زهور تأكلها النار هو رمز خسارة الأريج والرونق.
"كل سعر ناتج من أي فكرة أو مرض, أو لهاث مخبول, لا بد ينتهي شبقا عند النساء, اشتهاء مجنونا للنساء, تعاسة مؤلمة تطأ النساء..."
على مرّ التاريخ, هو موشوم على أجساد السبايا في الحروب كافة, وتلك التكفيريّة خاصة.
"كل حكمة تأتي في ثياب نقمة..."
تستحضر الرواية حروبا صليبيّة ماضية وحربا جهاديّة حاليّة تندلع في القرن التاسع عشر في مدينة السور الأفريقيّة المتعدّدة الطوائف والطبقات الاجتماعيّة والثقافيّة. مدينة ذكّرتني ببيروت ودمشق, مدينة لن تهنأ بتعدّديتها المباركة, بل سيأتي من يفتي بالذبح ويصنّف الناس كفّارا أنجاسا حتّى يتطهّروا من كفرهم ويبايعوا الخليفة الذي سنّ دينا وأحكاما على قياس شهوانيته السلطويّة والجنسيّة.
"إن المدن العظيمة, مثل الحسناوات اللائي تتمنى في قمة ارتباكك لو كنت جزءا من جمالهن, كأن تصير رمشا في العين. أو شامة على الخد, أو مجرد نظرة من نظراتهم..."
تبدأ الرواية بقصيدة لشاعر أسباني هو شاعر الراوية خميلة المفضّل, وجاء فيها:
"أريد أن أحترق, أن أرحل,
أن أجيء مجددا في شكل نار أخرى,
تأكل النار التي أكلتني."
يتصاعد صدى هذه الكلمات حتى يبلغ أوجّه في نهاية الرواية المميّزة حيث تحترق خميلة في نار حمّى قلبها وفكرها الملتهب الرافض للواقع, واقع السبي والمدينة المحترقة, وبيتها المهدّم وفقدانها لأحبّتها. كيف تحترق هذه الزهرة؟ هل هو احتراق فعليّ؟
"بكيت السور كلها, وفكرت في الحمّى كثيرا. مؤكد كانت ناعمة, وتزهق الروح بسلاسة وخفة, بعكس السيف المرعب الجبّار."
تنقسم الرواية إلى أربع فصول تواكب توسّع بقعة الظلام في حياة خميلة وفي مدينة السور: شغف ومدينة, ليل, النار, والنار أيضا. تتطوّر خميلة من فتاة ساذجة ومرحة تقع في الحب من نظرة وتنفصل أحيانا عن واقعها, إلى امرأة جميلة تنشد الحب والغواية وتنتهج الجمال علما في حياتها اليوميّة. ومع بداية الثورة الدينيّة أخذت ترى القبح أينما اتّجهت, وتفاقم القبح ظلما وضلالة, وباتت تناشد الانفصال عن واقع لا تحتمله روحا وقلبا وفكرا.
أسلوب السرد والوصف أتى سلسا لا يخلو من الرمزيّة والتكامل ما بين بناء الرواية والثيمات وتطوّر الأحداث والشخصيّات. رواية أشبه بلوحة ذات ألوان قانية صارخة, آسرة في بساطتها وعمقها. استطعت تخيّل المدينة والناس والأصوات في ذهني وأنا أقلّب الصفحات, كما الغوص في مشاعر وسيكولوجيّة خميلة. تألّمت مع خميلة ومع مدينتها وانبهرت بالنهاية.
هذه أول رواية أقرأها للكاتب أمير تاج السرّ, ولن تكون الأخيرة.