الموهبة مهما كانت مضيئة تعجز عن بعث النور في أبجدية صاحبها حين يسخرها لخدمة آلهة الظلام...لخدمةاللاانسانية
سارتر في رائعته الدوامة يروي حكاية حاكم طاغية يدعى جان اغيرا
هذا الطاغية عدو الشعب وهناك ثورة ضده...وتنجح الثورة, ولكنهم لن يغتالوه مباشرة...سوف يكسبون اغتياله صفة شرعية وذلك بتحويله الى محاكمة صورية تحكم عليه بالاعدام ليتم اغتياله شرعيا.
وفي المحاكمة نكتشف ان "جان اغيرا" الطاغية كان منذ اعوام "جان اغيرا" الفقير الجائع ثم الثائر, ثم الحزبي المؤسس لثورة قلبت وقتها الطاغية السابق "الوصي على العرش".....الوصي كان مكروهاً لأنه أفقر الشعب, إذ "منح في سنة 1898, ولمدة مئة وعشرين سنة جميع الحقوق البترولية لشركة استخراج اجنبية".....وقام جان اغيرا يومها بثورته لينسف هذا الاحتلال الاجنبي المتواطئ مع الحاكم.....ولكن ظل كل شئ على حاله.
والاتهام الرئيسي الموجه لجان اغيرا "لماذا لم تؤمم صناعة البترول؟ لماذا ساعدت ارباب الاعمال الاجانب في قهر حركات الاضراب؟"....
ويصمت جان. ويحكم بالاعدام من قبل شركائه القدامى في الثورة الذين ثاروا عليه لأنه لم ينفذ أهداف الثورة...
جان قبل ان يتم اغتياله وهو راحل بسلام نفسي غريب ,يكشف سرا لصديقه الذي سيخلفه :( حاولت انقاذهم بتصنيع الزراعة..جرارات..اسمدة كيماوية ...استثمارات جماعية....كان الفلاحون يعارضون هذه التدابير)...لماذا؟
الجهل..
"انهم اكثر فلاحي اوروبا تأخرا...حطموا الجرارات ....رموا الاسمدة"
تلزمهم اعوام طويلة من التربية والدعاية....مع شعب كهذا لم يكن بوسع جان اغيرا ان يلغي امتيازات الدولة الاجنبية ويخوض حربا, خصوصا وان المندوب السامي يذكره باستمرار :"اذكرك ياسيدي بان بلادك صغيرة وبلادنا كبيرة". الحرب واضحة النهاية سلفا. لقد خذله الشعب الذي كافح به ولاجله وقتل لاجله وضاع لاجله وانهار انسانيا لاجله...ويغتالون جان. ثم تأتي المفاجأة: المذهل في المسرحية ان فرنسوا الذي يحل محل جان يكرر في الفصل الاخير الردود نفسها التي يكررها جان في حواره مع المندوب السامي والتي حوكم لاجلها!...
سارتر يقصد ان يقول ان الامور ستظل هي نفسها وستتكرر ما دام الشعب لم يتغير..و"لايغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
سارتر في رائعته العصرية تلك يرسم واقعا عربيا جدا, لان فيها اتهاما صريحا ومباشرا وقاطعا للشعب الاتكالي المتخلف الباحث في كل يوم عن ضحية جديدة.
صحيح ان قتل الطاغية هوقتل فكرة بقدر ماهو قتل انسان وسارتر هنا لا يتعرض لقضية قتل الافراد, بل انه على استعداد ليبررها لو كانت تجديلكنه يحاول ان يقول انك بقتل الشخص او رأس النظام لا تقتل دائما الوضع والظروف التي ادت الى ان يكون ما هو عليه...ان الطاغية ليس بالضرورة انسانا فاسدا وانما هو احيانا حصيلة شعب متخلف وطروف سياسية سيئة وان قتله ليس الا نوعا من استبداله بآخر ,لان"ايا كان" الذي يحل محله سيجد نفسه مضطرا للتصرف بالاسلوب نفسه.
سارتر في "الدوامة" يقف مع الزعماء إذ يجدهم احيانا اداة للجماهير المتخلفة تتلهى وتخدر نفسها بتبديلهم وليسوا سبب علتها وبلاءها...و"كما تكونون يولى عليكم.
قاتم دونما يأس حزين دونما استسلام
فكفاح الشعوب في كل قطر من اجل الحرية والكرامة يتشابه والدرب الى النصر واحدةفي كل مكان وكل عصر والشعار واحد:حذار من الروح الانهزامية
وراء كل سلطة مستبدة شعب استبد به جهله
متى تشهد الانسانية سن وتطبيق أول قانون يحاكم كل كاتب يصفق للنظام بسطحية وغباء ويتجاهل سقطاته؟ .....متى يحاكم الكاتب التافه والكاتب المتزلف والداجن؟
ليس بينكم من يجهله .ليس بينكم من لم يقابله ذات صباح مشمس أو في زاورب معتم في ليلة ممطرة. اسمه القدر
من مواليد الأزل.جنسيته:الكون.مذهبه:المفاجأة.حالته العائلية :متزوج من الدهشة.أولاده توأمان اسمهما:الفرح والموت.عنوانه:أعماق كل انسان.
صفاته الفارقة:لا يشبه أحدا.
ففي الابداع دوما ما يصدم الناس وما يروعهم .... ربما لانه يكشف للناس عن أسرار نفوسهم وموضعهم من هذا العالم الوحشي والفاني, أي انه يحرم الأكثرية متعة دفن رأسها في الرمال.
اجمل ما قرأت....غادة السمان حبيبتي