة للطبيعة المادية للإنسان, ويستشهد شريعتي في النهاية بمقولة دوستويفسكي "إذا لم يكن الإله موجوداً فإن كل شيء مباح".
(في الاقتصاد والبيروقراطية)
• يرى شريعتي أن التطور الصناعي وظهور الآلة, أثر سلباً على الجانب المعنوي والروحي لدى الإنسان, حيث أخذت الآلة تقلص الجانب التأملي والشعوري والذوقي لدى الإنسان, مما جعل فكر الإنسان ينصب على الجانب المنطقي والعقلي والمتع الحسية والمنافع المادية بعيداً عن التأمل في الطبيعة.
• إن التطور التكنولوجي والآلي والبيروقراطية الحديثة تشكل خطر تنميط أساليب الحياة إلى نمط واحد, فتجعل الأفراد في المجتمعات عبارة عن قوالب متشابهة, ويتوجب على الإنسان للهرب من هذا الخطر تكوين شخصيته الحرة والمستقلة في مواجهة هذا التنميط العالمي الذي يتحكم فيه الأقوى.
• يتحدث شريعتي عن أهمية وقت الفراغ الذي يتيح للإنسان العزلة والوحدة والذي يمكن خلاله التأمل والاختلاء بالذات. وينبه شريعتي من خطرة تقلص الفراغ في النظام الاجتماعي الحديث, فالمؤسسات والهيئات والشركات هي التي صارت تفرض أوقات الفراغ وتحددها حسبما يتوافق ومصالحها, ويفرق هنا شريعتي بين التفكر والتأمل, باعتبار التأمل هو التجرد من كل ما يتعلق بالمصلحة, فهو تفكير الإنسان في نفسه والوجود.
• البرجوازية والرأسمالية نظامان مترادفان, فالرأسمالية نتيجة منطقية تترتب على وجود البرجوازية وتوغلها وتعقدها في المجتمع.
• مذهب كافكا في الأدب هو مذهب خاص بالبرجوازية, وعلاقة الفرد بالبيروقراطية, فتكون حياة الإنسان عادية ابتداءً, لكنها وبصورة مفاجأة تصبح ممسوخة يقول شريعتي: "إن الإنسان الذي يحصل له هذا المسخ هو ذلك الإنسان الذي لا يمتلك آلام الناس العاديين, أي الإنسان المرفه, حيث يستيقظ يوماً من النوم فيرى أن يده أصبحت أطول من رجله".
(في الحضارة الغربية المعاصرة)
• العلم حينما لا يكون بمقدوره الإجابة على الأسئلة الكبرى, أو بمعنى آخر: تلك الأسئلة التي تقع خارج نطاق حدوده, فإنه يوصي الناس بعدم طرح هذه الأسئلة أو يحاول تهميشها أو إبطال أهميتها وفائدتها, لكن هذه الأسئلة مدموغة في الإنسان ولا يستطيع التخلي عنها, وحين همشها العلم وجاءت الفلسفات المادية بإجابات عدمية, انعكس ذلك على المجتمعات الأوروبية بشكل سلبي, كرهت على إثرها الحياة وكل شيء.
• الجمود الفكري الذي كان في أوروبا إبان العصور الوسطى لم يكن بسبب المسيحية, بل بسبب المنطق الأرسطي الذي أُدخل عليها, والفهم العقيم والأعمى للدين, والتقدم الذي شهدته أوروبا في العصور الحديثة لم يكن بسبب ترك الدين بل بسبب تنحية المنطق الأرسطي الجامد.
• نتج عن الفهم الخاطئ والتنظير المنفلت لنظرية التطور, ظهور إيديولوجيات و فلسفات دكتاتورية عنيفة في أوروبا, فكل من الفاشية والنازية كانت امتدادا للداروينية الاجتماعية.
• في الفصل قبل الأخير من الكتاب, يتحدث شريعتي عن الاستلاب أو الاغتراب(alienation) - والذي يترجمه المترجم بـ"الجنون" !! - وأزمة ما بعد الحداثة في المجتمعات الغربية الأوروبية والإمراض التي أفرزتها الفلسفات المادية والعبثية في هذه المجتمعات وتأثيرها على شعوبها وعلى الشعوب الشرقية, ومشكلة بعض الشرقيين الذين يرددون كل ما يقوله مفكري الغرب, ويتبعونهم في كل صغيرة وكبيرة, ويقترح شريعتي اصطلاح "الاغتراب الثقافي" في حقهم. وعليه دعا شريعتي في النهاية إلى صحوة إسلامية كالتي فجرها كبار المجددين أمثال جمال الدين الأفغاني الشيخ محمد عبده ومحمد إقبال وغيرهم من المجددين والمصلحين.
بالنسبة إلى ترجمة الكتاب: كنت في البداية متحمساً لقراءة الكتاب لكن الترجمة قتلت ذلك الحماس. وشعرت فيما بعد بالملل فالكتاب يقع في 811 صفحة كلها مترجمة ترجمة رديئة للغاية.
هناك أخطاء شنيعة ومخلة كثيرة في المصطلحات العلمية والمدارس الفلسفية والفكرية وأسماء الأعلام من فلاسفة ومفكرين ومؤرخين الخ..., ناهيك عن الأخطاء الإملائية وغياب الدقة النحوية, إلى جانب عدم التناسق في تعاقب الأفكار والمواضيع, فالمؤلف ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر قد لا تكون له علاقة بسابقه البتة, ويجعلك في حيرة فيما يريد أن يتوصل إليه الكاتب, ولا أدري إن كان السبب هو كون الكتاب كان عبارة محاضرات ألقاها شريعتي ومن ثم دُوّنت؟ أم أن المشكلة في أسلوب المؤلف نفسه؟ فكثير من الأفكار التي تبدو ضخمة – بحق – ضاعت بسبب سوء التنظيم والترجمة.
في كل الأحوال أرى أن الكتاب يحتاج إلى ترجمة أخرى, فهذه الترجمة لا تليق بأفكار كبيرة من مفكر كبير مثل الشهيد شريعتي, فقد كان بالإمكان أن يظهر الكتاب بحلة أجمل وأقوى في حال تُرجم الكتاب ترجمة ممتازة من مترجم بقامة شريعتي, وعليه نتمنى صدور ترجمة جديدة وجدية.