حين كان العناصر يعودون في آخر اليل من القسم 14 , ويدخلون المهاجع ثملين هدهم التعب، وتعلو أجسادهم علامات الفراغ ، كنت اراقب ارتماءهم واحداً واحداً على أسرتهم المصطفة على جانبي كل مهجع، كأن سلاحاً رشاشاً في آخرالممر يفتح النار عليهم فيتساقطون تباعاً، وماهي الا لحظات حتى أبدآ بتخيل ليلتهم الأسبوعية الحافلة، وأركب من روائحهم وهزالهم وعباراتهم البذيئة مشهداً للقسم والغرف الداخلية، كنت أحاول في كل مرة أن أنجو من كمين الرشاش الئي يودي بهم جميعا
كاتب وباحث وصحفي من فلسطين، حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة بيرزيت. صدرت له روايات "رام الله الشقراء"، و"القسم ١٤"، و"هاتف عمومي" و"جريمة في رام الله" ورواية "رام الله". عمل صحفيا في عدة وسائل إعلام عربية وفلسطينية.
يقول أمل دنقل: قلت لكم مرارًا أن الطوابير التي تمر في استعراض عيد الفطر والجلاء (فتهتف النساء في النوافذ انبهارا) لا تصنع انتصارا إن المدافع التي تصطف على الحدود، في الصحارى لا تطلق النيران،،،إلّا حين تستدير للوراء إن الرصاصة التي ندفع فيها ثمن الكسرة والدواء لا تقتل الأعداء لكنها تقتلنا إذا رفعنا الصوت تقتلنا وتقتل الصغارا ويقول عباد يحيى في القسم 14 على لسان الشخصية البطلة: تجلّت الحقيقة واضحة، فحين تتجه القبضة والعين صوب الداخل لا خلف الحدود، فلا مكان للجنود الجندي بكل ما حوله من خيالات ورموز وهالة تلاشى أمام عنصر الأمن، كل ما هنالك جبهة داخلية تضطرب بين الحين والآخر، والعقيد ومن هم تحت إمرته وكل عنصر في القوات المسلحة هم اليد الضابطة والساعية لتدعيم استقرار هذه الحالة الهشة التي تتمتن يوما بعد آخر" لا يسعك وأنت تقرأ هذا النص إلّا التفكير بفلسطين وبقوات دايتون والفلسطيني الجديد الذي حاول الاستعمار ووكلاؤه خلقه عبر السنوات الأخيرة، لكن الأحداث التي تشهدها فلسطين المحتلة أثبتت أن التدجين لم يحدث إلّا في خيالاتهم. ولا اتخيل فلسطينيا قرأ هذا النص دون أن يكون في مخيلته شخص ما من القوات الأمنية الفلسطينية وهو يقمع مظاهرة ما في رام الله أو في الخليل مبررا ذلك لنفسه وللآخرين بتاريخه النضالي "الناصع" أو بأن ما يفعله إنما يفعله لصالح هذا الوطن، وفي هذا النص ربما نجد إجابة سهلة على السؤال الصعب: كيف تحول الفدائي إلى شرطي سير، ولماذا صار المقاتل عنصرا في قوات مكافحة الشغب! . وفي هذا النص يتحول المقاتل السابق إلى مدير بيت للدعارة، لكن هذا البيت قانوني جدا، ويدار بمعرفة الدولة وبإمرتها، وعن هوس الجنس في الولايات المتحدة يحدثنا مولانا الرائع جورج كارلين منظرا للأسباب التي تدفع الرجال _خصوا_ إلى إشعال الحروب قائلا : كل ما يحدث أيها الأعزاء هو صراع بين القادة على من فيهم يمتلك الأعضاء الجنسية الأكبر، هكذا هو الأمر ببساطة، وما أسماء القادة الأمريكين الذين شنوا الحرب على العراق وما تحمله اسماؤهم من دلالات جنسية إلّا دليل على هذا، أعني هنا "بوش وديك تشيني" على الرغم من أن غلاف هذا النص يحمل كلمة رواية إلّا أنه من الصعب للقارئ العادي أن يصنف هذا النص كرواية، أو كرواية تقليدية على الأقل، فالنص تغيب عنه عدة عناصر اعتدنا وجودها في الرواية ومنها الشخصيات، فلا شخصية في النص إلّا العقيد، ويغيب كذلك الزمن او فلنقل إنه لا يسير بوتيرة يسهل التواصل معها، أما المكان فأظن أن حضوره في النص كان طاغيا وربما كان المكان هو البطل لا العقيد، أما اللغة المستعملة في النص فهي لغة تقريرية في المعظم وإن خالطها في البعض الأحيان كلام في الذكريات ودخول موفق إلى جوف العقيد. لكن ما يحسب لهذا النص\الرواية هو أنه يسلط الضوء على موضوع غير مطروق من قبل عربيا_ فيما أعرف على الأقل_ وكأني بعباد يجعل من المواضيع المسكوت عنها شغله الشاغل، إذ رأيناه في الرواية الأولى يشرح رام الله التي أريد لها ان تكون عاصمة أوسلو، وفي هذا النص يطرق بوابة التنسيق الأمني والقوات المدربة في الخارج والمعسكرات المغلقة التي لا يكاد يعرف بشر ما الذي يجري خلف أسوارها المرتفعة وأبوابها محكمة الإغلاق.
قليلة جداً هي الكتب التي تتركني بعد إنهائها في حالة من الفوضى الفكرية وتزجني في دوامة من المشاعر، بعد أنهاء كل قسم كنت أقف مشدوهة متسائلة عن صحة ما كتب في طيات هذا الكتاب وعن مدى مصداقية قصة بطلها الذي لم اعرف عنه سوى أنه عقيد يشرف على القسم 14 ... غاب المكان وغاب الزمان والشخوص، لم يحدد عباد يحيى مكان هذه الرواية او زمانها وربما او بالتأكيد فعل ذلك لسبب بسيط وهو مدى صلاحية ما حدث في القسم 14 لكل الأقسام في كل الأماكن والأزمان .. جريء عباد يحيى في طرحه كالعادة يتناول مواضيع حساسة جدا ويكشف ما تحت الستارة وما خلف الكواليس وما لا يجرؤ اي كاتب على فعله هذه المرة الثانية التي أقرأ فيها للكاتب النزيه عباد يحيى، كتب رام الله الشقراء التي أوضح من خلالها واقعنا الأشقر عبر رسائل فيس بوكية أخذتني وهي التي دفعتني لقراءة الإبداع الآخر " القسم 14" أنتظر مزيدا من الإبداع المختلف
قطعاً ليست رواية ، بل هي أقرب لتقرير صحفي مطول عن أمر نعلمه ونتحاشى ذكره ، هذا التنسيق الأمني السري العلني ، محاولة لجم الثائر وتدجينه ليصبح مجرد نسخة مكررة لقمع (الشغب) ، وتوجيه السلاح نحو الداخل للحفاظ على الأمن ، مع التأكيد التام أن لا عدو ولا معارك معه .. مرهقة رغم سلاستها ، غريبة لم أفهمها إلا حينما أنهيتها
الرواية تتناول موضوع حساس ومهم للغاية ، لكن طرحه ضعيف والاسلوب الروائي لم يكن المتوقع من الكاتب رغم مقالاته التى أقرأها في صفحته الشخصية لكن هذه القضية تبقى غامضة .
امتهان الجسد و امتهانه عباد يحيى في خطوته الثانية رواية القسم ١٤
في عنوان مقالة في مجلة السياسة الخارجية ( Foreign Policy) الأمريكية بتاريخ التاسع عشر من يناير ٢٠١٤ لعزيزة أحمد تصف الدعارة ب " أقدم مهنة في العالم " . أتذكر بوضوح ما قاله أحد المراسلين عن بغداد بعد الإحتلال الأمريكي ( لقد عادت أقدم مهنةٍ في العالم إلى شوارع بغداد ) .
بعد أن أثار الروائي الفلسطيني ، و الصحفي و الباحث الإجتماعي (عباد يحيى ) شهية كادت تخبو لنصٍ فلسطيني روائي أوشك أن يندثر بين النصوص الإبداعية الشعرية و الذاتية الباحثة عن هوية بعثر المنفى أصحابها، يتقدم اليوم بجرأة نحو نصّ جديد يعنونه تحت مسمى ( القسم ١٤) ، يلج من خلاله عالم الرواية مرة أخرى .
العمل الصادر عن المركز الثقافي العربي عام ٢٠١٤ يخوض بين دفتي ١٦٠ صفحة من القطع الصغير في علاقة الجيوش بالجنس ؛ كما يشي بذلك غلاف الكتاب ، الذي يصوّر بسطاراً عسكرياً و حذاءً نسائياً ذا كعبٍ عالٍ فاقع الحمرة على مدخل ما يبدو أنه غرفة يغمر ضوؤها زوجي النعال المنزوعة خارج الغرفة بعناية ، و إن كان البسطار يعلوه شيءٌ أقرب للدم أو الطين ، لكن الغلاف الكرتوني لا يشي بالمعنى وراء الصورة ، و إن كان يمهد لها بصراحة يلفها الضباب .
يصدّر الكاتب لعمله بعبارة مأخوذة من عملٍ روائي للأديب الكبير ماريو بارخاس يوسا ( إنني بحاجة إلى من يوجهون لي الأوامر ، فمن دونهم لا أدري ماذا علي أن أفعل ، و ينهار العالم من حولي . ) لبانتاليون بانتوخا بطل رواية (بانتاليون و الزائرات ) بحسب ترجمة القدير صالح علماني و الصادرة عام ١٩٧٣(الترجمة صدرت عن دار المدى في العام ٢٠٠٩) . في إشارة و إحالة واضحة إلى الرواية التي تخوض في ذات الأمر و لكن مع جنود الجيش البيروفي او البيروي و حملة الترفيه الجنسي المنظم . و لا بد أن هذه الإشارة كافية لمن قرأ الرواية الأخرى لتتضح له خطة الرواية التي سيقدم على قراءتها و ليعلم أن عباد لم يأت بدعاً في الحديث عن المؤسسة العسكرية ، و إن كان الإنتقاء للعبارة يجمل في جواب المتسائل عن طبيعة العلاقة العسكرية بالاختيار ، فلا بد أن تصفق لعباد بقوة فقد أحسن التمهيد .
في الرواية تقديم من سطر أو إهداء غريب ، يتضح لاحقاً في آخر الرواية ما هيته ( إلى أسباب أربع ساعات في المطار إياه )، و هو أن الرواية في الأصل حديث أدلى به العقيد ( بطل الرواية ) ، إلى الراوي الذي فيما يبدو أنه صحفي أو باحث اجتماعي - من الأسلوب التقريري الذي تتبعه الرواية - و الهوامش التي و كما سنعرف لاحقاً، هي ملاحظات العقيد التي كتبها بلهجةٍ عامية قام الراوي بتفصيحها كما ينبغي لكاتب محترف ، بحيث اختفت أي لكنة من النص ، كما اختفت الشخوص و الأمكنة ، فعدا خط الزمان متسلسلاً تقطعه الهوامش ، و باستثناء أرقام الفصول الخمسة عشر ،فهناك فصل أخير هو ( أوّل الأمر) ، فإنها كلها تتبع خطاً زمنياً متسقاً حتى النهاية .
كل فصل من الرواية فيه نص هو ما ينقله الراوي على لسانه عن العقيد ، و فيه هامش يتلوه العقيد ذاته ، وهو ما قام بتنقيحه راوينا من الأوراق التي سلمها له العقيد ، و فيها ملاحظاته على سير العمل في القسم ١٤ و آراؤه فيما يحصل داخل المعسكر ، و اقتراحاته ، و بحثه الذي أجراه على الإنترنت .
من الملاحظ في النص التزامه بحياديه المكان و الشخوص و اللغة ، فباستثناء أثينا و المعسكر و منزل العقيد و منزل الضابط الأمريكي و المطار، لا توجد علامات تعرف من خلالها المكان الذي تقع فيه أحداث الرواية . و أيضاً الشخوص بلا أسماء ، كلها بلا استثناء ، حفاظاً على حياد العمل . و أكثر ما في النص حياداً لغة عباد المتينة التي اعتدناها ، و لكن هنا بلا كلمات عامية بتاتاً بعكس النفس الفلسطيني في كل ما يكتب ، ليس في الرواية كلمات دالة أو إزاحات إلى أي طرفٍ عربي سوى أن هذا الطرف صديقٌ للأمريكيين ، و إنشاء المعسكراعتراف باليد الأمريكية السابقة و رد للمعروف .
العمل هنا عمل أشبه بالبحث الإجتماعي ، و هو يفتقد للنفس الروائي ، فلا لغة وصفية أو شعرية هنا و لا تشويق ، و لا ارتقاء في الإثارة و لا نهاية غير مرتقبة ، هناك جفاف يشبه التقارير الصحافية و أعمال الدراسات الإجتماعية المنشورة . ربما في اللاوعي ، عملت خلفية عباد في علم الإجتماع و الصحافة ، أو محاولته و بقوة أن يترك الرواية بلا ملامح واضحة .
و سوى الإحالة على قضية الجنس و تدريب قواتٍ خاصة خالية من الملامح الشخصية و الفردية ، تتدرب يومياً لفض الإشتباكات بشكل آلي ، تلميحٌ إلى المستقبل الذي ترسمه القوة العظمى العالمية و قطبها الأوحد العالمي الأمريكي ، لقواتٍ ليست سوى قوى أمن تم سلبها من كلِّ مقومات الجيش و العسكرية المشرفة ، و إضاءة على جانب يحتل مقعد الصدارة في قوات العالم العربي التي تخلو كلياً من العنصر النسوي الذي يتعرض للكثير من الضغوط الجنسية في جيوش تلك الدول و انتهاك العرض و التحرش الجنسي ، فيعوض عن ذلك بوسائل ترفيه متعددة قد تصل إلى خدماتٍ جنسية ممنهجة لتقليل التوتر . سوى ذلك كله فالبحث يتركك بلا ملامح محددة ، هناك طرح فضفاض يوازي أعمال الواقعيين .
و بعكس يوسا الذي يضيف لمحة ساخرة إلى روايته ، يضع عباد في نهاية الرواية حالة توثق لشعور الشرقي العسكري ، الذي يحس أنه خان قسمه العسكري بامتهانه الترفيه الجنسي عن الجنود ، حتى تحول جيشه إلى آلة تمارس القتل و الجنس ، و تمتثل للسيد الأمريكي في القيادة المشتركة إلى الحد الذي تبدو فيه هذه المعسكرات تجربة يقوم بها الأمريكيون على أرض في هذا الشرق ، فالعقيد و صنوه المقدم المسؤولان في المعسكر يحاولان الخروج بسجلٍ نظيف من تسهيل ممارسة الرذيلة الممنهجة ، و بكل الوسائل الممكنة خوفاً من الفضيحة . الشرقي هنا يبرز في تناقضه العميق كما العسكري ، تناقض المتلقي السلبي الرافض ، فبينما يسهل عمل "الخدمة" و إنجازها بشكل واجب إلزامي ، يرفض الإنغماس في هذا الأمر ، مستنفذاً كل وسائل الضغط للخروج من القسم ١٤ سليم الشرف و السجل .
اللافت هنا أمر يكرره عباد و يوسا في النصين ؛ الضابط يتفوق في إنجاز عمله و يبرع فيه ، و لديه سجل نظيف حافل بالنجاح يحاول الحفاظ عليه كما ينبغي ، برغم كل الصراع الداخلي .
إن العقيد يعيش كما هو العسكري، و كما ينبغي للنص ( التقرير الذي بين يدينا ). النظام و الانتظام يتخلل ثنايا السياق و يتغلب على السرد ، حتى يخال لك بعد الانتهاء من القراءة أنك تسمع كلمة "نعم سيدي " في كل زوايا رأسك كرجيع الصدى . فإن كان هناك من شيءٍ نجح في نقله فهو رتابة الأمر العسكري و تسلسله بحيث أصبح النص امتثالاً لدواخل العقيد التي اعتادت كتابة التقارير الشهرية إلى القيادة المشتركة .
استجاب الرائع عباد يحيى في عمله الثاني لما يدور في اذهان البعض او من يراه البعض اﻻخر ويغض الطرف عنه.
( القسم 14) هي صرخة مدوية ﻻعادة تسمية اﻻمور بمسمياتها و محاولة لشرح تحول شعب بأكمله من اسطورة للمقاومة الى بائع لجزء بات ﻻ يمتلكه من ذاته. احداث العمل مقتصرة على المقاتل الذي افنى عقودا حامﻻ روحه على كفه وانتهى به المطاف قائما على شاشات مراقبة بؤرة من بؤر التدجين. اﻻ انني ارى ان التعميم يطال جميع قطاعات المجتمع واقتبس ( تبدو اﻻمور مختلفة اليوم ويبدو ان المعسكر تضخم واستدخل كل ما حوله، وﻻ وجود لمجتمع حول المعسكر، يبدو ان مجتمعا اصبح داخل المعسكر.) استبدال عقيدة بخواء اﻻمن واﻻمان وتأدية الواجبات للحفاظ على اﻻمن هو ليس فقط ما آل اليه حال مقاتلي اﻻمس بل هو حال ابناء هذا الوطن بمختلف قطاعاتهم وهم الركيزة اﻻساسية في تدعيم تلك الحالة الهشة من ادعاء اﻻمن خلف اسوار اﻻحتﻻل واﻻكتفاء بدور اهداف للرماية المستقبلية.
للمرة الثانية يقوم عباد باﻻنتقال بالقارئ الى اماكن اخرى بسﻻسة فتتحول الحروف الى اشكال واﻻشكال تصدر اصواتا يسمع صداها بين فينة واخرى. وعند العودة من تلك الرحلة نقف مذهولين امام قبح واقعنا.
طوبى لك وطوبى لتلك اﻻقﻻم التي تنقل لنا استغاثات احرار رفضوا التدجين او مدجنين يؤلمهم ان يلحق بهم آخرون لم يحن موعد لحاقهم بهم.
موضوع آخر مثير للجدل ومشوق لعباد يحيى ، تبقى حالة الغموض هي السائدة حتى مع وجود هوامش وكمية تفاصيل جيدة ، اللغة العسكرية الجافة وغياب الأسماء والأماكن أشعلت النص رغم واقعيته وطعنه أكثر من مره لنظام معين متواطئ مع أحدهم، ولكنه يرفض أن يتواطأ أكثر . مثل هذه المعسكرات منتشرة على رقعة العالم ككل خصوصاً في دول تسيطر عليها قوى خارجية ، الحديث هنا عن عملية توظيف العسكر لغايات بعيدة كل البعد عن الهدف الرئيس فيما يُراد لنا أن نفهم أن هذه الأنشطة هي لمصلحة الوطن ، خلاصة موقف العقيد المسؤول عن القسم أنه دافع عن طرح لم يقتنع به أبداً ( إنشاء قسم دعارة ) . وما أكثر الأنظمة التي لطالما دافعت عن طرح لم تقتنع ش بها يوماً . وفي حقيقة الأمر ليست هذه الأنظمة سوى منفذة لأوامر خارجية وما هي سوى بيادق في لعبة شطرنج تُديرها جهات مُعادية .
" ومن قضى عمره في الامتثال للأوامر كيف سيرفضها اليوم ؟ " يا إلهي كيف بجنودٍ يُفترض أنهم حُماة الوطن وأسود عرينه يتحوّلون إلى مجرّد دمىً وأدواتٍ في يد سادتهم فيصبحون بلا شرفٍ أو هدف ! ورغم التأخر إلا انه أن تصل متأخراً خيراً من أن لا تصل .. كم نفتقد اليوم لعقيد كمثل هذا ، يغادر المكان حين يعارض شِيمه .. ! ما أيقنتهُ تماماً أن هذا العُهر في القسم 14 أخفّ وطأة وأقل ضرراً من ذلك العُهر العسكرّي والأمنيّ الذي نواجه ، ! لربّما هي ليست من المواضيع الّتي تستهويني أو أنه افتقار الرّواية عنصر التّشويق .. أرى أنّ الهوامش قد كانت بمثابة قطعٍ للأفكار وتشتيتٍ لتتابع الأحداث محاولة جيّدة لكنّها برأيي ليست بمُستوى " رام الله الشّقراء " :) ..
فكرة الكتاب رائعة وجديدة بالنسبة لي، كما أُعجِبت بوصف الكاتب المشاعر التي اختلجت شخصية الرواية الرئيسية. لكني أعتقد أن فكرة قوية كهذه تحتاج إلى المزيد من التفاصيل. فما وصلنا عنها مبهمٌ جدا لم يشبع رغبتي في معرفة المزيد عن القضية المذكورة بالغة الأهمية.
يتطرق عباد يحيى في محاولته الروائية الثانية الى جانب حساس ومعتم وضبابي جدا في تشكيلة السلطة والأمن الوقائي تفتقر الرواية كسابقتها رام الله الشقراء الى عناصر الرواية حيث يغيب الشخوص ويحضر المكان
من أين أبدأ الكتابة؟ من لحظة توقّع انتحار العقيد "إيّاه" حيث تجمّد الدم في عروقي، ثم هدأ طوفان ما حين رأيته جالسا يشرب القهوة في المطار "إيّاه" متجهًا إلى أثينا؟ أم من جهادي في منع دموعي التي أرهقها الحوار المفصلي في الرواية، بين العقيد والمقدّم، بين الصفحات 132 و135؟ وبالمناسبة، كان جهادًا فاشلًا.. توجّسٌ أوّل منذ أول صفحة في الرواية، وضعتُ يدي على قلبي، إذ رأيتني أمام فكرة أشبه بتحقيق صحافي قد يُدمّر أكثر مما يُشيّد، وقد يقتل أحلام وآمال آلاف المواطنين في الدول التي تتعاون قواها الأمنية المحلية مع قوى دول كُبرى من أجل تحسين الأداء، وبلغة السياسة والاقتصاد: دول العالم الثالث مع العالم الأول.. وما أكثرها، بل ونحن أولّها، أعني: فلسطين. رواية تخلو من الأسماء سوى الألقاب والرتب العسكرية والأرقام.. تخلو من تحديد الأماكن، سوى الانعزال والمطلات الصحراوية والمباني مكررة الأجزاء.. لذا هي صالحة لكل التأويلات، وللأبعاد المحلية والإقليمية والدولية. ليتها تتحوّل إلى فيلم سينمائي. توجُسٌ ثانٍ أتخيّل جميع الآباء والأمهات والزوجات والحبيبات والإخوة والأخوات، الفخورين بأقرانهم/ن من الشبّان الذين سافروا إلى دول عديدة أنتم تعرفونها بالاسم، من أجل تدريبات عسكرية على مستوىً عالٍ، على أيادي ضُبّاط خاضوا حروبًا عالمية، يُلخصّون تجاربهم في أجساد هؤلاء "النسخ المتوالية بلا ملامح، والرؤوس الحليقة وأكوام العضلات البارزة"، من أجل أن يعودوا إلى البلاد، معززّين بهراواتهم وقنابل الغاز المسيّل للدموع، الذي لا أنسى صدمتي به حين اتخذ طابعًا فلسطينيًا، لمنع تقدّم مظاهرة متوجهة إلى مستوطنة "بيت إيل" قرب رام الله.
أتخيلهم جميعًا، لماذا؟ الإجابة في سؤال: "ماذا لو كان كل هؤلاء يقيمون في الخارج داخل أقسام مشابهة للقسم 14 ويمتثلون لأوامر المتعة والتفريغ الجنسي الذي لا بد منه بقرار عسكري؟" هل أصبح أكثر فجاجة إذا قلت: "ماذا لو كان القسم 14 مقامًا في إحدى المدن الفلسطينية، على سبيل المثال، أريحا؟!" ببساطة وبكل ما يحمل ا��معنى من تعقيد ومفارقات مؤلمة، تتحدّث الرواية عن إدارة عقيدٍ لمعسكر لا يختلف عن أي معسكر آخر سوى بوجود قسم أطلق عليه اسم "القسم 14" وهو من أجل الترفيه النفسي والصحي والجنسي للعساكر، إذ يتم جلبُ "عاملات جنس" من أعراق وألوان وأشكال مختلفة، لاحتواء الطاقات الجنسية التي يحتاجها العساكر في فترات طويلة يقضونها في هذا المكان، وذلك من أجل أن يكونوا دومًا جاهزين وقادرين على تعلم المزيد والإقبال على التدريبات دون إحباطات بسبب تراكم الكبت، الذي قد يتحوّل إلى نزاعات عنيفة بينهم، أو حالات تمرّد على القوانين، وفق ما ورد في الرواية. والتوجّس الأول والثاني قد لا يعنيان شيئًا، سوى أن الرواية تفتح نافذة في العقل للنظر إلى الأحداث بشكل خارج عن المألوف. بعيدًا عن التأويل أتت قراءة تفاصيل "القسم 14" بعد انتظارٍ مُطوّل منذ ذكرها يحيى على الهامش في منشور "فيسبوك" قبل إطلاقها، قال فيه إنه يكتب قصة عقيد مهووس بكاميرات المراقبة، بالتزامن مع نشر فضيحة أحد مدراء الأقسام في مؤسسة حكومية محلية، حيث كان يتلصّص على "مراحيض النساء" عبر كاميرات مراقبة، كما شدّتني المفارقة في غلاف الرواية، التي تجمع بين حذاء عسكري متسخ ويبدو أن دمًا يعلو مقدّمته، وحذاء نسائي أحمر بكعب عالٍ. وبالمناسبة، أنا قرأت نسخة مقلدّة للرواية وليست أصلية، إذ تم إطلاق الرواية خارج البلاد، تحديدًا عبر المركز الثقافي العربي، في المغرب ولبنان، وربما هذا كان سببًا في نُدرة الحديث عنها من قبل كتاب أو نُقّاد فلسطينيين، لا أعلم، لكني شخصيًا شعرت أنها لم تأخذ حقها من الحديث مثل "رام الله الشقراء" و"هاتف عمومي"، ولا شك أن يحيى قدّم فكرة مختلفة في كل واحدة، ولكل منها بريقها الخاص، وجميعها تنبئ بما هو أكثر بريقًا في مستقبل هذا الكاتب العشريني. أسلوب البناء الروائي في "القسم 14" محترف، ولم يعكره شيء، ولا حتى تكرار فعل "كان" بشكل لم أفهم أهو مقصود أم نتيجة غياب مراجعة أخيرة للصفحات (28-30). الشخصيات كانت متحررة من الكاتب، أو بالأحرى كان يُمسكها بخيط ذكي، لا نشعر به، كما أنه لا يُرهقها بمُداخلاته أو تحليلاته، فهي تعرض نفسها بنفسها، وتتفاعل مع الأحداث والقارئ -على الأقل أنا- بمنطق أليف وتشابكي. والنهاية –كفكرة- كانت حاسمة بقدر ما هي مفتوحة، وكتبت بطريقة تخفف الارتباك بقدر ما تثير التساؤلات، ومن يصبر بعد قراءة الإهداء "إلى أسباب أربع ساعات في المطار إيّاه" سيشعر بمتعة فك سحر هذه العبارة في الصفحة "157". أما الحوارات والهواجس الذاتية وحبكة الكوابيس التي كانت تتقاطع ويقظة العقيد، فمكتوبة بشكل أخّاذ، وإنساني عميق، ولم تنته أيٌ منها بقرار حاسم من العقيد، حتى كان الحوار الذي شكّل نقطة التحوّل الكبيرة في الرواية، وهو الذي جرى في الصفحات (132-135)، بينه والمقدّم الذي لفظ كل ما لم يكن في حُسبان الكاميرات الـ 32 التي تجمدّ العقيد أمامها ساعات طويلة بين سكران وشارد ونوستالجي ومصدوم بذاته ومعززٍ لها ببعض الشعارات التي لم تستطع تسوية علاقته بضميره وتاريخه العسكري في لحظة بذيئة كتلك. أفلام عديدة تذكرتها أثناء قراءتي للرواية، بين مصر وفيتنام واليابان، تتقاطع في بعض النقاط معها، خاصة في ما يتعلّق بفكرة التفريغ الجنسي كمهمة لا بد منها وعمل أكثر منه علاقة، إضافة إلى صبغه بقشرة "وطنية" كي يتحلل المترددون فيه من أعبائهم الأخلاقية والدينية والعضوية التي قد تمنعهم من أداء "الواجب". وبالنسبة للأسباب، طرحت الرواية على لسان العقيد، فكرة التحلل منها عبر ما أسماه "السلطة الدينية" التي قد تأتي بسهولة وتصدر فتاوى للعساكر على مقاس الأوامر التي يتلقونها، وهو ما يؤشر على العلاقة الرمزية والقوية التي يستغل عبرها السياسيون الناطقين باسم الدين في بلادنا من أجل تليين الأنفس وإذلالها.
لقِسمْ 14 رأيي.. او تعليقي يعني لَمْ استغرب أبداً ما قرأته في رواية عبّاد يحيى عن القِسم 14. أعلم مُسبقاً و الكل يَعلم أن العساكر في وطننا هم مُجرد أرقام. آلات مُبرمجة. يتم ترويضهم حتى يُصبحوا كُتل مُجردة من أي شيء يُمكن أن يكون له علاقة بالانسان. يتم العمل على تدميرهم نفسياً و بشكل مُتقن. لا عشوائية في العمل العسكري. ما أدركته من خلال الرواية هو أنهم عساكر ليس لهم علاقة بالعمل العسكري أو بالأحرى الشرف العسكري. يتم استغلال غرائزهم بشكل مُقزز، لدرجة تشعر بها أن الحديث عن المعسكر و بيت الدعارة لا يختلف كثيراً أو " بتاتاً". حتى تلك العلاقة الحميمة و التي بطبيعتها تستدعي السرية و العاطفة الصادقة و الشعور بالأمان و السعادة في آن تم تلويثها و تحوريها لتشبه الغريزة الحيوانية المادية التي تخلو من العاطفة، بل و اسوأ من ذلك بكثير . ربما الغريزة الحيوانيةتحركها الشهوة و الهرمونات لكن في القسم 14 هي مجرد مهمة ، باردة, مقززة، مثيرة للاشمئزاز. ربما هذه هي الطريقة الأنجح التي اتبعتها اللجنة المشتركة و قيادات أمريكية لتنويمنا، لتخديرنا..طريقة العمل على غرائزنا بانتهاكها و تشويهها. الانحلال الأخلاقي في نظري هو عائق. يعيق تقدمنا و سمونا و حريتنا لا يمكن أبداً أن يكون و سيلة نزيد بها كفاءة العسكري أ و وسيلة يُفرغ بها طاقاته، بل وسيله لتشويه هذه الطاقة و توجيهها و استخدامها بطرق لا أخلاقية . طُرق تجعل من العسكري زنديقاً و من العسكرية مومساً. نحن لسنا جنود أمريكا..نغزو الشعوب و ننهبها. أمريكا بحاجة لهذه الممارسات لتجعل من العسكري كائن بارد مُجرد من العواطف أشبه بآلة لا يكترث بشيء. لا تربطة الأسرة و لا الدائرة الاجتماعية.. لا حُب لا عواطف لا فتاة يبتغيها لنفسها و يرغب بأن يلتزم معها للأبد. نحن مختلفون تماماً. نحن أصحاب قضية . أصحاب بلاد مغتصبة. أصحاب دين و عقيدة و مبادئ.. نحن نسعى لاسترداد وطن لا لغزو أوطان الآخرين كوحوش برية و نهبها. نحن بحاجة لعسكري شريف، صاحب مبدأ و عقيدة. لا لعسكري منحل أخلاقياً.. نحن مثقلون. نريد أن نخفف من اعبائنا لا أن نضاعفها. الشرف لا يُجزأ. هو يسكر لكنه عسكري شريف.. هي عاهرة لكنها جندية ممتازة..هو زنديق لكنه يسبح بالنياشين.. شرف العسكري هو جزء من مهنته.جزء جوهري لا يمكن فصله ، بتره أو استبعاده. مراعبة #أمل #عبّاد #يحيى..دام نبض قلمك #5 #نجوم لتزين كتفك..صحفي #مبدع و كاتب #فذ.. #ياسمينة #لقلبك
كان يمكن ان تكون أفضل بمراحل لولا غلبة اللغة التقريرية الجافة عليها . و الذي جعلها اقرب الى تقرير صحفي مطول . كان يمكن ان تستثمر شخصية العقيد و تتصاعد لكنها حافظت على حيادية تسجيلية . .. تعليق اولي لقراءة اولى
كان يكفي في الماضي أن يتعاونوا مع القيادة أو الصف الأول في القوات المسلحة، أما اليوم فلا بد لهم أن يبدؤوا من الأسفل، من كل عنصر، حتى يجد أمثالنا أنفسهم وسط جيش جديد! ..
لم يعودوا جنوداً يقاتلون ويشترون مجداً ويبنون مستقبلاً، هؤلاء هم من يُبنى، ومقابل الامتيازات والمرتبات يبيعون كل شيء.