الطقاقة بخيتة... هجاء جريء لـ"لعنة الإثنيات"ـ
ثلاثة عوالم مختلفة تتعارك وتتصارع وتتقاطع في رواية الطقاقة بخيتة، ربما لم يستطع المزيني أن يتخلص من الثلاثية "ضرب الرمل"، ولمّا لم تكن "الطقاقة بخيتة" ثلاثية، كانت حاملة ثلاثة عوالم.ـ
استطاع المزيني في هذه الرواية أن يمزج بين عوالمه الحكائيّة المستطردة، وبين جملته الوصفية الطويلة ذات الخصائص المفرداتية والتصويرية العالية، وبين رؤيته النقدية للعالم الروائي والمجتمع الثقافي. ويستند ذلك كله إلى أرضية صلدة من القيم والقناعات التي تؤمن بالإنسان وتغريبته، وتكثيف مثالي يكفر بالمادة ومنجزاتها، لكنه ذلك الكفر الذي لا تدري، هل سببه استشعار الحرمان من اللحوق بالركب؟ أو هو استهانة حقيقية بالصعود المادّي، حتى إذا وصلنا إليها...؟ هذا سؤال يُجيب عنه الكاتب أولاً، ونجيب عنه نحن ثانياً إذا سألنا أنفسنا.ـ
وفي استمرار وثيق الصلة بالمنجز الروائي في الثلاثية (بغض النظر عن رواياته الأخرى) يأتي المزيني في "الطقاقة بخيتة" تحوطه الهالة نفسها التي كانت تحوطه في الثلاثية، وهي ذلك التعلّق الشديد له بالقوّة الميتافيزيقية التي تطل بحميميتها على كل شيء، متمثلة في الأنثى الحارسة، فكما كانت المرأة الغامضة الحلم في الثلاثية، فهي كذلك الحلم والتعويذة في الطقاقة بخيتة، التي يمكنها أن تعدّ استئنافاً، من العقل الباطن لتغريبة الثلاثية، وإن كانت قد حضرت في تقنيات جديدة، وأسفر فيها الراوي العليم عن قناعه (الروائي) وعن همه الإبداعي والثقافي جنباً إلى جنب إلى همه الاجتماعي الذي كان رفيق دربه في الثلاثية، لكن الهم الاجتماعي هنا يتركز في مسألة الإثنية الصارخة في هذا المجتمع، والتي لن يتمكن من النهوض قبل الخلاص منها، وكأنها لعنته التي لا يزال لا يعيها حتى الآن.ـ
يمكن للطقاقة بخيتة أن تكون تذييلاً موغلاً في محلّيته التي تعيش مجاورة وجنبا إلى جنب مع جميع ما جرى في السنوات الخمس والعشرين الماضية في هذا الأتون الاستهلاكي الذي نعيش فيه معاً، وهذه الأرض التي تلهث وتلهث تحت البطون التي تدفع والإنسان الذي لا يشبع، والإثنيات المستعصية على الحصر.ـ