4
بابا سارتر رواية فلسفيّة ساخرة تتنكّر لسطحيّة مثقّفي المقاهي العراقيين في مرحلة الستينيات من القرن الماضي وتتّخذ من سارتر ووجوديّته مرتكزا تدور الشخصيات في فلكه.
هؤلاء المثقّفين يتسلّحون بعبارات وعناوين فلسفيّة رنّانة لا يفقهون منها شيئا. تتزاحم الكتب غير المقروءة عللى رفوفهم. تعتلي صور جان بول سارتر جدران غرفهم ومقاهيهم وباراتهم ذات الظاهر الثقافي والمضمون المفلس. لا يعرفون عن سارتر سوى حفنة أمور سطحيّة: تسريحة شعره, ملابسه, عينه العوراء, عناوين كتبه وبالخصوص كتاب "الغثيان", جنسيته الفرنسية وباريسيّته, إرتياده المقاهي الأدبيّة, وعلاقته المتحرّرة مع سيمون دو بوفوار.
يحاولون يائسين أن يطبّقوا المظاهر السارتريّة في حياتهم الماديّة: الملبس, التعابير الفلسفيّة, ارتياد المقاهي, والتحرّر الجنسي. يحاولون تصنّع شعورهم بالغثيان والعدمية والوجودية والعبثية حتى في أتفه الأمور. هذا التزيّف يفضح عدم فهمهم لهذه النظريّات أو جديّتهم في محاولة فهم سارتر أو فلسفته. لا يخطر لهم الاطلاع على مدارس فلسفيّة أخرى غير سارتر والمقارنة بينها. لا يسقطون ما في الكتب على تجاربهم الشخصيّة ويحاولون إيجاد أجوبة لأسئلة وجودية فعليّة لأنّ الوجوديّة هي تعبير تلوكه ألسنتهم ولا يكترثون أن يغوصوا في جوهره.
هذه النظرة الكوميدية في بعض الأحيان والتراجيديّة في أحيان أخرى تعرّي جيلا يتلقّى المفاهيم من الغرب ولا يقرأ, وإن قرأ لا يفهم, وإن فهم لا يغيّر لأنّه مشغول بقشور الأمور وظاهرها. جيل يتّبع ما هو شائع ويتنقّل ما بين فيلسوف وآخر.
أعجبتني الرواية بثيماتها وأسلوب كتابتها ومسحة السخرية والتهكّم التي طغت عليها. إستمتعت بقراءتها وأحببت الكثير من المواقف فيها. ولكن هذه الرواية ليست للجميع, إن كنت كقارىء لا يعنيك النقد الفلسفي فهذا الكتاب ليس لك.