له عندي نجمتان :
أما الأولى : ففضل الكتاب في ذاته ، فقد سرده الكاتب بجزل الألفاظ حتى تكاد تستعجم علينا ، وما كان ذلك إلا لعجمة فينا واغتراب عن هذا المورد العذب لتلك اللغة الثرية ، حتى تكاد تشعر ان الكاتب يتقعر باللفظ ، ويصطنع عباراته اصطناعاً لا حاجة للسياق به ، حتى يستنقذك من ذلك الظن موقف حماسي بين طعان ضاربين أو شغف محبين أو كيد ماكرين تجد العبارة فيه تغنيك عن إبصار الحدث ، وتمثله لك تمثيلا يجعل تذكره بالمقال أبلغ عندك من تذكره بالمقل ! ...
وأما الأخرى : ففضلٌ لغيره ..في مشاركة أخوية طال انتظارها ، تحث على التهام الكتاب التهاما ، والمضي فيما وراءه ، أملاً أن تستمر تلك الومضة وقادة على طريقٍ جمعكما .. وصديقٍ استخلصكما لنفسه قبل أن تخلصا إليه نفسيكما ...الكتاب ، فلنعم الصحب ، ولنعم العشير ...جعلنا الله متزاورين متذاكرين ، وإلا كما قال الامام علي : "إن لم تفعلوا يدرس علمكم " وهكذا ساقها إلي (مُذاكري)
وما وراء ذلك فالكتاب أساء على طوله في مواضع ظننته يتخلى عنها عما قريب ،فما فعل حتى ختامه ،ألخصها فيما يلي :
- الشخصيات أحادية البعد إلى حدٍ كبير ، تكاد تجد فيها تسطيحاً ، وجمودا على الرأي لا يحيد عنه أصحابه إلا بكارثة تحل عليهم أو قريبا من دارهم ... أولا تصطرع الأنفس وتغالبنا ونغالبها مرة تلو المرة ؟! لم يخيب الكاتب الظنة ..إذا ذهل ذوو الأحلام عن أحلامهم فلا مرد لها ، وإذا عاد للجاهلين رشدهم فلا محيد عنه ، ومن استقر به النوى على رزانة من الأصل أو جزع ... فهو كما أريد له .. أولا يزل الناقم فيصفح ، أو يزل الغادر فيرشد ... وبم سمي القلب قلباً إذاً ؟
- تكاد لا ترى فيها هاشمياً فتحبه ، أو تجد فيها أموياً فتبغضه ! ...فمن زيد بن علي الطالبي الذي سرد ثلب هشام ابن عبد الملك له صفحاتٍ طوالاً ، فلم يدفع عنه الا في تعريض بأبيات الفرزدق في أبيه السجاد عليهم السلام جميعاً و صفحات في طلب الانتقام لشخصه الشريف ، والانتساب له للوثب على السلطان ، والعباسيين بين من يكذب فلا يطرف له جفن في كذبه ، وبين حامل لواء غدر تحدوه عصبيته وشرة انتقامه حتى ليعصف بأقرب الناس إليه ، وأحراهم بنفي النسبة عنها أنها هاشمية !!، وبين ناكر جميل خوانٍ للعهود ، والبقية قتلة سفاكون قبروا من الأمويين أحياءهم ، ونبشوا موتاهم ! ...
أما الأمويين فهم إما ذوو الذلة التي لم يرحمهم فيها سابق عزهم ، أو ذوو نجدة وحلم وأهل عدل وإنصاف إلا في عروشهم ، وبين كارهين للظلم حافظين للإحسان مؤتمنين على المال والأهل والعرض والولدان ، يحسدهم الناس على ما آتاهم الله من فضله فكلهم يطلبونه أشقياء كانوا أو أتقياء !! أو ذوو طلعة وبهاء وفتك في الحروب وموت على الشهادة وشرب لكأس الردى تفضيلا على كأس الهوان .. تلك إذاً قسمةٌ ضيزى !
- وثالثة ردية : في بطل القصة نفسه ..أتفهم تماما أن يحبه الكاتب ويفضله على جميع من دونه في روايته ، لكن أن يجعلوه " أسطوريا " إلى هذا الحد ؟! بهي الطلعة غض الإهاب الذي لم تكن في القصة امرأة إلا استهامت بحبه من لحظ لقياها به ! اللهم إلا القواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحاً من إماء الأسياد .. يدين له الكل بالولاء والطاعة ويفدونه حتى آخر نبضٍ في عروقهم لأنه الأمير المنتظر وسليل مجد الأمويين الأثيل ، وشمسهم الطالعة من الغرب !! ولا يغدر به إلا أصحاب سلطة أو طامعون في خلافته وميراثه أو حسداً له من عند أنفسهم ، أو حقداً عليه لا يواريه برد فضله وعطفه وإحسانه !أو هاشمي !!!.. يقيد قلوب العذارى ويفتك بمهج الضياغم ، منصورٌ بالرعب منيعٌ في قومه وفي الغريب ، عفيف اللسان والفرج لا يهتك حرمة ولا يبيت على الدعة ...تقاد له الأبطال كلمى هزيمةً ! وأي فضلٍ بقي لغيره ؟!
- - يحمد لكاتب الرواية أن أمتعنا بحسن بيانه جعل لنا اطلاعا على بعض من تاريخ نجهل منه أكثر مما نعلم ، وعسى لذلك أن يغفر إساءته ،ويُحمَد له الجمع بما نحب ، ومن نحب ...