بادئ ذي بدء : الغلاف مذهل , الأنثى المدخنة مبهرة في كل الأحوال والحالات
, لها بريقها الذي لا يقاوم , حتى ولو كانت على غلاف كتاب .
أعتقد أنه من الاجحاف أن نتحدث عن هذا العمل دون أن نتحدث عن ظروف انتاجه والأهم ظروف عزوف كاتبه واعتزاله اياها بشكل عام .
فهو الكاتب (الصديق للغاية) من نجيب محفوظ وكان أحد أعمدة شلة حرافيشه , كما أنهما كان ينتميان لجيل أدبي واحد بالاضافة إلى (السَّحار و علي أحد باكثير ويوسف جوهر وغيرهم ) ولكن الكاتب آثر التوقف عن ممارسة الأدب واهتم بممارسة المحاماة , رغم النجاح الذي حققه عندما نشر روايته الأولى (ملك من شعاع) والتي فازت بجائزة مجمع اللغة وجاء ثانيا في نفس العام عمل محفوظ (كفاح طيبة) , وفي العام اثاني قدم كلاهما (مليم الأكبر و السراب ) فتم رفض العملين . ولكن أصاب اليأس كاتب الأولى واستمر الثاني ليسطر لنا أعظم الروايات في التاريخ على الاطلاق.
النص الروائي صغير نسبيا (176 صفحة تقريبًا) ولكن لها مقدمة من 150 صفحة , من أبدع ما تكون , مقدمة كاتب تعتبر بحق من النصوص التأسيسية للحداثة في الأدب العربي . فقد سطّر الكاتب وجهة نظر غاية في الأهمية عن الأدب ومجالاته والارتباطات التي ترتبط به .
المهم : نحن أمام عمل أدبي جيد للغاية , قد تتناوله بصورة مباشرة بأحداثه و شخصياته , وقد ترى فيه رمزية عالية للغاية وتصوير جيد لما يعترك في الحياة من ظلم وقسوة وأحداث تستحق التفكير فيها بعنف .
عمل عن خطين من خطوط الحياة قد ترى استحالة تقاطعهما ولكن لصدفة كونية بحتة يتقاطعا وتتشابك بصورة عنيفة .
العمل كُتب في العقد الرابع من القرن العشرين , فترى شئ من التصوير البديع لتلك الفترة ولكن على استحياء , فالعمل في الأصل عمل فلسفي يتسم بالحكمة والتناول الحكيم للحياة .
العمل لغته متقنة للغاية , لغة متينة تدل على كاتب عظيم خسرنا الكثير من اعتزاله الكتابة , عمل مباشر يخاطب عقلك بلا أي تفنن أو تصنع في متن الرواية .
تقديم الشخصيات ورسمها على قدر كبير من الجودة (كعادة كُتاب هذا الجيل بأكمله ), فهم يقدمون لك الشخصية حية نابضة .
تناول العمل (لما يعترك بداخل النفس البشرية كان ممتاز) يدل على عمق فكر متأصل , الجو لنفسي للرواية قريب لجو رواية (السراب ) لمحفوظ مع اختلاف طريقة تناول كل منهما .
يقول محفوظ أن ما مرّ بالكاتب كان يظنه حالة مؤقتة , وهو نفسه تعرض لمثلها في عام 52 ولكنه رجع ولم يرجع كامل , ومن هنا نشكر الأقدار أن منحتنا واحد من الاثنين ولم تحرمنا من كليهما.