وفيه يطلق محفوظ رصاصة الرحمة على ثلاثيته الخالدة , وفيه تُذرف الدموع كما لم تُذرف من قبل , وكأن محفوظ يعاقبنا على نعمة القراءة له , فيقول لنا ويخاطبنا : ألا أيها القارئ فلتعلم : إني أقدر على إسعادك وحزنك , وأن في استطاعتي أضحكك و أبكيك , وأن للقلم سلطة وأن لمن البيان لسحر.
إميل سيوران له مقوله بيقول فيها : “على الكتاب الحقيقي أن يُحرٍّك الجراح، بل عليه أن يتسبّب فيها. على الكتاب أن يُشكِّل خطراً.” كأنه بيتكلم فيها على أدب محفوظ وفنه و ابداعه منقطع النظير .
الحزن القاتم الأليم , و المشاعر الانسانية الجيّاشة , والعواطف الصادقة التي تصل للقلب مباشرة .
الدنيا : بخيرها وشرها , وأفعالها ودروسها المؤلمة.
الدنيا : نصول فيها ونجول ولكن في النهاية تأبى إلا الدرس القاسي لتعطيه لنا كلطمة مباغتة على وجوهنا .
محفوظ يرسم ختام روايته الأعظم على الإطلاق رسم فنان ماهر تنحني أمامه الجباه , و تعترف بعظمته الألسن .
فيها النهاية , والنهاية فقط , نهاية مجتمع عظيم تمثلت في نهاية شخوصه الأجمل على الاطلاق , ولكن ليست ككل النهايات , فهي النهاية الأكثر واقعية مع لمسة من الألم عليها لتصبغنا بصبغتها .
عندما مات السيد : مات فيّ شخصية عشقتها و رسمتها حقيقة ماثلة أمامي أعيش معها , وعندما ماتت أمينة بكيت كما لم أبكي من قبل , وعندما فعل الزمن أفاعيله مع عائشة شتمت محفوظ ولعنت القراءة , ولكن يدور الزمن ويبقى كمال جليس صدق و أنيس فكر , ويبقى (يس ) خفيف ظل ثقيل حركة , تملئ الحياه جوانبه و تسكنها . و تبقى عائشة و خديجة كزائرات جميلات في حلم جميل .
السكرية : ليست كأي رواية ولا حتى كجزء من ثلاثية روائية , السكرية هي خلاصة فكر و عصارة ثقافة , السكرية هي الحياة بقسوتها وعنفها , تأخذنا على حين غرة .
أنا قرأت الثلاثية في 18 ساعة متواصلة , قراءة نهمة كأها آخر ما أفعله في حياتي , وعندما انتهيت منها حزنت , حزن من القلب لأني انتهيت من أجمل نص روائي قرأته على الاطلاق .
محفوظ : خالد الذكر , عظيم الأثر , حبيب القلب , قريب النفس , فلترقد في سلام ولتكن في مكان أفضل , قدّس الله روحك , و رضي الله عنك و أسكنك فسيح جناته بما أدخلته على قلبي من حياة كان مفتقدها