ظهرت في الآونة الأخيرة العديد من الكتابات التي تتحدث عن المثقف وعلاقاته. والغالب على هذه الكتابات هو أنها سلطت الضوء على الأفكار الأيديولوجية التي يحملها هذا الكائن، خصوصاً فيما يتعلق بمواقفه السياسية وأطروحاته التبشيرية.
لكن ما يعنينا في هذا البحث ليس تلك الأفكار، إنما تسليط الضوء على قضية جديدة لم يتم طرقها بعد، ألا وهي الجانب المنهجي والبنيوي للمعرفة لدى العقل المثقف، وذلك بغض النظر عن الاعتبارات الأيديولوجية والمذهبية. مع الأخذ بعين الاعتبار أن بحثنا يركز على الدرجة الرئيسية على المثقف الديني دون غيره من أصحاب التوجهات الأخرى. كذلك عمدنا إلى أن يكون بحثنا عن المثقف ليس بمعزل عن نظرائه ومنافسيه معرفيا، إنما غرضنا هو إجراء المقارنة وإبراز جوانب القطيعة المعرفية بينهما وبين الفقيه. وقد عالجنا هذا المبحث ضمن محورين مختلفين، أحدهما من حيث لحاظ اختلافهما في التوجهات المعرفية كما هو قائم ومجسد في الواقع، وذلك من خلال التركيز على بعض النماذج البارزة التي تمثل فئة المثقفين ومقارنة بينهما ككائنين صوريين مجردين عن الواقع الموضوعي، أي باعتبارهما عقلين منتجين للمعرفة، فأردنا أن نتعرف على هويتيهما البنيويتين من حيث إنهما ماهيتان صوريتان محددتان تبعاً للوظيفة المعرفية التي يقومان بإنجازها.
على هذا فقد قسمنا دراستنا هذه إلى قسمين رئيسين ضمن إطار ما سميناه (المثقف والقطيعة مع الفقيه)، فأطلقنا على القسم الأول (القطيعة التشخيصية)، وعلة القسم الثاني (القطيعة البنيوية). حيث تناولنا في الأول تحديد هوية المثقف وأصنافه المتعددة ومنها المثقف الديني، ثم قمنا بمقارنة معرفية بين عدد من رواد هذا الصنف الأخير من جهة، وبين مسالك الفقهاء التقليدية من جهة أخرى. كما تناولنا في القسم الثاني طبيعة المرتكزات المعرفية التي يتأسس عليها العقل الفقهي والعقل الثقافي، إذ كما سنعلم أنهما يختلفان في المصدر والآلية والأصول المولدة للمعرفة. ثم بعد ذلك كشفنا عن جملة من الخصائص المعرفية الناشئة عما يناسبها من المرتكزات لكل منهما. وبالتالي أظهرنا عمق التباين والخلاف الحاصل بينهما، حيث تتكشف ماهية القطيعة العقلية أو المعرفية عندهما. وقد اعتبرنا أن علة هذه القطيعة ترجع إلى الفصل الحاصل في المصدر المعرفي من الناحية التكوينية. فهو لدى الفقيه عبارة عن النص، لكنه لدى المثقف عبارة عن الواقع. أي أن الأول قد تمسك بكتاب الله التدويني، في حين تمسك الآخر بكتابه التكويني. مع ذلك فقد اقترحنا بعض قضايا الإصلاح التي من شأنها أن تقضي على موارد الضعف المعرف والمنهجي عندهما.
أخيراً فقد قدمنا لبحثنا مدخلاً دللنا فيه عن وجود تكافؤ في التصديقات المنضبطة بين المختص وغير المختص، وذلك لتبرير عمل المثقف المعرفي قبال الفقيه ومنافسته له في الحجة المعرفية.
يتحدث عن منشأ ظهور المثقف الديني وتأثيراته وسط النفوذ الذي يملكه كل من الفقيه والسلطان في التحكم بالمعرفة ومخاطبة الأمة وحرصها على عدم ضياع تبعية وانقياد وطاعة الامة لها
ثم يتناول اختلاف المرتكزات المعرفية بين الفقيه والمثقف الديني وماتنتجه من تقاطعات بينهما .
وقد أوضح بأن التباين والقطيعة بينهما راجع لكون طريقة التعامل مع النص والواقع تختلف بين الفقيه والمثقف لاختلاف النظرة والمنطلقات والاهداف والاساليب التي ينتهجانها وبالتالي اختلاف المحصلة والنتائج.
كالعادة لا يبدوا لى أنه من المناسب تلخيص ما قد قرأته فى سطور قليلة، و لكن المثير بالنسبة لى هو أن أسطر ما يجول فى عقلى بمجرد انتهائى من مطالعة كل كتاب. نظراً لخلفيتى العلمية و قلة إحتكاكى بالعلوم الإنسانية، و إنغماسى معظم أيام حياتى فى وسط المهنيين الأطباء و المهندسين و غيرهم من المتخصصين الذين لا يخلوا الكثير منهم من ميول رايدكالية إسلامية. كانت وجهة النظر السائدة و التى تربينا عليها هى إعتبار العلوم الإنسانية هى محض هراء و تضييع وقت و أن دارسيها و المتعاملين معها و متذوقيها هم مجموعة من ذوى العقول الواهنة الذين لا يستطيعون تناول تلك العلوم الفيزيائية و التطبيقية البحتة التى تحتاج إلى عقول حادة و ذكية من هؤلاء الذين قد إستطاعوا إحراز درجات مرتفعة فى الثانوية العامة. بإختصار كنا ننظر نظرة فوقية لهؤلاء المشتغلين بالعلوم الإنسانية، تلك النظرة التى أدركت متأخراً كم كانت سطحية و غارقة فى الجهل. بعد مرور الكثير من الوقت و بعد مرورى بتلك الأزمة التى جعلتنى أعيد النظر فى الكثير من المرتكزات الفكرية و العقائدية فى حياتى قمت بعمل جولة إستكشافية فى كتب تلك العلوم التى كانت مستترة عن عقلى، العلوم الإنسانية. بعد قرائتى للكثير من الكتب فى الكثير و ليس كل فروع تلك العلوم تبين لى تهافت تلك النظرة التى كنت أنظر بها لتلك العلوم. و إزداد ذهولى عندما لاحظت تكرار أنماط معينة فى تناول هؤلاء المفكرين لمختلف القضايا. ذلك التكرار كان يشبه إلى حد ما التكرار الموجود بصورة أوضح بكثير فى العلوم الفيزيائية. ربما تختلف المصطلحات و لكن المضمون كان يتكرر تكراراً ملحوظاً فى العلوم الإنسانية. ربما من أطلق على ذلك الفرع من المعرفة علوم كان على قدر كبير من الصواب. أدركت أنه بالرغم من الطبيعة الإنسيابية التى تتميز بها تلك العلوم إلا أنها و فى نفس الوقت قد تم تأسيسها على العديد من المناهج العلمية الحديثة التى تضمن إقترابها من الحيادية و النزاهة و تنتج لنا إستنتاجات لا تفارق الواقع، بل و فى كثير من الأحيان تقترب منها إلى درجة التطابق فى بعض الأحيان. و ليس هذا غريباً و قد جعلت جل إهتمامها تناول و علاج القضايا التى تؤرق الإنسان. و ذلك سبباً مهما لتسميتها بالعلوم الإنسانية. ربما السبب الآخر أن دارسيها و الذين يطالعون أدبياتها يصبحون أكثر تسامحاً و إنسانية كما قال و أكد المفكر العظيم ياسين الحاج صالح و كما حدث معى بالفعل. فكلما أقرأ كتاباً فى ذلك الفرع من المعرفة كلما أزداد إنسانية و تسامحاً و إدراكاً لما قد يراه و يعتقده المخالف لى فى الرأى. تجعلنى تلك العلوم أكثر إحتراماً للتجربة الشخصية و الدينية للمخالفين معى. ما أثار فى عقلى تلك الثرثرة هو قرائتى لموسوعة محمد عابد الجابرى المعنية بنقد العقل العربى و خلوصه إلى عدة إستنتاجات. منها أن الحضارة العربية حضارة دين. و أن العقل العربى يتنازعه عدة توجهات و هى البيان و العرفان و البرهان، و أن البيان هو الذى لا يزال يسيطر على ذلك العقل. و فى إستعراضه للعقل الأخلاقى العربى كانت القيمة الأخلاقية المسيطرة هى قيمة الطاعة. و هنا يتقاطع ما قرأته فى موسوعة الجابرى مع ما قرأته فى كتاب يحيى محمد (القطيعة ما بين المثقف و الفقيه). الرجل هنا عن طريق إستعراضه لأسباب تلك القطيعة و دورانه حول المرتكزات و الأهداف المعرفية لكل منهما يؤكد ما كان يتناوله الجابرى فى كتابه. لست أعلم ما إن كان الكاتب يحيى محمد قد إطلع على إنتاج الجابرى أم لا. الإحتمال الأكبر أنه ربما يكون قد إطلع بالفعل على إنتاجه، فمفكر بحجم الجابرى لابد أن يكون مفكر حاذق كيحيى محمد على بينة وثيقة من أعماله. أحاول فى تلك الأيام التى لا أجد فيها ما يشغلنى أن أركز قراءاتى فى مجالين رئيسيين. المجال الأول هو تناول العقل العربى الذى لا يتوقف عن إثارة التساؤلات بداخلى عن سر تعطله و إستقالته. المجال الثانى هو قراءات حرة. هذا الكتاب هو أول لقاء بينى و بين يحيى محمد أتمنى أن لا يكون الأخير.
النهضة الحديثة مضطربة فلا هي تقليدية صرفة ولا هي تجديدية ، تارة تتخذ صورة التجديد واخرى صورة التقليد بتبريرات مختلفة ... كيف نتعامل والى من نلجأ؟ الى التراث والاصالة ؟ ام الى الحداثة والمعاصرة ؟ ام لابد من التوفيق والتلفيق بينهما ؟ هذه الاسئلة ليس لها عند المحقق او الباحث معنى ما لم تتم دراسة الامرين معاً
يبدو أن الترادف اللفظي بين الفقيه والمثقف قد صار جزءاً من التاريخ، مفسحاً المجال لاختلاف بين اللفظين ودلالتيهما سجله أكثر من كاتب، لا بين المثقف العلماني والفقيه فحسب، بل بين المثقف الديني والفقيه، وهي القطيعة التي يرصدها الكتاب في الأساس ويعالجها ضمن محورين: الأول يلاحظ اختلاف المثقف والفقيه في التوجهات المعرفية كما هو قائم ومجسد في الواقع، وذلك من خلال التركيز على بعض النماذج البارزة التي تمثل فئة المثقفين ومقارنة مسالكها بمسالك الفقهاء المعرفية. والمحور الآخر هو المقارنة بين المثقف والفقيه ككائنين صوريين مجردين عن الواقع الموضوعي، أي باعتبارهما عقلين منتجين للمعرفة. يقول المؤلف: فهم القضايا الاسلامية والعلم بها لا ينحصران في دائرة المختصين، مثلما يلاحظ من التلقائية التي كانت تسود بين الصحابة في أخذهم للعلم الشرعي دون الرجوع الى وسائط منهم ما لم يكونوا على جهل أو شك فيما يواجهونه من قضايا، فالمهم هو الفهم المقرب للصحة سواء بني الأمر على التخصص وممارسة الأدلة الصناعية أو على غيره مما يجري بصورة تلقائية، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «استفت نفسك وان افتاك الناس وأفتوك».
وهو يحدد وجود ثلاث بنى عقلية منتجة هي : بنية المثقف(العلماني) وبنية الفقيه وبنية المثقف الديني. ونلاحظ أن المؤلف حين يطلق لفظ «المثقف» بلا ضابط يخصصه فهو انما يقصد به المثقف العلماني، وهي ملحوظة كان من شأن الالتفات اليها أن نظفر من المؤلف ـ على الأقل ـ بأطروحة حول ذلك الانفصال الذي نلمسه حولنا في كل مجال بين الطرح الديني كما تعرفه الأمة والطرح العلماني ـ من العالم ومن العلم أيضاً ـ كما تمارسه الأمة نفسها. ومادام المؤلف لم يلتفت الى هذه الملحوظة فلنكتف بالمضي معه فيما التفت اليه.
وهو يذكر خمسة توجهات للمثقف ـ العلماني والديني ـ هي:
> النموذج العلموي: الذي يجد في العلم ضالته الوحيدة في البحث عن الحقيقة وتأسيس المجتمع السليم.
> النموذج الميتافيزيائي: الذي يفترض وجود نسق قبلي ثابت كحقيقة مطلقة تتجاوز حدود التاريخ والزمان والمكان.
> النموذج الذرائعي: الذي لا يهمه ان كان مصدر الحقائق قبلياً أو بعدياً، انما يهمه توظيف الحقائق لقضايا نفعية تخدم المجتمع.
> النموذج العقلاني: الذي يؤمن بالعقل ايماناً مطلقاً من حيث قدرته على الكشف عن الحقائق وتحقيق ما تصبو اليه النفوس من نهضة انسانية.
> النموذج اللاعقلي: وهو على خلاف سابقه لا يمنح المنطق العقلي دوراً فاعلاً ومميزاً في كشف الحقائق وحل المشاكل العامة. وانما في الغالب ينظر الى العقل والواقع نظرة وجودية لا تبعث على التفاؤل في تحقيق ما ينشده الانسان من مبادئ والتزامات.
والمؤلف يقرر أن ظاهرة المثقف الديني جديدة لم تعرف من قبل، وهو مثقف مدين في مرجعيته المعرفية الى الواقع، لم يولد بين أحضان الفقهاء ولم يكن في ميدانه الجديد من أهل الصنعة التي هم عليها، ما شكل ظاهرة جديدة أفضت الى القطيعة فيما بينه وبين الفقيه.
ويقول: المثقف الديني مثلما يختلف عن المثقف العلماني فانه بالمقابل يختلف عن الفقيه؛ فهذا الأخير يكاد يلغي بدوره حظ الواقع من المنظومة المعرفية، مكتفياً في الغالب بما جاء في النص وحكم السلف، وهو بذلك يقف على الطرف الآخر الذي يعاكس فيه نهج العلماني؛ لذا جاء المثقف الديني ليربط بين المسلكين، وينظر بكلتا العينين، احداهما باتجاه النص خلافاً للعلماني، والأخرى باتجاه الواقع خلافاً للفقيه.
منهج رشيد رضا
وسمات المثقف الديني كما يرصدها المؤلف هي: الدعوة الى تجديد النظر في الدين، توسعة المصادر المعرفية، الميل الى التفسير السنني (بمعنى الأخذ بالأسباب الطبيعية وتفسير النصوص التي تتحدث عن الأحداث والوقائع تفسيراً يوافق سنن الله في الطبيعة) وهو منهج توفيقي عبر عنه الشيخ رشيد رضا بقوله ان الله قد أقام سنناً طبيعية نحن مجبرون عليها، وأوكل الينا اقامة سنن تشريعية نحن مختارون فيها، فاذا لم نوفق باختيارنا بين النوعين من السنن فانه سيثبت الجبري ويبطل الاختياري. ومن سمات المثقف الديني أيضاً: اعادة الاعتبار للمصلحة والمقاصد، الاهتمام بالحقوق الانسانية العامة، الحساسية تجاه الواقع الاجتماعي والسياسي، التأثر بالواقع الغربي، المرونة والانفتاح على الآخر.
وفي القسم ��لثاني من الكتاب يقارن المؤلف ـ بنيوياً ـ بين مرتكزات العقل وخصائصه المعرفية لدى كل من الفقيه والمثقف الديني. حيث المصدر المعرفي للفقيه هو النص، والمولد المعرفي هو كشف الماهية، وآلية المعرفة: البيان اللغوي، وهدف هذه الآلية هو تديين الواقع، ووسيلتها نصية، وقيمتها اطلاقية، وروحها تجويزية، وأيديولوجيتها دينية، ومحصلتها: ظنون بيانية.
أما المثقف الديني فان مصدره المعرفي هو الواقع (مع عدم انكار النص ولا استبعاده)، ومولده المعرفي كشف خبروي مع موجهات نصية، وآليته المعرفية نقد عقلاني، وهي آلية تهدف الى توقيع الدين (ربطه بالواقع) ووسيلتها مستمدة من الخبرة، وقيمتها نسبية، وروحها سننية، وأيديولوجيتها واقعية، والمحصلة ظنون عقلية.
نستنتج تحيزه الى نهج المثقف الديني اذ الظنون العقلية هي القادرة على صياغة المستقبل ودفع عجلة الحياة، في حين تصلح الظنون البيانية لتزيين الكتب وادارة حلقات الجدل ليس الا!