النزاع على جبل لبنان لمكرم رباح: "عتبة لقراءة التاريخ اللبناني الحديث بعيون واعية"
نبيل مملوك
يعدّ كتاب النزاع على جبل لبنان للباحث والكاتب السياسي د. مكرم رباح مرجع مهمّ جدًّا يفيد الباحث/المتلقّي الإيجابي في عمليّة تنقيبه عن المشهديّات الدقيقة والموضوعيّة التي عكسها تاريخ لبنان السياسي عبر الحروب والعداءات السياسيّة...
وقد نجح الباحث د.مكرم رباح من خلال هذه الأطروحة أن يتقدم خطوة معرفيّة إلى الأمام نحو القارئ بإشكاليّة مغايرة مكترثًا لضرورة تفسير المفاهيم والمصطلحات الأكاديميّة المتخصصّة كالذاكرة الجماعيّة والتاريخ الشفوي مثلا دون الحصر
وتقديم معلومات جديدة بالنسبة لجيل ما بعد الحرب كأصل الفينقيين وسبب مجزرة إهدن والنواة المتشكلة قبل توحيد البندقية المارونيّة والأصل اللاواعي لحرب الجبل عام ١٩٨٢
كلّ ذلك كان ضمن قالب متسلسل زمنيًّا مصحوب بشهادات وتوثيق كلاسيكي يسير على المتلقي بدلا من التوثيق الأكاديمي المعتمد حاليا (APA) فضلاً عن تخصيص مساحة شاسعة للصور المستمدّة من أرشيفات الصحف وماكينات الحزبين المتقاتلين الإعلاميّة...
هذا على صعيد الشكل...أمّا على صعيد الجوهر:
الفصلان الأول والثاني جاءا بلغة كثيفة سردًا فيها من الإسهاب الكثير ما جعلنا أمام سياق مركّب يحتاج إلى تبحّر وخلفيّة تخصصيّة لفهم ما يحاول الباحث قوله وهذه النقطة لا يحسد الباحث عليها إلّا أن الضارّة صارت نافعة حين فصّل رباح في كتابه الصادر عن دار أمم بالاشتراك مع دور نشر أخرى (ط.أولى. ٢٠٢٢) بعض المفاهيم الأكاديميّة مخصصًا التقديم لمساحة الأطروحة الأصليّة ( أي ترك الباحث المقدمة والمخطّط والمسار البحثي كي يضمن عمليّة تلقّي إيجابيّة)
أما باقي الفصول فهي كناية عن عقد يتمّم زمنيًّا بعضه البعض ومعرفيًّا ومحكوم بتماسك من قبل المقابلات والشهادات والصور التي تُنسي القارئ ضخامة البحث ممّا يعطيه دفعًا لإكمال القراءة...
وبالنسبة إلى فصل الأخير فهو الإجابة المباشرة على الإشكاليّة "كيف أثرت الذاكرة الجماعيّة في تكوين صورة حرب الجبل؟"( بتصرّف)وهو ما يعكس مدى التزام الباحث بمخطّطه لكن غاب عنه تدوين الأسماء في بعض الصور او الجهات الدالة على الشخصيات خصوصا في صور الفصول وبعض الصور في متن البحث...
يعدّ هذا الكتاب باختصار عتبة أولى لقراءة التاريخ اللبناني الحديث بعيون حواريّة جديدة كونه يتّكئ على الشهادات الشفويّة التي تحيلنا إلى التحليل النفسي والسيميائي لأحداث كثيرة.