لوحتان يصدف للراوي أن يقف أمامهما وهو في سن العاشرة. تثيران فيه أسئلة يقضي حياته محاولاً العثور على أجوبة عنها. الطفل السمين الذي يعاني سخرية من حوله من سمنته كان شاهداً على العنف الدمويّ الذي خلّفته حرب استقلال بلده الجزائر. بين العنف الذي تصوّره لوحة «معركة الزقاق» للواسطيّ، والمسالمة التي تبثها لوحة «مسجد ساحة الحاكم العام» لألبرت ماركيه، سيجد نفسه باحثاً في تاريخ بلده الذي كان واقعاً تحت الاستعمار الفرنسي وساعياً إلى التحرّر، ويراه اليوم تائهاً في طريقه نحو المستقبل.
رواية الحرمان ليست مجرد قصة، بل صرخة فكرية تكشف هشاشة الإنسان الجزائري بعد الاستقلال. يتناول رشيد بوجدرة موضوع الحرمان بكل أبعاده: الجسدي، النفسي، والوجودي، من خلال بطلٍ يعيش بين الرغبة والخيبة، بين الجسد المثقل والروح الفارغة.
رمزية السمنة في الرواية تتجاوز المظهر، فهي مرآة للعجز والركود، ولذلك ربط الكاتب بين سمنة البطل وفتح طارق بن زياد للأندلس، كأنه يقارن بين زمن كانت فيه القوة والفعل هي اللغة، وزمن صار فيه العجز عنوانًا للحياة.
“الحرمان” ليست رواية سهلة، فهي تضع القارئ أمام أسئلة الهوية والحرية والذات. شخصية “زهرة” تجسد وطنًا يبحث عن نفسه، عن معنى وجوده بين ماضٍ مثقل بالاستعمار وحاضرٍ مضطرب لا يعرف اتجاهه.
أسلوب بوجدرة حادّ، جريء، وفلسفي، يكتب ليصدمك، لا ليرضيك، ليجعلك ترى ما تحاول تجاهله.
هذه الرواية ليست موجهة لكل القرّاء، بل لأولئك الذين يقرأون بوعي، ويغوصون خلف المعاني المخفية. إنها تجربة فكرية قبل أن تكون أدبية، تُقرأ بالعقل قبل العين، وبالإحساس قبل الفهم.