حاز الفقه مرتبة شريفة بين علوم الإسلام، حتى قيل لا خير في علم بلا تفقه، غير أن للفقه كمفهوم دلالات واسعة وشاملة؛ فهو الفهم بالعموم، وصار إلى الخصوص، حيث عرف في اصطلاح الأصوليين بأنه العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. إن ارتباط الفقه وباقي علوم الشريعة بالدين وبالنص المؤسس، لا ينفي أن للإنسان فاعليته في تأسيسه؛ فهو علم إنساني يعتريه ما يعتري الإنتاج البشري عموماً من عوامل النقص. ولأن الزمان والمكان عنصران فاعلان في صياغة المنظومة الفقهية، كان لزاماً على كل مراجعة تتغيا تطوير المنظومة الفكرية والفقهية؛ استحضار التاريخ كعنصر أساسي في بنية التشريع، ثم نقد لبعض العناصر المؤسسة للمنظومة الفقهية التقليدية، كإلزامية التقليد ووصف الأحكام الاجتهادية بأنها أحكام الله، ولغة "إعلام الموقعين عن رب العالمين"...إلخ. لسنا نهدف ملامسة هذه القضايا بالتفصيل وفي شموليتها، بل حسبنا الوقوف عند بعض المسائل، انسجاماً مع ما ارتأته "مؤسسة مؤمنون بلا حدود" لنفسها من أهداف معرفية تتعالى على التحيزات والفوارق العقائدية، وتفكيكاً للأسس والقواعد الفكرية للظواهر الفكرية والثقافة المغلقة والاقصائية.