ماذا أصبحنا المشكلة رقم واحد بالنسبة إلى العالم بأسره؟ ما الشيء الذي يميّزنا عن بقية أمم الأرض لكي نصبح العدو الذي يتجرأ على تحدّي أكبر حضارة على وجه البسيطة في عصرنا هذا؟ لماذا أصبح الخطاب السياسي العربي مجيَّشاً بمعظمه لمحاربة هذه الحضارة الغربية؟ ولماذا تحوّلت كل خطابات القومجيين العرب والأصوليين الإسلامويين إلى خطاب واحد جبّار يهدو صاخباً من المحيط إلى الخليج بإحتقار الغرب وكره الغرب؟
السبب الرئيسي لذلك كله إنما يعود، في نظر المؤلّف، إلى إنغلاق لاهوتي مستحكم وعميق الجذور في تاريخنا؛ إنغلاق مؤداه أننا الحضارة الوحيدة على وجه الأرض التي تعتقد بأنها تمتلك الحقيقة الإلهية المطلقة، لا بل وتحتكرها احتكاراً كاملاً ونهائياً لنفسها من دون سائر الأمم، أي تلك الحقيقة العمودية الشاقولية النازلة من فوق إلى تحت، من السماء إلى الأرض.
ضمن هذا المنظور، تتخذ مشكلة الأصولية كل أبعادها وخطورتها، فالأصولية الإسلامية تمثّل حالياً العدو الأكبر للحضارة الحديثة، الحضارة الغربية، بما تختزنه من قيم الحداثة والتنوير والتقدم والإنفتاح والتسامح والتعايش... إلخ. وعليه يحاول المؤلّف أن يفكّك أركيولوجياً وجينيالوجياً داء السلفية المزمن الذي يعتري الإسلام، وكذلك لاهوت القرون الوسطى الذي ما برح متلبثاً بنا حتى اليوم، فضلاً عن لاهوت العُنف وفقه الجهاد وحدوده في الإسلام، وصولاً إلى تفكيك الأرثوذكسية السُنّية نفسها التي كانت لها الغلبة الحاسمة منذ إنتصار الحنابلة وانهيار العقل وقيم الأنسنة في تاريخنا.
•كاتب وباحث •سوريا، فرنسا •كاتب ومترجم سوري مقيم في باريس. •دبلوم الدراسات العليا من جامعة دمشق 1975. •دكتوراه في النقد الأدبي الحديث من جامعة السوربون 1982. •نقل العديد من مؤلفات محمد أركون إلى العربية. نشر مؤخراً 3 كتب صدرت عن "رابطة العقلانيين العرب"، الأول بعنوان: "مدخل إلى التنوير الأوروبي"، والثاني بعنوان: "معضلة الأصولية الإسلامية". والكتاب ثالث تحت عنوان: "الانسداد التاريخي. لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟".
يتساءل هاشم صالح في كتابه (الإسلام والانغلاق اللاهوتي) لماذا يوجد كل هذا الكره للحضارة الغربية الحديثة في نطاق عالمنا بالرغم من وجود أصوليات محدودة مثل الكونفوشيوسية والهندوسية والسلافية لا تحبذ الانفتاح على الحداثة، إلا أن التيار العام عند تلك الشعوب هو مع الانفتاح على التفاعل الحضاري ولا يعاني من أي عقدة اتجاهه؟ إنه بسبب توهمنا أننا نمتلك الحقيقة المطلقة والنهائية التي تغنينا عن الآخرين، فنتوهم أننا مركز العالم مع أننا نعيش في هامشه، وبعض عقائدنا تحجرت وتكلست فوق واقعنا وتاريخنا... لذلك يجب التخلي عن هذه النرجسية ويجب أن نقوم بعملية تصفية مؤلمة وقاسية لذواتنا...
أصيب هاشم صالح بأكبر خيبات حياته حين اكتشف أن الحداثة غير خالية من العيوب وأنها لا تستطيع إنقاذنا من جحيم التخلف والتعصب والأصولية والحروب الأهلية... تنبأً روسو أن التقدم العلمي والتكنولوجي لن يرافقه تقدم روحي وأخلاقي، وهو نفس الناقوس الذي دقه فيلسوف القرن العشرين "مارتن هيدغر"... لولا تمالك "كينيدي" و"خورشوف" لأعصابها في اللحظة الأخيرة لكانت الإنسانية قد مسحت بالقنابل النووية... كما نحن مرعوبون من الأصولية الدينية فإن المتشددين أيضاً مرعوبون من الأصولية المادية الإلحادية عندما يقرأون خبر تأجير رحم إمرأة غريبة لزوجين أو عندما يسمعون عن التلاعب بالجينات الوراثية واستنساخ البشر... في المحصلة فإن الحداثة أيضاً تحولت إلى تراث متراكم يحتاج إلى النقد والتفكيك...
صرح مفتب استطانبول "مصطفى شاغريجي" أن الجهاد السائد حالياً في الأوساط المتزمتة باطل وملغى تماماً، فالجهاد الحقيقي اليوم يكون ببذل الجهد من أجل استيعاب العلوم الحديثة التي تؤدي إلى ترسيخ الحضارة في بلاد المسلمين وتنتشلهم من الجهل والفقر والانغلاق والتخلف...
الكتاب يشمل على تحليلات عدد من المفكرين الغربيين والعرب بما يتعلق بالمرحلة الراهنة للاسلام والصدام مع الحداثة. يتمحور الكتاب عموما حول المنظور المتبع في تفسير القرآن وخاصة آيات العنف وما لها وماعليها من تاريخية غير متعالية على الزمن.
!هاشم صالح يحاول ان يفتح ابواب موصدة للتنوير الذي طال انتظاره في منطقتنا
لقد قرأت معظم كتب المفكر السوري هاشم صالح لقد تعرفت على هذا الكاتب من خلال ترجمته لكتب المفكر الكبير محمد اركون يتميز هاشم صالح بسلاسة العبارة ووضوح المعنى وايصال افكاره ومعلوماته بيسر وسهولة عموما يعتبر هذا الكتاب امتدادا لكتبه السابقة وكذلك امتدادا لمشروع محمد اركون التنويري القاضي بتفكيك الانغلاق اللاهوتي الاسلامي واستخدام كل انواع العدة المفهومية الغربية واخر ماتوصل له الفكر الفلسفي الغربي والعلوم الانساية وتوظيفها اركلوجيا وجينالوجيا لتفكيك لاهوت القرون الوسطى .
كتاب جميل جدا يعالج سبب انغلاق الإسلام أو بالتحديد انغلاق الفقهاء الأصوليين و تشددهن حيت يعتبرهم الباحث أنهم سبب انحطاط الأمة الإسلامية و سبب انتشار الفهم السيئ للنص القرآني و الجهاد الذي جعل الإسلام تحت أنظار العالم بأسره بسبب التطرف و التكفير يتكون الكتاب من ثمانية فصول، يستعين من خلالها هاشم صالح بنظريات مفكرين حداثيين مثل عبد الوهاب المؤدب، ميشيل دوس، ألفريد مورابيا، و عياض بن عاشور. يبقى السؤال المطروح بعد هذا البحث، هل سوف يتم تفكيك التراث الإسلامي و إعادة فهم النصوص القرآنية بشكل يتماشا مع الوقت الراهن أم سوف يبقى تفسير القرون الوسطى مهيمن؟ هل ممكن أن نرى تنوير إسلامي مثل التنوير الأوروبي أم هذه التجربة تبقى منحصرة فقط على أوروبا؟