"... لقد اخترنا عمداً أن نستعمل في عنوان هذا الكتاب مفهوم «التحديث» لا التجديد، إيماناً منّا بأنّ المسألة ليست في الدعوة إلى الجديد وتفضيله على القديم وفي الجري وراء التقليعات العابرة، فكم من قديم يتحدّى الزمن بصلاحيته، وكم من جديد معاصر لا فائدة فيه ولا نفع! ذلك أنّ القضية المطروحة بحدّة على الفكر الإسلامي في نظرنا هي مدى استجابته لمقتضيات الحداثة بكل تجلّياتها المادية والمعنوية، العلمية والتقنيّة كما الفكرية والفلسفية، علماً بأنّ هذه الاستجابة ضرورة ملحّة لا ترفاً ذهنيّاً. ... ولا بد من التأكيد على مشروعية تحديث الفكر الإسلامي. ويقيننا أنّ هذا التحديث مسؤولية ملقاة على عاتق المفكّرين المسلمين على اختلاف مشاربهم، وأنه لن ينجح إلا بوعيهم بأنّه عملية لا تحتمل الانتظار، وتتطلب تضافر الجهود وتقارع الآراء في كنف حرية التعبير، بعيداً عن التراشق بالتهم وعن الذهنية الوثوقية الإقصائية."
عبد المجيد الشرفي ولد في 23 يناير 1942 في صفاقس، هو جامعي تونسي مختص في الفكر والحضارة الإسلامية. هو أستاذ فخري في جامعة تونس، ويحاول تحليل النص القرآني من الداخل بنظرة وأدوات فكرية لرجل من القرن الحادي والعشرين.
رغم صغر الكتاب إلا إني أعده من الكتب التي أحترم فكرها حتى لو لم توافق فكري. أحب تلك الكتب التي تثير فضولي حول كل أفكارها حتى الهامشية منها. فعندما أقرأ لا أكون في حالةاستقبال المعلومة فقط بل أحب تلك التي تجعلني أقرأ وأحلل وأفسر وأبحث ثم أقتنع أو لا أقتنع. لذلك وعلى صغر حجمه أخذ مني حوالي الأربع ساعات حتى أنهيه. وامتلأت وريقاته بملاحضات وأسئلة والكثير من علامات التعجب!
يوجه الكاتب رسالة يطالب فيها تحديث -وليس تجديد- الفكر الأسلامي. أجده يركز على الفقة مع أنه يشمل تفسير الأيات والأحاديث وطرق استباط الأحكام منها. ويستثني علوم التوحيد من التحديث ويرى أنها ثابته لا تقبل الجدل. أعجبت بطريقة تفكير الشرفي ودعوته للتحديث كون الأصل في الفقة الإسلامي هو فهم النصوص الدينية ومن ثم استنباط الأحكام منها. وهذا الفهم للنص الثابت قد يختلف من شخص لآخر ومن زمن لآخر. فلم نضع أراء ظهرت قبل قرون موضع القرآن الثابت؟ ولم يتوجب على المسلم التقيد بمجموعة أسماء تفكر وتسنبط كل الأحكام عوضا عن أختياره لأراء صحيحة بغض النظر عن قائلها. مثال محدود: لا يعني كونك حنبليا أن تطبق كل ما أتى به الأمام أحمد بن حنبل. فهو أنسان بالنهاية قد يصيب ويخطيء، وقد تجد ضالتك عن مذهب آخر لا تتوقعه.
أغلب الأسئلة التي راودتني أجد بعض الحضور قد سألها للشرفي. أحيانا لم يكن يجيب على السؤال مباشرة أو يجمع 3 أسئلة مختلفة في جواب واحد. تنميت لو أن الكتاب رتب المحاضرة على شكل سؤال وجواب بدلا من الترتيب الزمني الذي حدث فعلا.
لدي الكثير من الملاحضات، أنتقي منها الأهم:
_ الكاتب لا يعتبر الأحاديث مرجعا لاستنباط الأحكام وذلك لإحتمالية تغير شكل النص كونه تنقل من لسان لآخر. بالإضافة لتشكيكه ببعض رواة الحديث كأبي هريرة. ويعتبر بعض الجهود المنقحة للأحاديث جهود تحكمت بها الظروف الزمانية والسياسية( القرن الثاني إلى الثالث). وأنه عبر العصور حتى عصرنا الحالي تم تجاهل المشككين والرافضين لتلك الأحاديث أو الطرق التي تم بها أختيار الصحيح منها( في القرون الثلاث التالية). الكاتب كان يستشهد في الغالب من كتابين.
قد يحوي هذا الكلام بعض الصحة. لكن، تناقل الكلام وحفظه خاصية أشتهر بها العرب أكثر من غيرهم. ولا أتحدث هنا عن الأمور الدينية فقط بل حتى في غيرها. والدليل أننا نجد الكثير من أبيات الشعر الجاهلية تناقلتها الأجيال عن طريق الحفظ لا الكتابة. وأعني بهذا الكلام، أن الطرق الحديثة التي تحفظ تناقل الحديث بنصه لقائله لا تصلح لأن تطبق في هذا المجال. والحل ليس باستبعاد الأحاديث كمرجع ديني. بالإضافة إلى أن جامعي الأحاديث الصحيحة في ذلك العصر كانوا أقرب للعهد النبوي من عصرنا الحالي. وأنهم أخضعوا الأحاديث لمعايير صارمة وقلصوا الالاف الأحاديث لما جمعها صحاحهم. لا أٌظهر بذلك تلك الكتب بمظهر المرجع الثابت لكنها بالتأكيد تحوي الكثير من الأحاديث الصحيحة والتي أعتبرها مرجع صحيح لي. و مالذي يثبت لي صحة نوايا وعقول المشككين الذي استشهد بهم؟ هم أيضا عاشوا في ظروف زمانية معينة غيرت نمط تفكيرهم.
- يحث الشرفي على النظر لنص القرآن دون النظر لأسباب النزول أو العوامل الإجتماعية للرسوال والصحابة في ذلك الزمن. في الوقت نفسه، أجده يحث على ضرورة النظر للتاريخ الإجتماعي للفقاء كي نفهم الصورة الكاملة للحكم. يا سلام! على العكس أنا أرى أن من أهم مقومات تحديث الفكر الإسلامي فهم الرؤية النفسية والإجتماعية والسياسية والتاريخية للمجتمع الإسلامي الأول. ومن ثم استخلاص المعاني والأحكام وتطبيقها على عصرنا الحالي بصورة تناسبه.
في النهاية لا أجده يقدم مفهوم واضح ومدروس لرؤية حديثة للإسلام.ومع أنه متزن الرؤية في كثير من الأحيان، إلا أنه يقع في بعض المواضع في مشكلة أسميها التفكير الدفاعي(وهو مصطلح من اختراعي على فكرة) معناه أن الشخص الذي يجد بعض السلبيات في أمر ما فأنه يرفض هذا الأمر بالكلية. فأجده يرفض فكرة تفقه جماعة من المسلمين في الدين ليفتوا للناس بسبب أخطاء وقع فيها بعض الفقهاء، ويستبدلها بالتفقه الفردي وأن الأنسان له حرية أتباع الطريق الذي يمليه عليه ضميره. وفي مواضع أخرى يحث على تحديث الفقة الإسلامي وتقنينه خوفا عليه من الضياع. الصورة غير واضحة تماما بالنسبة لي لكنه متوقع كون الكتاب مأخوذ من محاضرات
* الغلاف جميل (مرتب ويفتح النفس) والطباعة أكثر من رائعة على ورق جيد ولون أصفر لا يتعب العين. وقعت في غرام هذة الدار.
دعوة جادة و صارمة من الناحية العلمية و المعرفية لقراءة جانب من جوانب التراث و غربلته ،و للتفاعل مع مكنوناته خاصة المسكوت عنها أو " اللامفكر فيها " و مسائلة مركبات تاريخية و اجتماعية داخل منظومة تراثية اتسمت بالضخامة و الاجترار و الهوة ... دعوة لتفصيل و تفكيك مصادرات مؤسسة لبنى ثقافية و تاريخية ،و لإعادة النظر في جملة من العناصر و المعطيات و القوانين و التقنيات " خاصة ذات الطابع البشري -التاريخي " و التي تبقى في نهاية المطاف قابلة للخطئ أو للصواب ... اقتصرت هذه القراءة في الكتاب على مجالين من المنظومة التراثية و هما : الفقه و أصول الفقه ؛ ﻷنهما في حاجة أكثر من غيرهما إلى التحديث ( لا يعني القطيعة مع الماضي و لكن الاشتغال به و منه و تطلعات الحاضر ) عكس التجديد ( تجاوز القديم ) . وسبب اختيارهما يكمن في اعتبارهما مجال اشتغال و اهتمام القدماء و كذلك اليوم . يروم هذا التحديث إلى تحليل موضوعي لسنن الاجتماع حتى يتمكن من التأثير في مجرى اﻷمور بما يطمئن له ضمير المؤمن ،وكذلك تجاوز الهوة الشارخة بين الحكم (الذي اصبغ بنوع من القداسة من طرف الفقهاء ) و بين الواقع الذي يفرز معطيات غير ثابتة و متحولة ... و لن يتحقق هذا التحديث إلا بعقلية و وعي يبتعدان عن منطق التكفير و لغة اليقينيات المطلقة و المسلمات الجاهزة نحو منطق الحرية و النقد و التمحيص .