إن مهمة النقد الحضاري مهمة "سياسية" ترمي إلى الفعل في الواقع من خلال تغيير وعي الواقع، أي من خلال بلورة مفاهيم وصيغ فكرية تخلخل الخطاب السائد الذي يحجب الواقع ويموه حقيقته وتقيم بوجهه خطاباً مضاداً يكشف حقيقته ويحدد طرق ووسائل تغييرها. وكتاب هشام شرابي "النقد الحضاري لواقع المجتمع العربي المعاصر" يأتي في هذا الإطار، حيث يضم مقالات ومحاضرات وبحوثاً (بعضها مترجم عن الإنكليزية صدر أولها في مطلع الثمانينات وآخرها سنة 2000). يتناول فيها قضية اللغة وقضية المفاهيم التحليلية التي يتطلبها تكوين خطاب نقدي فعّال ينبثق من حوار فكري يقوم على تعدد المواقف والاتجاهات التقدمية ويسعى إلى رؤية واضحة المعالم تتجاوز الخلافات العقائدية والفلسفية ويتجسد في عملية فكرية تراكمية. ومن ناحية أخرى، يتناول قضايا وإشكاليات محددة ترتبط بصميم أزمة المجتمع العربي المعاصر، على الصعيد التحليلي النظري وعلى مستوى العمل الاجتماعي والتنظيم السياسي. والهدف المباشر من هذا البحث هو وضع إطار فكري يمكن من تحديد منهج تحليلي نقدي، يتناول المجتمع في بعديه التاريخي والاجتماعي، يمكن من خلال معالجة القضايا الكامنة وراء الأزمة الاجتماعية والفكرية والسياسية التي يعانيها المجتمع العربي اليوم.
Hisham Sharabi was Professor Emeritus of History and Umar al-Mukhtar Chair of Arab Culture at Georgetown University, where he was a specialist in European intellectual history and social thought. He died of cancer at the American University of Beirut hospital on January 13, 2005.
He spent his early years growing up in Jaffa, Palestine and Acre, Palestine before attending American University in Beirut, where he graduated with a B.A. in Philosophy. He then traveled to study at the University of Chicago, where he completed an M.A. in Philosophy in 1949.
Politically active from a young age, Sharabi then returned to serve as editor of the Syrian Social Nationalist Party’s monthly magazine “al-Jil al-Jadid” (The New Generation). Forced to flee to Jordan after the parties disbanding in 1949, Sharabi returned to the United States where he completed a Ph.D. in the history of culture, again at the University at Chicago. That same year, he began to teach at Georgetown University, where he gained full professorship in eleven years.
Dr. Sharabi, while an ardent supporter of Palestinian rights, was not beyond criticizing the Palestinian governing bodies. According to a story in the Washington Post[4]:"In 1999, after PLO Chairman Yasser Arafat ordered the arrests of 11 Palestinian academics who had accused his administration of 'tyranny and corruption,' Dr. Sharabi, along with Edward Said of Columbia University, signed a letter calling the arrests 'a totally unjustifiable attack on the freedom of expression.'" Nine of the lawmakers were immune from arrest, but two later accused the Palestinian police of attacking them.
He worked tirelessly to promote understanding of the Arab culture, establishing in 1973, along with several other colleagues, the Georgetown Center for Contemporary Arab Studies. In 1977, Georgetown University “awarded Dr. Sharabi the Umar Al-Mukhtar Chair in Arab Culture in recognition of his distinguished intellectual contributions and his efforts to promote Arab studies.” Dr. Sharabi formed, later that same year, the Jerusalem Fund for Education and Community Development, an organization that worked on educational, cultural and health issues of Palestinians.
He served as Chairman of Board until his death in 2005. In 1991, he formed what is now known as the Palestine Center, which serves as a think tank educating the general public on Palestinian Political Issues.
Author of 18 books and numerous articles and editorials, he is well respected as a foremost 20th-century Arab intellectual, contributing greatly to the study of Arabic culture[3]. Dr. Sharabi also published several books himself on Arabic culture and philosophy. "In honor of his work in both the European and Arab fields, the Department of history at Georgetown convened an international two-day symposium in 2002 titled ‘The Role of the Intellectual in Contemporary Political Life.’ Also named in his honor is the annual Hisham Sharabi graduate essay contest, begun by the Department's graduate students upon Dr. Sharabi's retirement in 1998.
يُعالج الكتاب الحركية الثقافية في الوطن العربي بنقدٍ موسّع، ومكثّف ونقدي لكثيرٍ من التيارات والأفكار الموجودة حول التقدم والنهضة والحداثة.. حيث يعالج في الفصل الأول منه، اللغة والأسلوب الذي يستخدمه المثقف أو المفكّر العربي التقدمي، سواءً في تعامله مع الجمهور، أو في تعامله مع التيارات المختلفة، وذلك من خلال تحديد كيفية القراءة الصحيحة، وكيفية توجيه الخطاب المُجدي في الواقع العربي. أما الفصل الثاني، فهو يحوي ثلاثة أجزاء، الأول هو نقد الفكر الاستشراقي الذي -في نظره- ينظر للمجتمع برؤية غير مُجدية وغير نافعة، ولا تتناسب مع واقع المجتمع العربي، وذلك بالطبع بنقدٍ وقراءة موسّعة جدًا لعدد من المستشرقين، والذين يختلفون في طرقهم في التعامل مع الواقع العربي، من المستشرق الذي ينظر للمجتمع العربي بنظرةٍ تفتقد إلى أدنى الثقافة العربية، إلى المستشرق الذي لديه اطلاع واسع جدًا في الواقع العربي. أما الثاني، فهو يجرّد المثقفين العرب والذين يحملون نفس التوجه في التعامل مع الواقع العربي، وهم الذين يشتركون في الرؤية التي ترى أنّ الواقع لا يُمكن التعامل معه إلا من خلال الاستقلال عن التراث وعن الغرب في الوقت ذاته، أو على الأقل لا يرون أنّ نموذجًا من هذين النموذجين -التراث أو الغرب- صالح للواقع العربي، بل يرون وجوب الاستقلال والإبداع، وذلك من خلال طرح فكر عدة من المفكرين مثل أدونيس والجابري وأركون والعروي وغيرهم من المفكرين الذين يشتركون في هذه الرؤية، رغم اختلافهم في بعض التفاصيل. وهو يطرحها ناقدًا وفي الوقت ذاته مؤيدًا لكثير من الأفكار. في محاولة نقديّة مميزة. أما الجزء الثالث من الفصل الثاني، فيتحدث عن الحركة النسائية، وارتباطها بمشروع النهضة أو بمشروع النقد الثقافي، وذلك من خلال طرح فكر أكثر من مفكرة يرى فيهن وضوحًا أكثر من غيرهن في الفكر النسوي كما يقول، مثل نوال السعداوي أو خالدة سعيد.. واللاتي يرين أنّ مشكلة المرأة هي مشكلة ثقافية وسياسية خالصة كما تقول نوال السعداوي، وهي لا تخص المرأة فقط، ولا يرين واقع المرأة العربية بالمنظور المثالي كما يراه أغلب المفكرين العرب، بتفصيل في هذه القضية. وفي الوقت ذاته، يربط شرابي قراءته لواقع المرأة العربية بقراءته لواقع المجتمع العربي والنقد الثقافي الذي هو بصدده. أما في الفصل الأخير، فيعالج هشام شرّابي مشكلة الحداثة وما بعد الحداثة وارتباطهما بالنقد الثقافي بشكلٍ مكثّف، حيث هو يحاول أن يفرّق بين النموذج الغربي والنموذج العربي، ويفرّق بين الواقعين، ويحاول أن يضع الحلول لمشكلة الحداثة وما بعد الحداثة، وفي الواقع العربي ما قبل الحداثة أيضًا.
((لهذه الطبعة فصل رابع يحتوي على مقالات في فترات متباعدة ليس جزءًا من الكتاب الأصلي، أضيفت لهذه الطبعة، لم أتطرّق لها.))
أظنّ أنّ الكتاب رائع، يستحقّ القراءة بكل تأكيد، وإن كان في بعض جوانبه ناقصًا رغم رؤيته الواسعة والتي تتضمن الأدب والفن في لمحةٍ رأيتها في إدوارد سعيد قبله، رغم عدم اهتمام الكثير من المفكرين بهذين العاملين المؤثرين بشكلٍ كبير في أيّ ثقافة، ولكن تميّز هنا شرابي بمعق الرؤية، وهو من المفكّرين المميزين بكلّ تأكيد.
يحتوي هذا الكتاب على تحليل جيد لوضع المجتمع العربي وتحدياته وقدراته لكنه في نفس الوقت لا يعرض إي حلول واقعية وممكنة. فالكاتب يسهب في التحليل ويكرر الكثير من الأفكار لكن دون جدوى حقيقية من مفكر بمكانته الأكاديمية والثقافية. كما أن الكتاب مليء بالتناقضات الفكرية ويقفز ما بين التشاؤم والتفاؤل بشكل يظهر تخابط الكاتب وعدم قدرته على السيطرة على مدى تعقيد القضية العربية والإسلامية.
من الانتقادات لدي للكتاب أنه يعطي وزن كبير للجالية العربية في أمريكا وأنها هي القادرة على إنقاذ الوضع العربي وهذاافتراض يتعارض مع الواقع الذي أثبت أن معظم المهاجرين هم هاربون من المشاكل المجتمعية العربية وقليلاً ما يعودون إلى البلاد للعمل على رفع سوية الوضع مثل الكاتب تماماً الذي بالرغم من انتمائه الظاهري للقضية العربية إلا أنه فضل العيش والموت في ربوع أمريكا وجامعة جورج تاون.