لم يثر أي فيلسوف على مر تاريخ الفكر الفلسفي ما أثاره ابن رشد من دويٌ: فما أكثر ما مجد بعد وفاته، وما أكثر ما هوجم، وكفر ابن رشد رسمياً في حياته وبعد ممتاته، في حياته من جانب علماء الكلام المسلمين، وبعد وفاته من جانب الكنيسة ورجالها. وكأنما كان على ابن رشد، حامل لواء العقلانية في العصور الوسطى، أن يتحمل وحده كل الهجوم الذي يثيره دائماً هذا الاتجاه في أي عصر يضع العقيدة الدينة في المرتبة الأولى، ويجعل دور العقل في خدة تلك العقيدة والدفاع عنها. ولم يكن ابن رشد، في حقيقة الأمر كما بينا، ملحداً كما صوره الكثيرون، بك كان فحسب صاحب عقلية تلتزم دائماً بالمنطق وتطالب بحقها في إخضاع كل شيء، باستثناء بعض العقائد الدينية، لحكم العقل.
وكان في إستطاعة العصور الوسطى المسيحية أن تتجاهله تماماً، لولا أنه كان أعظم شراح أرسطو ذلك الفيلسوف الذي أقبلت عليه هذه العصور إقبالاً عظيماً على يد مفكريها سواء كانوا علماء لاهوت أم فلاسفة. لقد فعل ابن رشد لأرسطو ما لم يفعله المؤلفون المسلمون إلا للقرآن، فبدا في معظم الأحيان وكأنه يريد التفكير لحساب أرسطو أكثر مما يريد أن يفكر لحسابه، مما جعل فلسفته تمثل عودة للأرسطية الأصلية ورد فعل ضد الفلسفة الأفلاطونية المحدثة.
من الكتب التي فعلاً استمتعت بقرائتها، والتي تبعث في النفس السمو والأمل والإعتزاز أكثر بالمكنون الثقافي لدينا.
تشرح المؤلفه بالتفصيل المسهب كيف كان عمل ابن رشد مدوي و ذو مكانة علمية فلسفية في العصور الوسطى، والتي حاول فيمن حاول طمس هذه الحقائق أو التقليل من جهد ابن رشد في شرح كتاب ارسطو (المعلم الأول)، مروراً بإصدار قرار كنسي بتحريم تدريس مؤلفات ابن رشد.
تقول المؤلفه ما نصه " أن دخلو أرسطو ومعه ابن رشد في أوربا المسيحية خلق ثلاثة تيارات فكرية. التيار الأول هو تيار الأوغسطينيين ذو النزعة الأفلاطونية الجديدة... والتيار الثاني فهو التيار الذي أخذ بالأرسطية في شكلها الرشدي والذي فصل بين مجالي الفلسفة واللاهوت...والتيار الثالث فهو الذي يحاول التوفيق بين أرسطو وبين العقيدة، مؤمناً بأن أرسطو يحمل في طيات فلسفته آفاقاً كثيرة ومثمرة للفكر حتى في شطره اللاهوتي بيحث يمكن الاستفادة منه."
لماذا كان لابن رشد هذا الشأن العظيم، وهذا الأثر القوي الممتد عبر القرون ؟ وهذا ما يحاول هذا الكتاب الجواب عليه في طياته.