ولد السباعي في القاهرة عام ١٨٨١م وتلقى تعليمًا تقليديًّا، وقد استهوته اللغة الإنجليزية منذ حداثته فاعتنى بدراستها حتى أجادها، واتخذ من الترجمة حرفة له فكان من أهم المترجمين المصريين.
ترك السباعي العديد من الكتب المترجمة والمؤلفة، وقد جمع ابنه الأديب الشهير «يوسف السباعي» مائة قصة من أعمال والده التي لم تُنشر وقدمها في مجلد واحد ضخم عام ١٩٥٧م.
بداية لم أكن اعلم أن والد الأديب الكبير يوسف السباعي هو مترجم وأديب وله اصدارات عدة من بينها الكتاب الحالي في المقدمة يعرف يوسف السباعي والده وينسب إليه الفضل في قوة ألمامه باللغة العربية وآدابها واستخدامه للشعر في بعض رواياته الكتاب يضم مجموعة من القصص المختارة لعدد من أشهر الكتاب الروس، كثير من تلك القصص قرأتها في مجموعات أخرى وكانت اقل حجماً ويبدو أن المترجم هنا منح نفسه حرية تعديل النص دون أن يؤثر ذلك على الفكرة الرئيسية للقصة القصص كانت متوسطة إلى ضعيفة بشكل عام، الترجمة قوية وبها تصنع لغوي واضح يقلل من متعة قراءة العمل، لأول مرة أجد مترجم يقوم باقحام أبيات شعر جاهلي وعدد من آيات القرآن في ترجمته الأدبية لقصص اجنبية، لكن الأغرب انه استخدم عدد من المفردات اللغوية الصعبة التي ربما تكون هي نفسها بحاجة إلى ترجمة أو توضيح
مما قال العقاد في تقديمه لهذا الكتاب-والمترجم محمد السباعي صديقه-:"مما يذكر للسباعي بالحمد والإعجاب أن فتنته بالإنجليزية لم تفتنه عن جمال البلاغة العربية كما فتنت سواه من المترجمين…ولكنه في أعم حالاته كان يؤثر التصرف في الترجمة لمؤاتاة الجرس العربي والديباجة الشريفة…"
وفي كثير مما قام به السباعي لا ترى ترجمةً ناقلة بقدر ما ترى تعريباً لأسلوب القاصّ الروسي، والتعريب شيء يختلف عن الترجمة -قليلاً أو كثيراً-ومنه ما قام به ابن المقفع في كليلة ودمنة، وتجده في قصص الفرس واليونان والهند في كتب الأدب القديمة، حيث يأخذك العجب حين تقرأ أن الشخصية الفارسية قالت: لعمري كذا وكذا، وليت شعري، وويحك وويلك، إلى مثل هذا التعريب الطريف. وربما لا يجد القارئ المتحمس للآداب الغربية تسلية في هذا الأسلوب، لكنه خير مدخل للقارئ المعتاد على الأدب العربي؛ كي لا يشعر ببعد شديد بينه وبين كتّاب هذه القصص وأدبهم.
هي ثماني عشرة قصةً، اثنتا عشرة قصة منها لتشيخوف(بعضها سخيف وبعضها جميل) واثنتان لمكسيم جوركي، وواحدة لكل من دوستويفسكي وبوشكين وتورغينيف(أو تيرجنيف) وليبين.
ولا يفوتني هنا أن أنوّه بمجلة أدبية قديمة اختصت بالقصة القصيرة قرأت فيها بعض هذه القصص قبل اطلاعي عليها في الكتاب، وفي القراءة في هذه المجلة-بنظري-ما يُغني الأديب عن كتب المجموعات القصصية، هي مجلة "الرواية" للأديب المعروف الزيات، وفيها من روائع القصص العربي والمترجم ما يسرّ النفس ويبهجها ويُحييها، وممن كتب فيها أو ترجم: الزيات والمازني والطنطاوي ونجيب محفوظ، وأقلام أخرى مبدعة اكتشفتها فيها: كعبد اللطيف النشار وجورج سلستي ودريني خشبة وغيرهم من الأدباء المترجمين.
أما عن الترجمة فهي على ما يبدو لوالد يوسف السباعي وفيها تجد أنك لو قرأت القصة بالروسية لكانت أبسط كثيراً من لغة السباعي الثرية
هم أربع وعشرون قصة لتشيكوف .. لولا أسماء الشخصيات والأماكن لظننت أنها قصص للسباعي بنفسه ... حيث أن تشيكوف لم يكن يكتب شعراً عربياً ولم يكن ليضمّن آيات من القرآن (:
قد يصيبك الملل لأنك تدخل في دوامة بين قصة لأديب روسي ترجمها أديب عربي مخضرم وأضفى عليها من أسلوبه الكثير فلا تعرف من منهما يحكي وما غرضه ، وتتوه بين الأحداث قليلاً
أما عن الحكي ... فكانت من أولى قراءاتي لتشيكوف ... تستطيع أن تجزم أنها مصدر كل القصص و الروايات في التاريخ ... أصول الحكي عن الندم والجشع والقدر والحب والعائلة .. وتشريح لمكنونات كثير من الشخصيات .. ولم تخلو من الطابع الطريف أيضاً
جدير بالذكر الشبة بين المجتمعين في العديد من القصص والذي يحتاج أن تذكر نفسك أثناء القراءة أن هذا يحدث في روسيا .. و ليس في أحدى قرى الشرقية (:
لو لم تكن الأسامي روسية، لقلنا بأن السباعي رحمه الله هو صاحبها، فقد صاغها في أجمل أسلوب، وألبسها أبهى حلة، على ما في الترجمة من تكلف في بعض الأحيان، غير أنها بديعة.