يعيش الكاتب العربي غربات عديدة، داخل الوطن وخارجه. هذه التجربة عاشها حليم بركات إنساناً ومثقّفاً. وجمعته صداقة حميمة بمثقّفين وكتّاب في المنفى. يتناول الكتاب تأثيرات الغربة في شعر أدونيس، وفي فكر هشام شرابي وإدوارد سعيد، وفي روايات جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف والطيب صالح، وفي مسرح سعد ونوس، وفي لوحات مروان قصاب باشي.
حليم بركات عالم اجتماع وأستاذ جامعي. حائز دكتوراه في علم النفس الاجتماعي من جامعة ميتشيغن في الولايات المتحدة.ترجمت بعض مؤلّفاته إلى الفرنسية والإنكليزية والألمانية واليابانية. صدر له في الرواية عن دار الساقي "المدينة الملوّنة".
عالم اجتماع واستاذ جامعي وروائي سوري. ولد في الكفرون في سورية عام 1933 توفي والده عندما كان بسن العاشرة فانتقلت عائلته للعيش في بيروت حيث نشأ. عملت أمه وكافحت لتعيل العائلة وتعلم أبناءها. حصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير في علم الاجتماع من الجامعة الاميركية في بيروت ثم دكتوراه في علم النفس الاجتماعي من جامعة متشغن في الولايات المتحدة ( آن آربور) 1966 . له العديد من المؤلفات والمقالات المنشورة.
رواياته القمم الخضراء (1956) الصمت والمطر (1958) ستة أيام (1961) عودة الطائر إلى البحر (1969) الرحيل بين السهم والوتر (1979) طائر الحوم (1988) إنانة والنهر (1995) المدينة الملونة (2006)
دراساته النازحون: نفي واقتلاع (1968) المجتمع العربي المعاصر (1984) حرب الخليج (1992) المجتمع العربي في القرن العشرين (1999) المجتمع المدني في القرن العشرين (2000) الهوية أزمة الحداثة والوعي التقليدي (2004) الاغتراب في الثقافة العربي (2006)
تطرّق إلى أنواع العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، أو المثقف والسلطة. فيقول مبتدئًا حديثه:
يمكننا، كما أرى، أن نميز العلاقات والمواقف التالية على الأقل:
(1) علاقة اللامبالاة: قد تسود في مجتمع ما علاقة اللا علاقة بين الكاتب والسلطة. في هذه الحالة لا تهتم السلطة بالكاتب، ولا يبدو أن الكاتب يقوم بمحاولات جادة لردم الهوة الفاصلة بينه وبين السلطة أو حتى لإقامة جسر بينه وبينها، فتقتصر علاقتهما على النواحي الثانوية وبطريقة غير مباشرة.
[…] يتمثل هذا النوع من العلاقة إلى حد بعيد بموقف الدولة اللبنانية من الكتابة ويتجاوب الكاتب اللبناني مع هذا الموقف. لا تهتم السلطات اللبنانية بشؤون الكتابة وقضاياها ولا تتأثد بها، ولا تتدخل بشؤونها. ويشعر الكاتب نتيجة ذلك أن بإمكانه أن يعبر عن آرائه بحرية ودون أي ضغط مصطنع. المجال فسيح أمامه للتحدث حول القضايا التي يريد. وإذا ما تدخلت السلطة بشؤونه يكون ذلك بضغط من إرادة خارج إرادتها. في الحالات القليلة التي تعرضت فيها الدولة اللبنانية للمفكرين أو لإنتاجهم، كما حدث تجاه (عبدالله القصيمي) و(صادق العظم) و(ليلى بعلبكي)، لم تكن الدولة هي المبتدئة بل إنها فعلت ذلك بضغط من فئات داخلية وخارجية يصعب على الدولة أن تغضبها.
بعد ذلك ينتقل (حليم بركات) إلى النوع الثاني من العلاقة:
(2) علاقة الاضطهاد: هذه العلاقة هي عكس علاقة اللامبالاة في كثير من اتجاهاتها ومناحي تصرفها. إنها علاقة تصادم بين الكتّاب والسلطة تجعل هذه الأخيرة تلجأ إلى ممارسة الاضطهاد عن طريق السجن والنفي ومراقبة الكتاب والمجلات والصحف ومنع الأفكار التي تتعرض مع أفكار الدولة.
[…] وإنني أميل إلى الاعتقاد أن الاضطهاد، ولا سيما ذلك النوع العنيف المباشر، يمارس في الدول العربية الرجعية أكثر مما يمارس في الدول العربية التقدمية التي تلجأ إلى الاضطهاد غير المباشر وإلى الوصاية كما سنرى في القسم اللاحق من هذه الدراسة. إن الدول الرجعية أكثر ميلًا إلى استعمال الاضطهاد المباشر لأسباب عديدة من أهمها أن هذه الدول أقل قدرة على كسب تأييد المفكرين من الدول التقدمية. والسبب الأهم هو كون المفكرين أكثر الفئات إمكانية على التحرر من مصالح الطبقات التي ينتمون إليها وأشدها رغبة في تغيير المجتمع ومساندة الحركات اليسارية.
وفي حديثه عن هذا الشكل من العلاقة، ذكر نقطة مهمة:
من مميزات الكتابة في الدول العربية المحافظة، وخاصة في العراق في الخمسينات، أن الكتّاب يلجؤون إلى الرمز في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويميلون إلى تأليه الشعب والكتابة عن آلامه وحرمانه. لذلك بلغ أدب العراق في تلك الفترة درجة فنية رفيعة، وليس صدفة أن الشعر العربي الحديث انطلق بزخم من أرض العراق على أيدي أدباء عانوا الاضطهاد كـ(بدر شاكر السياب) و(عبدالوهاب البياتي) و(بلند الحيدري).
ثم ينتقل إلى النوع الثالث من العلاقات، والذي تمت الإشارة إليه مسبقًا:
(3) علاقة الوصاية: فيما تمارس الدول العربية الرجعية الاضطهاد، تمارس الدول العربية التقدمية الوصاية إزاء معظم الكتّاب وخاصة أولئك الذين يؤيدونها أو يشاركونها في أهدافها كما تمارس الاضطهاد في حالات نادرة إزاء الكتّاب الذين يناهضونها والذين ينتمون إلى أحزاب تعمل سرًا لتعديل الحكم أو تقويضه. لكن الطابع العام للعلاقة القائمة في الدول العربية التقدمية كمصر وسوريا والجزائر والعراق، هو طابع الوصاية.
[…] طبعًا، لم تتمكن الدول العربية التقدمية من أن تقيم وصايتها على جميع الكتّاب فيها. هناك الذين اختاروا النفي إلى الخارج، والذين اختاروا العزلة في الداخل ناذرين أنفسهم لفنّهم، والذين اختاروا الصمت والموت البطيء، والذين اختاروا أن يناهضوا السلطة والاتجاهات السائدة سرًا فكان مصير بعضهم الاضطهاد المباشر العنيف واللامباشر النفسي.
وأخيرًا، يتحدث عن الشكل الأخير للعلاقة، فيقول:
(4) علاقة المشاركة: هناك أخيرًا علاقة المشاركة الحرة التي يمارس فيها الكاتب دوره الفعال في تقرير مصير المجتمع وفي إنماء طاقاته الفنية دون رهبة من قصاص أو اعتداء على حقوقه المدنية. قد يتعاون الكاتب مع الدولة دونما إلزام خارجي، وقد ينقدها ويكشف تناقضاتها دون أن يتعرض للاضطهاد. هناك، بكلام آخر، مناخ عام يساعد على قيام حوار حر دائم بين السلطة والكاتب. والدولة ليست لا مبالية تجاه الثقافة والفكر، بل ترى من مهماتها الأساسية رفع مستوى الثقافة العامة ونشر العلم ومساعدته عن طريق توفير المدارس والجامعات ومؤسسات الأبحاث وتسهيل التبادل الثقافي مع المجتمعات الأخرى. كذلك ترى من واجباتها توفير مجالات الاتصال الدائم بالتيارات الفكرية والاستفادة من آرائها، والمحافظة على حقوق المفكرين وحريتهم أكانوا مؤيدين أم معارضين.
هذا الكتاب يحمل بين طياته صفعات أيقظتني لوضعنا في عالمنا العربي من الناحية السياسية و الثقافية و الإجتماعية مجهود جبار قام به الكاتب بالرصد الدقيق لطبيعة الوضع في عالمنا من منظور عالم اجتماعي و مثقف عربي لكن عنوان و غلاف هذا الكتاب كان مضلل بالنسبة لي. اقتنيت هذا الكتاب بنية معرفة المزيد عن تأثير الغربة على انتاج المثقفين العرب مثل إدوارد سعيد و الطيب صالح. لكنني فوجئت بمناقشة سطحيه للشخصيات المتواجدة على الغلاف و الانغماس بوجهة نظره كعالم اجتماعي في جوانب كثيره بالوطن العربي كقمع الحريات و التعبير عن الرأي و تأثير الأحزاب و الجماعات على انتاجية المواطن العربي و علاقتنا مع الغرب و تأثيرهم فينا و علينا. الكتاب جميل و مادة ثقيلة و دسمة استغرقت مني حوالي الشهر و النصف لقراءتها. شكراً جزيلاً للأستاذ حليم بركات على هذا المجهود الرائع و المؤلم في نفس الوقت.
.. .. غربة الكاتب العربي .. . . يا للروعة ! ما أجمل أن تكون محاطا بهذه الكوكبة المضيئة من الأصدقاء .. أدونيس ..جبراإبراهيم جبرا .. عبدالرحمن منيف ، مروان باشي ..إدوارد سعيد هشام شرابي .. كانوا أصدقاء في المنفى و الغربة و القضية .. . . هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات و الدراسات التي تبحث في أسباب غربة الكاتب العربي و علاقتها بالإبداع .. للكاتب حليم بركات .. الذي تناول في كتابه هذا مسيرة أصدقائه من الكتاب و المفكرين .. بلغة يمتزج بها جمال " الذاتي " و " الموضوعي " .. . .
تحدّث حليم بركات في كتابه عن لقائه بـ مروان قصّاب باشي .. يقول:
* ويقول لنا إنّه واجه بعد ذلك صعوبات في عملية الخلق كما في مسيرة الحياة ومارس في مختلف الحالات لعبة الخفاء والتجلّي التي شكّلت لديه حالة اكتشاف بالعودة إلى جذور تراثه، وهي حالة بحث أدّت إلى الوصول إلى مايسمّيه الجوهري. * وهذا ماذكّرني بأنني انشغلت بتحليل مسألة علاقة الرواية بالفنون التشكيليّة من خلال تحارب البحث الذاتي في عملية الإبداع وتوصّلت إلى وجود علاقة غامضة لابدّ من التعمق في تحليلها والتعرّف إلى أسرارها الخفيّة بل اكتشفت أن اهتمامي هذا يعود إلى زمن بعيد في نشأتي الفنيّة. وربّما بدأ بزيارة منذ نصف قرن لقرية راشانا بصحبة أدونيس للتعرف إلى منحوتات ميشال بصبوص، ((شعرت برهبة وفرح أمام ماأبدعته يدا ميشال بصبوص. إنه يخلق صورة جديدة للعالم. في تماثيله يتحقق العالم من جديد. هذا ماشعرنا به ونحن في راشانا-القرية التي حوّلها ميشال بصبوص إلى هيكل للفن. قال يجب أن معود إلى الطبيعة حيث نشعر بوجودنا، واكتفى بوصف تماثيله أن لاأسماء لها وبلا موضوعات. ولكنّها ليست مجرّد أشكال فنية فقد رأيت فيها إضافة إلى تجربة محاولة إعادة خلق العالم من جديد أنها حركة حيوية وتعبير عن الذّات في بحثها الذي لاحدود له. عندما تنظر إلى الأسد الأشوري، يقول بصبوص، تحسّ أنه يتوثّب. لذلك لابد أن نعود إلى تراثنا، إلى ماقبل الكلاسيكية في الغرب، إلى منابع الحركة الحديثة، وعندما أعود للمنحوتات السومريّة والبابلية إحسّ أنني قريب من واقعي المفقود. إنها عودة إلى الطبيعة والجذور)) وفاتني أن أذكر في حديثنا مع بصبوص أنه كان قد انتهى من نحت تمثال لامرأة أحبت طائرًا. وبعد تعرّفي إلى مروان، وجدت نفسي أبحث عن عبارة وردت في روايتي -طائر الحوم-(١٩٨٨) قد تعبّر عن تجربة مروان وتجربتي الشخصية معًا كما تشير إلى علاقة غامضة بين الرسم والرواية.
"أحببت شجرة الصفصاف ليس لأنها تبكي وتهبط دموعها إلى النّهر فتحدث دوائر تتلاشى بعضها في بعض. وليس فقط لأنّ رؤوس أغصانها المتدليّة ترسم أعينًا متتابعة على سطح الماء كلّما حركها الهواء. أحبّ شجرة الصفصاف لأنّها تنكفئ على ذاتها وجذورها. كلّما كبرتُ في العمر، انحنت أغصاني نحو جذوري،،*
الأشياء نسبية , المقاييس متغيرة مكانا و زمانا فلا متكأ , لذا ينطبع الجيل الحاضر إلى حد ما بالشك و الحيرة والغربة واللاخلاص ---------------------------------------------------------
الكاتب العربي غير راض عن العالم حوله و في خلاف مع الخارج يعيش مصير الآخرين لكنه غريب و ضائع و مفصول , إنه في حيرة لا تجاه الضوء في العالم فحسب بل اتجاه وضعه هو بالذات , رغم ذلك أو ربما من أجل ذلك يرفض و هو يتغنى بالرفض في معظم كلماته حتى ليصبح الرفض فردوسه المطلق في عالم نسبي ---------------------------------------------------------
إننا نتكلم لغة لم نصنعها و نستعمل أدوات لم نخترعها , ما نقول او نأكل أو نلبس أو ما نحب و نكره عموماً هو استمرار للتراث حتى وان تناقض معه في مناح عدة ---------------------------------------------------------
تبدل مفهوم الجريمة والعقاب في العصر الحاضر فلم نعد نكتفي بالقول ان المجتمع هو ضحية المجرم بل نضيف الى ذلك القول بأن المجرم هو أيضا ضحية المجتمع كلاهما ضحية الآخر ---------------------------------------------------------
الطوفان تعبير و رمز عن المفهوم الديني للخطيئة , إنه وسيلة انتقامية تلجأ إليها الآلهة بغية قصاص الآخر والتخلص منه بدل إنقاذه و إصلاحه ---------------------------------------------------------
يبدو ان معظم الذين خدموا الحضارة الإنسانية و فتحوا أمامها آفاقاً جديدة هم ممن عانوا الغربة و القلق و بالتالي الرفض ---------------------------------------------------------
الشاعر يتقدم نحو المستقبل و يعبر وجوه الناس في مناخ الحروف الجديدة فهو فارس الكلمات الغريبة التي لم تألفها الاسماع و العقول والقلوب , و في الطرف الآخر من النهار يبدأ تاريخه وتاريخ بلاده فثمة حاجة لان يولد شيء ما , فكرة التجديد تلاحقة كظله في أرضنا المشمسة ---------------------------------------------------------
الشاعر يقطن عالم الالتقاء بين الواقع و الحلم كونه لا يستطيع ان يهرب من الآخر لا يعني انه مستسلم للواقع , بل كثيراً ما يصدمه الواقع فيجده مريراً كما لم ينتظر في حياته كلها ---------------------------------------------------------
هل تحزن إذ قلت لك إنني ضائع في هذه اللحظة ؟ او لعلك تفرح ؟ لانك آنئذ تلتقي معي في الضياع و لقاء الضياع هو الهنيهة التي تقبض فيها على الحياة ... أدعو لك بمزيد من الضياع .. إن تاريخا كاملاً من الحضور تمحوه لمحة من الضياع , ما اشد سطوة السلب و ما أضعف الإيجاب .. تبني و تبني و تبني و تبقى غريباُ في زبد الضياع , و المأساة هي انك في البناء قلما تحس في تفردك بأنك أنت , أنت وأنك في الضياع تشعر شعوراً مليئاً أنك وحدك في جهة غريباً صلد الوجود كالحجرة , حياً و أن العالم كله في جهة أخرى كتلة و جثة – أدونيس - ---------------------------------------------------------
كأنما القصيدة لا تكتب إلا حين تكون هدنة و يكون سلام في وطن الأعماق والمشاعر ---------------------------------------------------------
هناك ثلاثة أسباب رئيسية تفسر أسباب ضعف المجتمع العربي المعاصر وعدم قدرته على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية و هي قمع شخصية الفرد و التفسخ الاجتماعي والسياسي و سيطرة نزعة ردات الفعل العاطفية على حساب التخطيط العقلاني – هشام شرابي – ---------------------------------------------------------
مادام نظام الدولة و تركيب الحكم ووضع المجتمع قائماً على أسس غير تلك التي تؤمن المستوى الأدنى الذي من ضمنه يمكن للمواطن العيش الحر المطمئن لا يمكن لقيم الحياة العليا ان تجد مكانا عندنا او ان نتوفق بالفعل الى إقامة مدنية إنسانية حقة كالتي نتوق اليها اليوم – هشام شرابي – ---------------------------------------------------------
أدركت أن الخطوة الأولى إلى التحرير تكمن في التحرير الذاتي وان بداية التحرير تكمن في التخلص من عبودية الفكر المسيطر – هشام شرابي – ---------------------------------------------------------
تغير العالم في الثلاثين أو الأربعين و لم نتغير نحن : لم نتغير في أسلوب تفكيرنا ولا في نظام علاقاتنا الاجتماعية و السياسية ولا في طريقة ممارستنا التي ما زالت مرتبطة بالقيم العشائرية و العائلية والاهداف الدينية و الغيبية فأضعنا فرص لم تتح كما اتيحت لنا لأي مجتمع في التاريخ لتغير مجتمعنا و تجاوز تخلفنا الاقتصادي والسياسي و الثقافي – هشام شرابي – ---------------------------------------------------------
هل يمكن الفصل بين الكاتب و الكتابة ؟ و إذا لم يكن من الممكن الفصل بينهما فهل يجوز ان نعتبرهما وحدا نتيجة لعملية متواصلة من الاندماج الكلي ؟ و إذا لم يكن من الممكن الفصل أو الدمج , فكيف نفهم العلاقة بين الكاتب والكتابة كتعبير عن الذات و بين الذات والواقع في مختلف أبعاده ؟ أليست الكتابة عملية خلق وإنتاج في آن واحد ؟ ---------------------------------------------------------
من مهمات الكاتب في عمليتي الاستكشاف و بناء الشخصيات ان يتناول العصر و المجتمع تناولا نقديا على ان تتوافر فيه عناصر الشمول و العمق و خصوصاً ان الغضب هو سمة هذا العصر لما فيه من صراع محتدم بين الخير والشر و المحل والخصب والواحد و الجماعة والانسان و الآلهة . أما الشكل فليس مجرد قالب بل هو الخارج والداخل في ترابط و تماسك و تعاكس يتجلى من خلالها اتقان الصياغة الروائية ---------------------------------------------------------
ولكن حبي لك يا سليم ليس تاماً ولا حبي لك يا أنور , فانت يا سليم تعبدني دون أن تعرف حقيقتي و تستعد لان تغفر لي كل نقيصة ما دمت ابادلك الحب و انت يا أنور لا تحاول أن تعرف حقيقتي فتلبسني أثواباً من خيالك و تحب فتاة من خلقك وابداعك بدلا مني و كلاكما مخطىء – جبرا إبراهيم جبرا – ---------------------------------------------------------
وجدت أنني لست معجباً الا بكل ما هو بعيد عني , إنني معجب بالاشياء التي لا أعرفها و لا تمت إلي بصلة فكيف أكتب عنها ؟ أما الأشياء التي أعرفها و اختبرتها بحسي .. فلا أجد فيها الا الخيبة و المهانة – جبرا إبراهيم جبرا – ---------------------------------------------------------
لا فرق بين الهوس بالماضي او بالحاضر فكلاهما يمثلان هربا من الواقع من نوع ما أو غيره كالابتعاد عنه او الانسحاب منه او الغوص فيه حتى الغرق , كما يقود الهوس بالماضي الى العيش خارج التاريخ كذلك يقود الهوس بالحاضر الى نوع من محدودية الرؤية و إذا ما حدث هوس بالمستقبل يكون ذلك من موقع مثالي لا علاقة له بالمواقع المعيش سوى من حيث الإحباط , لذلك لم تعد وجوه الناس تسجل إحساسا بالسعادة او الشقاء فاما نقبل الحياة كما هي دون تساؤل او نصاب بالجنون ---------------------------------------------------------
إننا نبقى رغم أنوفنا إنه بقاء سالب منفعل تعودنا أن نرضى به و ليس هو نتيجة لفعل منا , الحياة رغم كل هذه الفوضى الظاهرة نظمت المجتمع بشكل شامل هائل بحيث اصبحنا قادرين على العيش عيشة آلية – وديع عساف – ---------------------------------------------------------
نكذب , نؤجل أعمال اليوم للغد نضرب زوجاتنا , ننام بعد الظهر , نطيع القوادين والسماسرة والمشعوذين , إن الحديث عن بلادنا يولد في نفسي حزناً .. إن حياتنا تافهة و تحتاج ان تمر , أن تحرق , أكره طريق الحياة والعلاقات في بلادنا ولن تزول هذه الا بثورة تحرق كل شيء – عبدالرحمن منيف – ---------------------------------------------------------
الغموض الخلاق ليس مغلقاً يحجب الرؤية و يعرقل الفهم ويمنع التواصل وانما هو منفتح وشفاف وايجابي يعمل على اثارة المخيلة والتعبير عن الذات في سبيل تجاوز اغترابنا عن طريق حصول وعي جديد و العمل على إعادة صياغة الواقع بحيث يصبح اكثر تجاوباً مع احلامنا ---------------------------------------------------------
بدأت اميز بين كتابة الذاكرة التي تكرر الأفكار والمشاعر بقوالب و صور و تراكيب متوارثة و الكتابة النابعة من معاناة خاصة و المعبرة بصدق عن تجارب الانسان المتميزة انطلاقا من الواقع المعيش داخل الذات و خارجها وباتصال وثيق مع الآخر والمجتمع و قضاياه الكبرى ---------------------------------------------------------
يجب على العمل الفني ان يكون ضروريا وفريداً و ان يحمل ضمير صاحبه – مروان قصاب باشي – ---------------------------------------------------------
تعلمت أن انفتح على اقسى التجارب كي اعيد صوغ نفسي بقدر ما استطعت – مروان قصاب باشي – ---------------------------------------------------------
هناك نوعان للكتابة لا ثالث لهما : الفن للفن و كتابة الفن للحياة , أولهما سلبي وثانيهما إيجابي ---------------------------------------------------------
هناك أدباء ينعون على الدولة إهمالها للأدب فهم يريدون منها أن تشجعهم بابتياع قسم من نتاج اقلامهم او باسناد وظيفة إليهم او بتسخير ابواق الدولة للإشادة بمواهبهم , لقد ساء ما يبتغون فهم من حيث لا يعلمون يبتغون الرق لأقلامهم , فالدولة ما عدت كونها هيئة مؤلفة من رجال ذوي أغراض و مطامع , و حتى لو تنزه كل رجال الدولة عن الأغراض والمطامع الشخصية بقيت للدولة أغراضها و مطامعها – ميخائيل نعيمة – ---------------------------------------------------------
بإمكان المفكر أن يغير رأيه لانه قادر على ان يختبر في الوقت ذاته جوانب عدة و متناقضة من مشكلات عصره , إن تعرضه لأوجه مختلفة من المشكلة يجعله اقل اندفاعا في محالفة طبقته من الشخص الذي يرتكز تفكيره و اختياره على أوجه قليلة و مختارة من المشكلة ذاتها ---------------------------------------------------------
ان المفكر الحديث لا يقصد ان يقيم تصالحا او يتجاهل وجهات النظر المختلفة .. بل هو يبحث عن الازمات و يشترك في قطبيات مجتمعه , ان المفكر الحديث دينامي الاتجاه و هو على استعداد لتعديل وجهات نظره و ان يبدأ من جديد لانه يملك أشياء قليلة وراءه و كل شيء امامه ---------------------------------------------------------
الأدب المهم هو الأدب الذي يتناول القضايا العامة من خلال القضايا الخاصة أي كما نعانيها – والعكس صحيح , هنا تنهار الحواجز بين القضايا العامة والخاصة و هنا قد يتفوق الفن حتى على العلم لانه اكثر قدرة على هدم هذه الحواجز , بكلام آخر بينما يحاول الفن هدم الحواجز بين القضايا الخاصة و العامة عن طريق المعاناة الذاتية يحاول العلم ان يضع حواجز بين هذه النوعين عن طريق الدعوة إلى التحرر من الذاتية ---------------------------------------------------------
اننا نواجه تحدياً كبيراً يهدد أصول وجودنا ويجعلنا مضطرين لان نختار بسرعة بين ان نستجيب لهذا التحدي و نواجهه بكل قوانا و بين ان نتجاهله و نستمر في السير وراء التاريخ بدل ان نسهم بنحو مباشر في صنعه و من خلال استجابتنا لهذا التحدي و ممارسة الكفاح سنجد انفسنا رضينا أو ابينا نتساءل حول القيم و المبادئ والمؤسسات السائد في مجتمعنا العربي فننقدها ونأخذ ما يلائم كفاحنا و نرفض ما يعوقه ---------------------------------------------------------
ان مشكلة العربي الأساسية في الزمن الحاضر هي انه لا يتمكن من مواجهة الخارج دون ان يتحرر من الداخل و يصعب عليه التحرر من الداخل دون مواجهة الخارج ---------------------------------------------------------
ان المثقفين هم من يمارسون في الدرجة الأولى نشاطات فكرية فينشغلون بالبحث و الابداع والشرح و التعليم والنشر والتعبير و صياغة الرموز لغايات قصوى تشمل الفهم و المعرفة و الوعي والتخطيط والعمل ---------------------------------------------------------
الابداع هو انتاج اعمال جديدة لا شبيه لها في السابق بسبب حصول رؤية متفردة للعلاقات بين الأشياء او الكائنات لم يرها احد من قبل ---------------------------------------------------------
المبدع يملك قدرة عقلية خاصة على الاستفادة من تجاربه الواعية و غير الواعية باختيار مشاعره و أفكاره و تنظيمها و تكثيفها و صياغتها افكاراً ونتاجاً جديداً ---------------------------------------------------------
من شروط الابداع الهاجس الإنساني و الاهتمام بقضايا المجتمع و التعمق في فهم الواقع و المشاركة في المعاناة العامة و المساهمة في تغير الواقع بدلاً من التكيف معه ---------------------------------------------------------
ان مهمات التغير تقتضي العمل على تجاوز حالة الاغتراب التي نعانيها على صعيد الافراد والجماعات و المجتمع فنعمل على تنشيط المجتمع المدني عن طريق مشاركة الشعب كافة دون تمييز مشاركة حرة وفعالة في الحياة الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية و الثقافية ---------------------------------------------------------
ان الاختلاف بين الفكر الملتزم و الفكر غير الملتزم ليس خلافا بين الاعتدال والتعقل من جهة و بين التطرف والتهور من جهة أخرى , بل هو في الأساس خلاف بين الالتزام بقضية التغير ضد التزام مضاد بإبقاء النظام القائم او مجرد إصلاحه شكلياً ---------------------------------------------------------
تتصف الثقافة السائدة في المجتمع العربي بالغيبية والسلفية والتقليدية و هي كثيراً ما تستعمل الدين كأداة سيطرة و هيمنة أو كأداة تحريض أو كأداة مصالحة مع واقع مرير و قد تتصف الثقافة السائدة في بعض البلدان العربية بالتوفيق بين الغيبية العربية والليبرالية الغربية ---------------------------------------------------------
اخطر ما نواجهه نظرتنا الى انفسنا و الاتجاهات التي تتبعها الأنظمة العربية تزيد من كمية الرعب اذ تؤكد اننا لا نملك القدرة , تقنعنا باختيار طرق السلامة دون ان تهتم بصحتنا النفسية , تربي فينا عقدة النقص و تسلبنا ثقتنا بانفسنا و تحرمنا من نعمة البطولة من النمو و صنع التاريخ وخلق المستقبل ---------------------------------------------------------
الكتاب في بدايته تناول ما فعلته الغربة بالمثقفين العرب كأدونيس وهشام شرابي وجبرا إبراهيم جبرا وعبدالرحمن منيف وإدوارد سعيد والطيب صالح وجبران خليل جبران وسعد الله ونوس ومروان قصاب باشي كلٌ في مجاله سواء في الشعر أو الفكر أو الرواية أو المسرح أو اللوحة ، أما النصف الآخر من الكتاب فكان مجموعة من المقالات والدراسات التي سبق نشرها في عدد من الصحف والمجلات أو إلقائها في ندوات كعلاقة الكاتب العربي بالسلطة وعرض فيه نماذج من آراء الكتاب كميخائيل نعيمة الذي يرى أن العلاقة المثلى بين الأدب والدولة هي ألا تكون هناك علاقة ، أيضاً تحدث في أحد المقالات عن هيمنة الدولة على المجتمع والشعب وكيف أن الدول العربية أصبحت دولاً أمنية ، كما تناول مستقبل المجتمع العربي والقضية الفلسطينية وغيرها . شخصياً أرى بأن الكتاب ثري في نصفه الثاني وهو في مجمله جيد غير أن المؤلف أقحم مؤلفاته في الكتاب وتحدث عنها إلى درجة وصلت لتحليلها .
ختاماً : _ " مهما قيل عن قسوة النفي خارج الوطن فإن النفي في الداخل أكثر قسوة لأنه أكثر تدميراً في عمق أعماقنا " . _ " الذي يعيش منا في الخارج يحسد من في الداخل ، ومن في الداخل يحسد من في الخارج " .
بعد زمن .. قررت الكتابة عنه . هذا الكتاب لن يحبه إلا من كان مهتما بتحليل النص . "حليم بركات " عالم الإجتماع ..وصديق لكل من منيف ..وجبرا ..وادورد سعيد ..وسعد الله ونوس ..وغيرهم . "حليم" الوحيد فيهم الذي مازال على قيد الحياة "الله يحفظه:)" .. كلما زاد عمرك زادت فرصة مشاهدتك للفقدان أكثر . في هذا الكتاب يكتب "بركات" عن كل صديق له ويخص لكل صديق فصل ، كيف تعارف والفراق ..ثم يحلل تأثير المنفى على اسلوب الكتابة لكل منهم . وذكر ايضا كتاب غيرهم وتأثير المنفى عليهم . الكتاب يشبه "لوعة الغياب "و "ذاكرة المستقبل " بالفكرة .. لكنه مختلف حيث أن بركات طبق علم الإجتماع على هذا الكتاب . النصيحة التي أقولها لكل من يقرأ هذا الكتاب .. لا تكون سريعا معه ..خذ وقتك معه ..شهر ..شهرين .. إذا كنت تحب الإطلاع على ادق التفاصيل .. والتفاصيل بعض الأحيان مملة وتحتاج صبر .
ليس مجرد كتاباً، بل هو بمثابة دراسة اجتماعية وافية، تسلط الضوء على ابعاد نفسية، اجتماعية، وسياسية أحياناً على الكتاب العرب. أتعجب من كمية المعلومات القيمة بداخله، وأتسائل بيني ونفسي، كم من الوقت والمجهود والإرهاق الذهني والنفسي استغرقه هذا الرجل، ليخرج لنا بمثل هذا الكتاب!! كتاب عظيم يوصى بقراءته ..