أنا لم أكتب هذه القصص وأدفعها إليك عبثاً، بل هي الحياة التي عشتها-وهي قليلة حتى اليوم بعدد سنيها، ولكنها كثيرة بالتجارب التي تمرست بها-فتحت عيني على أشياء جميلة هنا وقبيحة هناك، فأردت وصف هذه الأشياء فلم أجد وسيلة إلى ذلك خيراً من القصة. الواقع أن القصة تتسع لمرادي كل الاتساع، ولعلك تلاحظ معي أن القصة في الأدب العالمي تكاد تكون اليوم أعظم مظاهرة وأكثرها انتشار. وقد انتهى الأدب العالمي إلى القصة في كيانها الحاضر بعد تطورات استمرت عصوراً، فلبست مع كل عصر زياً، حتى كان هذا العصر فإذا هي تحاول أن تضم ألوان الحياة كلها وتكون ترجماناً لجيل بما في رأسه من أفكار، وفي قلبه من أشواق وآلام، وفي محيطه من أخلاق وتقاليد.
وبعد، فهل أنا في حاجة إلى كلام على قصص هذا الكتاب؟ هل أنا في حاجة إلى القول أنها مستمدة من لمحيط الذي أعيش فيه؟ قد يكون أشخاصها حقيقيين ولا يكونون، وقد تكون حوادثها واقعية ولا تكون ولكنها، في الحالتين، نماذج مأخوذة من حياتنا اليومية البسيطة، المملوءة على بساطتها بالأسرار. أجل، إن ألوان هذه القصص تختلف باختلافها، فمنها ما يغلب عليه التوجيه، ومنها ما يغلب عليه التحليل، ومنها ما يغلب عليه وصف الأخلاق والتقاليد، ومنها ما لا يحتوي إلا على العبث ولذة الفن المجردة. على أنها كلها ترمي إلى غاية أولى، وهي أيضاً غاية الأدب الأولى في نظري منذ كان في الدنيا أدب، وأعني بها المعرفة. وهل من غاية للأدب أسمى من مد يديه إلى هذه العلاقات السحرية التي تربط الإنسان بنفسه، وبما حواليه من حي وغير حي، وإبرازها، وضفرها، وجعلها كالحبال حتى لتجس باليد وتمسك؟
حسبي من محاولتي هذه نبل مقصد، وحسبي في أدبنا العربي الحديث الجرأة على هذه المحاولات
ولد توفيق يوسف عواد العام 1911 في بحرصا ف - المتن - جبل لبنا ن- تعلم مبادىء القراءة والكتابة في قريته وفي بكفيا ثم انتقل الى كلية القديس يوسف في بيروت لمتابعة دروسه الثانوية التي انهاها العام 1928 - التحق بمعهد الحقوق في دمشق ونال اجازته منه العام 1934.
عمل في الصحافة فكانت منبراً للدفاع عن الحقوق التي درسها وتمرس بها ومجالاً للتعبيرعن موهبته الأدبية التي تفتحت من على مقاعد الدراسة. حررفي صحف عديدة منها "العرائس"، "البرق"، "البيرق"، "النداء" و"القبس" - أمضى زمناً طويلاً رئيساً لتحرير"النهار" منذ تأسيسها العام 1933 حتى العام 1941 سنة تأ سيس "الجديد" المجلة التي أنشأها توفيق يوسف عواد تحقيقاً لحلمه بأن يجمع المواهب الشابة والجريئة في مجلة أسبوعية ما لبثت أن تحولت جريدة يومية. الى جانب عمله في "النهار" كان أحد أعضاء أسرة "المكشوف".
في العام 1946 انتقل توفيق عواد الى العمل الدبلوماسي فكان قنصلا ً للبنان في ايران واسبانيا ثم سفيرا ً في مصر المكسيك واليابان وايطاليا.
العام 1975 تقاعد توفيق عواد من العمل الدبلوماسي ليتفرغ للكتابة مجددا ً، حتى وفاته بسبب القصف على بيروت العام 1989.
انطلق أدب توفيق يوسف عواد من واقع الانسان اللبناني والبيئة المحلية ليبلغ، بحرارته وصدقه ونفاذه، عمق التجربة الانسا نية الشمولية وكان لثقافته العميقة المنفتحة أثرها البا لغ في صقل هذا الادب الذي أوصت منظمة الأونسكو بترجمة نموذج منه اعتبرته من "آثار الكتا ب الأكثرتمثيلا ً لعصرهم" عنينا روايته طواحين بيروت.
كتب القصة القصيرة التحليلية ذات الأبعاد النفسية والاجتماعية وكان يهدف الى تمزيق الأقنعة التي يختبىء ورواها الناس المسطحون والمزيفون... قال له مخائيل نعيمة في رسالة على أثر صدور "الصبي الأعرج"، كأنك ما خلقت الا لتكتب القصة.
I rarely read in Arabic, but this book is amazing. i read it long long ago, but it is unforgettable :) I highly recommend it to everyone who would like a heartfelt story written in a solid beautiful way.
3.5 الصبي الاعرج - توفيق يوسف عواد مجموعة قصصية تتكون من 14 قصة متفاوتة المستوى، يفتتح المجموعة بخمس قصص ممتازة، اما باقي القصص تتراوح من جيد الى سيئ، واعرض هنا تلخيصهم:
1. الصبي الاعرج: تتحدث عن طفل فقير يعيش مع عمه الذي يجبره على التسول ويعنفه دائما، الى ان تتطور شخصية الطفل بعد التقائه احد الاشخاص.
2. المقبرة المدنسة: تتحدث عن موت فتاة كانت مشهورة في قريتها بانها (زانية) وعن ذم سكان القرية ومختارها لها بعد موتها، لكن ما قصة المختار مع هذه الفتاة؟.
3. الجردون الشتوي: تتحدث القصة عن عائلة فقيرة، يقرر الاب ان يذهب الى احد الاغنياء ليعمل عنده في بناء قصره ويأخذ اطفاله معه ويضعهم في مأوى خاص لحين استكمال عمله، ومن هنا تبدأ قصة شديدة الحزن.
4. الشاعر: تتحدث القصة عن مراهق يلقب بالشاعر لانه يشبه مظهرهم، يعيش مع والده في فندقه، الى ان تزور الفندق فتاة ارملة فتغير حياته وتشعل في قلبه الاحاسيس.
5. الهاوية: تتحدث القصة عن الفلاح وحبه لارضه، وعن عذابه عند اجباره عن الاستغناء عنها.
6. جدي وحكاياته: تتحدث عن شاب يسرد لصديقه قصة جده مع ولده الذي تركه وذهب الى اميركا ولم يعد يرسل اليه الرسائل ولا يرد عليها، وعن مشاعر جده طوال سنين الفراق.
7. الرسائل المحروقة: تتحدث عن فتاة يافعة في علاقة حب مع جارها، الى ان يتقدم اليها شخص معين.
8.احد الشعانين: تتحدث عن عذاب احد الخوريات اليومية بسبب عقمها، وامنيتها الدائمة بالانجاب.
9.حنون: قصة مؤلمة كما يوضح الكاتب في بدايتها ( من مآسي الحرب الكبرى) تتحدث عن عائلة شديدة الفقر مكونة من زوج وزوجة وطفلهما تعيش في حي الزيتونة، يبيع رب الاسرة اثاث البيت لياكل ويخلع النوافذ ويبيع البيت نفسه (للبيك)، الى ان ياتي يوم يكون فيه الاب غائبا والابن يكاد يموت من الجوع والام حائرة في تلبية دعوة البيك الى منزله....
ويختم الكاتب مجموعته بقصص شديدة القصر اكبرها ٤ صفحات منها:
10.الأرملة: قصة عن فتاة تحب احد الاشخاص وتستسلم لكل رغباته وتتحمل وقاحته، كانت شبيهة بقصة الرسائل المحروقة الى حد كبير، والشخصيات متشابهة مع الاستسلام غير المنطقي، لم يعجبني التكرار.
11.شهوة الدم: قصة محورها عن ظاهرة تعذيب الاطفال للحيوانات بغير رحمة.
12.عمر أفندي: عن رجل داق ذرعا بفقره يقرر القيام باعمال غير مشروعة لقناعته بان مصدر ثروة الاغنياء يأتي بهذه الطريقة.
13.سقاء القهوة: عن سقاء سكير تتركه زوجته هو وابنه.
14.الحمال الصغير: محورها عن عمل الاطفال وقيامهم باقصى الاشغال مقابل قروش قليلة.
مجموعة قصصية جميلة من بدايات اعمال الكاتب، ساكرر التجربة مع الكاتب وانصح بقراءتها للتسلية.
قرأت مجموعة القصص هذه بالتزامن من مع قراءة سيرة الكاتب 'حصاد العمر' للاطلاع على اسلوب الكاتب و الحوادث المؤثرة في حياته لانه أشار لكثير من قصصها في سيرته الذاتية. اسلوب الكاتب سهل و مشوق و قصصه من واقع الحياة التي عاشها أو سمع بها في طفولته و شبابه و من واقع الحياة في لبنان. لكثير من القصص معاني أخلاقية و تحليل اجتماعي للعادات و التقاليد و منه مواضيع الجوع و الظلم و القسوة و الاستغلال و الاحتيال و الاعتداء. كتاب مميز لمن يحب الاطلاع على التاريخ الاجتماعي للمنطقة و لكاتب كان صريحا في انتقاد تصرفاته انتقادا قاسيا كما في فعل في احدى قصص المجموعة، شهوة الدم.
قصص واقعية و مؤثّرة عن الحب، عن الغضب، عن الثأر، عن المجاعة و حتى عن التنمر (قبل أن تجتاح هذه الكلمة العناوين و الأحاديث) و غيرها من مواضيع، يقدمها الكاتب اللبناني توفيق يوسف عواد بأسلوبه المعتاد. الأسلوب السلس و الجميل.
فيقدم شخصيات مميزة و عميقة. فلا تجد الشخصيات المستعجَلة و الواهية التي تقدمها عادة معظم القصص القصيرة. كما أنه من خلال هذه القصص و أبطالها، يقدم الكاتب نقداً بناءً، ساخراً أحيانا، للمجتمع بمختلف أطيافه و عناصره.
"الصبي الأعرج" كتاب صغير بمحتوى كبير و عميق، يستحق القراءة.