يتحدث جياكومو ليوباردي في كتابه أفكار والذي يضم اكثر من 100 خاطرة وفكرة عن عدة امور بغاية تحليل المجتمع والعالم والعلاقات الانسانية من منطلق تجربته الشخصية وملاحظاته , وسوف يلاحظ القارىء على الفور تشاؤمية الكاتب , وذلك لانه شخص واقعي إلى أقصى حد و كان يرى صراع الخير والشر الدائم في نفوس الأشخاص من حوله وحاول ليوباردي عن طريق نقده اللاذع لكل التصرفات المشينة التي كان يراها ان يحلل طريقة تفكير البشر في الامور الشريرة و ما الذي يدفعهم الى ذلك ولان الكتاب يحوي على العديد من الافكار المختلفة حول ( الشيخوخة , المعرفة , الكآبة , الشباب , التاريخ و الكثير ) , فسوف يستمتع القارىء بالعديد من الاسقاطات التي سوف يراها في مجتمعه من حوله , وسوف يصدم القارىء بمدى توافق ما كان يحدث على زمن الكاتب و بين ما يحدث اليوم , ليخرج بقناعة , ان البشر حقاً لم تتغير و ما تغير فحسب هو الصور والاشكال لا اكثر ولا اقل ولكن ما زال هناك اشخاص من مثل ليوباردي قادرين بقلم لاذع ان ينقدوا التصرفات السلبية و يحاولو البحث عن جذور المشاكل على امل أن يتحمل احدهم يوما ما المسؤولية حيال تصرفاته المضحك ان ليوباردي حين كتب هذا الكتاب كان يشكو من كثرة المؤلفين و قال ( اليوم الجميع يؤلفون وقد بات من الصعوبة بمكان ان تجد امرأ ليس بمؤلف لقد انقلب الامر كارثة ) فما قوله لو كان يعيش هنا اليوم في عالم الصورة والكلمة المتاحة للجميع ؟ الكتاب ممتع وغني جداً وانصح بقراءته و تقيمي له 5/5
مقتطفات من كتاب أفكار للكاتب ليوباردي
-----------------
يمكن قياس المعرفة الاقتصادية لهذا القرن بالنظر الى واقع الطباعة الآخذة بالتقلص والانكماش , ذاك انه أنى صارت خيارات العين لا تحصى و قلت مطالعتها للورق . ومع انه لا أجمل من ان يدخر الورق في الكتب , كحامل للفكر , غير ان هذا لا يعفينا من الاعتراف بأن الدارج في هذا القرن هو انه بات يطبع الكثير و لا شيء , زد على ذلك رقة و شفافية الورق , شيء مع انه جميل للنظر , لكنه أكثر آذى للعين اثناء القراءة , او لعلي مخطئ , و هذا هو المنطقي في زمن باتت فيه الكتب تطبع لأجل العين التي تنظر لا لأجل العين التي تقرأ
-----------
ليس الموت مساءة , فهو يحرر الانسان من جميع السوء , و سوية مع الخير , ينزع منه ايضا الرغبات , الشيخوخة سيئة الى اقصى الحدود , لأنها تسلب الانسان كل اشكال المتعة , تاركة له الشهوات , و معها جميع الآلام , رغم ذلك , يخش�� الناس الموت و يفضلون الشيخوخة
-----------
في المجتمع البشري , ما من حاجة أعظم من الحاجة الى الثرثرة , كوسيلة اساسية لتمضية الوقت اليت هي بدورها واحدة من اولى ضرورات الحياة , وما من قضية للثرثرة اكثر ندرة من تلك التي توقظ الفضول و تبعد السأم – ما لا يلبيه غير الامور الخفية و الجديدة – في جميع الاحوال , خذها قاعدة راسخة : اذا اردت الا يعرف الآخرون بالأشياء التي فعلتها , فليس فقط لا تقلها , ولكن لا تفعلها , و تلك التي لا تستطيع ان تفعلها هي غير موجودة , او انها لم توجد بعد , لذا كن واثقا انها سوف تعرف , مهما حاولت جهدك ألا تحقق مخاوفك
----------
القدر الأعظم من الاشخاص الذين نكلفهم مهمة تثقيف أولادنا , نعرف حق المعرفة انهم لم يثقفوا , ومع هذا لا نشك في انهم لن يستطيعوا اعطاء ما لم يُعطوه و ما هو في طبيعة الحال شيء لا يكتسب
-------------
وهم عذب و محبب , ذلك الذي تخادعنا به الذكرة السنوية لحدث ما , و التي للحق لا نفعل فيها اكثر مما نفعل في اي يوم آخر من السنة , الحدث يذهب و يبقى التاريخ , لا صلة بينهما سوى ظلال الماضي التي تنهض و تعود في يوم معين من كل عام
---------------
يحدث عندما نمر بأمكنة شاهدة على احداث مضت و ذات قيمة تذكارية لنا , ان نهمس لأنفسنا , ها هنا كان ذاك , و ها هنا كان ذاك , مصدقين , لنقل , بيننا و بين انفسنا , اننا و نحن في هذا المكان نكون اكثر قربا الى تلك الاحداث مما لو كنا في أي مكان آخر
---------------
ان الاشخاص مرهفي الشعور , و المعتادين على العزلة , او على البوح الباطني , عادة ما يكونون تواقين للذكريات السنوية , و يعيشون , لنقل هكذا , على ذكرى من هذا النوع , غارقين في التخيلات و قائلين لأنفسهم : في يوم من السنة مثل هذا اليوم , حدث لي هذا الشيء او ذاك
---------------
اليوم , و الجميع يؤلفون , و بات من الصعوبة بمكان ان تجد امرأ ليس بمؤلف , انقلب الامر كارثة , وباء اجتماعيا , بلوى جديدة على الحياة الانسانية , و ليس من قبيل الهزل , بل في غاية الجد القول انه بالنسبة لهذا الانسان صار التعارف مريباً و المصادقة خطرة , و انه ما من مكان في هذا الزمن يمكن لإنسان بريء الا يخشى فيه من ان ينقض عليه و يعذب بعقوبة التسمع الى نثر لا آخر له او شعر بآلاف الابيات , و ليس بعد اليوم بذريعة الرغبة بسماع رأيه , ذريعة باتت مستهلكة و غايتها معروفة : اعادة الالقاء
-----------------
الكلام , لا يمنح متعة قوية و مديدة الأثر , ما لم يكن متاحا لنا التحدث عن انفسنا , و عن الاشياء التي تعنينا , او تتعلق بنا بحال من الاحوال , اي حديث ذلك يصير محض مسامة في لحظات قليلة , و هذا الذي هو ممتع لنا , هو ثقيل حد الهلاك لمن يصغي
----------------
اذا كان الرفيق الافضل هو ذلك الذي يتركنا اكثر رضا مع ذاتنا , فهذا يعني ان هذا الرفيق هو اقرب الى ذاك الذي نتركه نحن اكثر سأماً , الحصيلة هي انه في الحديث و في اي لقاء لا تكون الغاية فيه تبادل الحوار , يكون من غير الممكن تجنب حصول المتعة لدى طرف و السأم لدى الطرف الآخر , و لا يمكن حتى الامل بعكس ذلك , و لهو حظ طيب ان يتاح للمرء ان يأخذ قليلاً من هذا و قليلاً من ذاك , بتعادل
-----------------
مثلما هو دأب الانسان , يدين دائما الحاضر , و يتغنى بالماضي , هكذا هم اكثر المسافرين , خلال سفرهم يعشقون حياة الوطن , و يفضلونها , مع شيء من التزمت , ثم ما ان يعودوا الى موطنهم , تراهم , و بذاك التزمت نفسه , يضعونه وراء جميع تلك الامكنة التي سافروا اليها
---------------
في كل بلد , يشار الى النقائص و السيئات الكونية للإنسان و للمجتمع الانساني على انها خاصة بهذا المكان , انا لم احضر مرة في جزء من العالم دون ان اسمع : هنا النساء فارغات و متقلبات , قليلا ما يقرأن و غير مثقفات , هنا الناس يحبون التطفل على شؤون الغير , كثيرو الثرثرة و الافتراء على بعضهم , هنا المال و الدعم و يسر العيش في متناول الجميع , هنا يسود الحسد و الصداقة قليلة الصدق , وهكذا دواليك , كما لو ان الأشياء في مكان آخر تسير على نحو مختلف . الانسان بائس بالضرورة , و ثابت العزم على الاعتقاد بانه بائس بالمصادفة
---------------
كثيراً ما يظن اليافعون انهم يكونون اكثر جاذبية عندما يظهرون بمظهر الكآبة , لهذا ربما , عندما لا تكون الكآبة اكثر من مجرد محض مظهر , يمكن لها ان تكون محبوبة , لكن لأمد قصير , و غالبا من النساء , اما ان تكون الكآبة جوهرية , فكل الجنس البشري سوف ينبذها , هكذا , على الأمد الطويل , لا يحب و لا يجب له مكانا في اعتبار الانسان غير السعادة : ذلك لان العالم – و هو معه حق في هذا – لا يحب أن يبكي , و لكن أن يضحك
---------------
لشد ما هو مقيت الحديث عن الذات , غير ان الشباب , لما لهم من طبيعة متقدة بالحياة , و روح تربو على التوسط و الاعتدال , قليلا ما ينتبهون الى هذه النقيصة : و يتحدثون عما يخصهم ببراءة مفرطة , و هم على ثقة مطلقة بأن من يسمعهم ليس اقل اكتراثاً بشؤونهم منهم انفسهم , لذلك يغفر لهم , لا لعدم خبرتهم من وقع ساحر في النفس , و لكن لانكشاف حاجتهم إلى المؤازرة , الى النصح و إلى متنفس بوحي عن عواطفهم المشبوبة و هم في هذا العمر العاصف . الى اليوم , ما زال معترفا به , عموما , ان يكون ثمة حق ما للشباب بالرغبة في عالم مشغول بأفكارهم
--------------------
في بعض الاحيان , شيء طبيعي ان يبقى المرء مجروحا من كلمات قيلت في حقه و هو غائب , او قيلت بنية مبطنة على الا تبلغ بشكل أو بآخر مسمعه : لأنه اذا ما رغب في ان يستحضر بذاكرته , و يقلب جيداً حيثيات القضية , فلن يبق له لا صديق صدوق و لا شخص مخلص يعول عليه في الا يلحق به هكذا اسى بالغاً من جراء التفوه بكامل فمه و تمام نيته , بكلمات و أقاويل على هذا الصديق او الشخص الغائب . من جهة , يتضح لي كم هي تلك المحبة هكذا هشة و مراوغة , اذ من المستحيل تقريبا ان كلمة قد تقال في حقنا خارج مرمى حضورنا , و تنقل الينا كما قيلت , و نشعر بأننا لا نستحقها او نستحقها قليلاً – من المستحيل , أقول : ألا نتأذى بها ,, من جهة أخرى , لا يمكنني التعبير كم هو سلوكنا مخالف للقاعدة التي تقول بألا نفعل بالآخرين ما لا نحب ان يفعلوه بنا , و كم من مرة حكم على حرية التقول على الآخرين بالبراءة
-------------------
أولئك الذين لأجل أن يكونوا محبوبين ينتحلون صفة معنوية مختلفة عن حقيقتهم , يخطؤون خطأ كبيراً , التصنع الذي بعد فترة وجيزة تضعف القدرة على المداومة عليه , يصير جلياً , و معارضة الصفة الزائفة للحقيقة تتقهقر امام التكشف و التشفف المستمر لهذه , فيمسي الشخص مكروها ملوماً محسوراً بانه لم يعرض حقيقته كما هي بجلاء و منذ البداية
------------------
ذاك الفنان او العالم او المثقف في اي فرع من فروع المعرفة , الذي اعتاد ان يقارن نفسه , لا مع انداده , وانما مع نفسه , هو بقدر ما يتفوق , بقدر ما يتدهور رأيه بنفسه : هذا انه كلما اوغل و عمق في معرفة نفسه , كلما وجد نفسه اقل رتبة , هكذا هم متواضعون اغلب العظماء في التاريخ , لانهم لا يتوقفون عن مقارنة انفسهم , لا مع الآخرين , وانما مع تلك الفكرة عن الكمال التي يملكونها امام روحهم , و يعرفون الى اي درجة هم بعيدون عن بلوغها , هذه الفكرة اليت هي اطلاقا انقى و اعظم من تلك التي يملكها العامة , اما هؤلاء , فهم يعتقدون بكل بساطة , و مرات بتيقن كبير , انهم قد بلغوا , بل وفاقوا فكرة الكمال الذي يتفسخ في نفوسهم
------------------
مصلحة السكينة العامة , العائلية , و الشعبية , تتضاد مع متع و مجازفات الشباب , و لذلك فحتى التربية الجيدة , او ما يسمى كذلك , يكمن اكثرها في تضليل التلاميذ , لحملهم على تقديم رضا الآخرين على رضاهم الذاتي , لنفرض اننا لا نسلم بذلك , تبقى حقيقة و بالرغم مما قد تكون عليه دخيلة نفوسهم , الى تخريب و محو الشباب من حياة الانسان بأكملها , هذا الذي مشهده يشوش سكينتهم , في جميع العصور , كانت الشيخوخة متواطئة على الشباب
------------------