كنت أنوي أن أكتب شبه تلخيص عنه , و أجّلت ذلك , و شغلنا حال الفتنة الكبرى القائمة عن ذلك , و إن كانت فتنتنا ظاهرة الحقّ من الباطل أكثر ممّا كان موفّراً للصحابة , حسب أدبيّات الإسلاميّين في الرواية عنها طبعاً
الفتنة لهشام جعيّط محاولة لقراءة التاريخ خارج سكونيّة الشعارات و التصنيفات التي تقدّم بها الفتنة , لكي ينقله لنا بحركيّته و تفاعلاته الكثيرة الحيّة التي كانت تعمل و تمارس تأثيرها و تجاذباتها في كلّ أحداث هذه الفتنة ,
يدرس جعيّط التيّارات السياسيّة و الاجتماعيّة التي كانت سائدة في تلك المرحلة , ليدرس دورها في الأحداث التي تلت ذلك , و هو ذكيّ جدّاً في استشفاف روح العصر , و روح المكان أيضاً , فلا يقع في التعميمات التي تغفل طبيعة الاختلافات الحقيقيّة التي كانت قائمة بين المعسكرات المختلفة .
هذا يظهر بشكل حقيقي عند تحليله للكوفة و البصرة و الشام و مصر , و إن كان لي تحفّظ على تحليلة للحالة المصريّة , من حيث إنّه يرى أنّه كان هناك تقاليد راسخة للمصريّين وقتها تجعل لديهم أنفة من أن يتبعوا قائداً من خارجها , مع أنّ وضع المسلمين خلال عشرين عاماً في مصر لم يكن كافياً لتكوين ذلك , و هذا يُقرأ حتى من خلال مقارنة الإنتاج الثقافي و العلمي في مصر وقتها مقارنة بما كان في العراق , المهمّ هذه نقطة ثانويّة
يدرس الكتاب بشكل رئيسي التفاعل بين الديني و السياسي في هذه الفتنة , و يرفض التأويل المقتصر على الاقتصادي - السياسي في تفسيرها , و يرى أنّ العقيدة و الإيمان الديني كان الباعث الأوّل الحقيقي للفاعلين في هله المرحلة و كان التعصّب للفكرة و الحقيقة في شكله النقيّ و الرائع هو الفاعل الحقيقي , ما يظهر موضوعيّته و إنصافة كملحد
ما يجعل الدافع السياسي كثيراً لخدمة الحقيقة الدينيّة و أحياناً مغلّفاً بها لشرعنته , ما يبدو أكثر في حالة معاوية , حيث وزن السياسيّ غالب على الدينيّ على عكس عليّ .
و يدرس الوضع الاجتماعي و تعقيداته و تشكيلاته المختلفة التي كانت مؤثّرة في سيرورة المعارك و المواجهات .
إنّه عمل بحثيّ كبير , و تحليل تاريخيّ عميق , و استنتاجات فكريّة ذكيّة
وعي المرحلة .... و تركيبيّتها .. تمثّل روحها و تناقضاتها ... هذا ما يميّز هشام جعيط هنا
و هذا لا ينفي أبداً كونه يحوي الكثير مما أخالفه فيه و ممّا يحتمل النقاش , خاصّة في الفصل الأوّل المتعلّق بالبعثة , و فيما يليها أيضاً ... إعجابي بعمل الكاتب و بحثه لا يعني موافقتي التامّة له ...ولكن ما يفيدك به هذا الكتاب من حيث منهج التعامل مع التاريخ و تحليله هو أكبر بكثير من أن تحجم عنه بسبب أنّ المؤلّف " لاديني" !
نصيحةٌ للمهتمّين بالتاريخ , أو بهذا الموضوع