تقدّم رواية مريم مريام معالجة ذكية ومؤلمة لأزمة الهوية الفلسطينية من خلال تجسيدها في شخصية طفل وُلد لأبٍ عربي وأمٍ يهودية، ليصبح منذ لحظة وجوده ساحة صراع بين تاريخين متناقضين وروايتين مختلفتين.
الطفل يحمل في ذاكرته ووعيه جدّتين تحملان الاسم ذاته مريم العربية، المهجَّرة من بيتها في النكبة، تمثل الذاكرة الفلسطينية المسلوبة مريام العبرية، القادمة بعد معاناة الهولوكست، تمثل ذاكرة الضحية التي تحولت إلى مستوطِنة
المفارقة القاسية التي تبني عليها الرواية قوتها الأخلاقية هي أن مريام جاءت لتحتل بيت مريم في الصفورية وتنشأ على ذكرياتها وقبور شهدائها وغصن الزيتون ، لتتشكّل بذلك مأساة مركبة لا تُختزل في ثنائية “ضحية وجلاد”، بل في تصادم المآسي حين تُحل إحداها على حساب الأخرى.
أزمة هوية الحفيد
الحفيد لا ينتمي كاملًا لأي من العالمين: هو غريب في المجتمع العربي بسبب أمه. ومرفوض ضمنيًا في المجتمع اليهودي بسبب جذره العربي.
فتنشأ عنده هوية مضطربة، قَلِقة، وممزقة، يعيشها لا كشعار سياسي بل كألم يومي ومعيش.
أبو سريع: الوعي البديل
تتبلور هوية البطل الثقافية لاحقًا عبر صداقته مع أبو سريع في الجامعة، وهي شخصية تبدو – عن قصد – مكثفة معرفيًا: تعرّفه على معاناة عرب الداخل. تكشف له غطرسة الخطاب الصهيوني وتناقض ادعاءاته. تمتلك إجابات جاهزة وحاسمة في مواجهة السردية الإسرائيلية.
وهنا يمكن القول إن الكاتب اختزل جزءًا كبيرًا من وعيه الفكري في شخصية أبو سريع، حتى بدت أحيانًا أقرب إلى “ضمير ناطق” أو بوصلة أيديولوجية داخل النص.
مريام: إنسانية لا تُبرّئ الجريمة
واحدة من أكثر نقاط الرواية نضجًا أخلاقيًا هي طريقة تقديم شخصية مريام: هي حنونة مع حفيدها، فنانة، حسّاسة، ذات بعد إنساني تعيش صراعًا ووجعًا ضميريًا حقيقيًا
لكن الرواية –بشكلٍ ما – ترفض تبرئتها:
فإنسانيتها لا تلغي كونها مستوطِنة ومعاناتها لا تمنحها حق الاستقرار فوق أنقاض أحلام وتاريخ الآخرين
والأهم أن مصلحتها في الاستقرار والطمأنينة تتغلّب في النهاية على إنسانيتها المعلنة، لتكشف زيف الحياد الأخلاقي حين يكون البيت مسروقًا وبالتبعية الوطن والأحلام والحياة