بنهاية الكتاب تتحقق رؤية الكاتب فى كون النظرة الى مفهوم الفرد ومكانه فى فكر شوبنهاور من اوسع زوايا النظر فى هذا الفكر واختبار متانته والاطلاع على مدى تناسقه والتعرف على تناقضاته الخاصة ، والاتجاه العام الذى يسود هذا الفكر . وبالنسبة لزمن صعود القوميات وتواجهها الذى عاش فيه شوبنهاور فقد اتخذ الطابع العام لعصره كغيره من المفكرين من حيث عدم الاكتراث بالفرد ونفيه او تصوره بالسلب لا بالايجاب واخضاعه للتجريدات العامة كالدولة والروح والارادة او الشئ فى ذاته . ويصور لنا الكاتب بعمق نفاذه الى فكر شوبنهاور وبساطة عرضه تصور الفرد فى فكر شوبنهاور كرحلة من الولادة الى الموت فيبين تكون مفهوم الفرد وميتفيزيقا الفردية التى لا تتحقق بشكل كامل فى الوجود الا بوجود الانسان اى بوجود العقل متحدا بالارادة فى ظاهرها وهى فردية الطفل هنا الذى لا يعى الا ذاته ولكن هذه الفردية تختلف وتكون لها تحولاتها فى الوجود وبالتالى تحولاتها مفهوميا او فلسفيا وتكون المعاناة والاحتياج والالم هى العامل المشترك الايجابى فى تطور الفردية او الشخصية وهنا يبرز الطابع التشاؤمى فى فلسفة شوبنهاور ويكون اتجاها عاما طوال فلسفته فالفرد سلب كم رأينا وهو مقيد مع كل اجزاء عالم الظواهر بينما الارادة التى هى الشئ فى ذاته وأساس كل ظاهرة هى فقط الحرية التى لا تخضع لقانون خارجها ولا تعرف الالم والحاجة . لذا وجب لمن يتمثل الوجود فى زيف ظاهره الملئ بالالم ان يتجه صوب التحرر من الارادة وهنا تبرز اهم التناقضات فى فكر شوبنهاور حيث يكون العقل الذى هو احد مظاهر الارادة اداة لتحطيم الارادة فى الفرد . فالارادة عنده هى ارادة وجود وحفظ بقاء للنوع بتهيئة غريزة التناسل . بينما الفرد العاقل فى نضجه يدرك زيف سعيه وراء اللذه والترف ويبحث عن خلاصه الذى يستشعره فى عبقرية الفن الذى ينفى ذات العبقرى ليصور الوجود فى ماهيته الحقيقية والذى يصوغ المثل العليا فى الوجود والاخلاق لا تصوراته الذاتية بل صورة الوجود الموضوعية الموحشة كما تبدو مشتركة بين كل الموجودات التى هى آيلةً الى الهلاك من خلال الألم والملل . وبالتالى فالفن الحقيقى عند شوبنهاور نفيا للفردية , والعبقرية نفيا للشخصية . ولكن يمضى الاتجاه التشاؤمى لذروته فى الرغبة فى التخلص من الذات -التى هى عرض للارادة- نهائيا بالزهد فى الحياة ومغالبة الغرائز الطبيعية والتقشف والسمو بالنفس عن كل انفعال كما عاش القديسون والدراويش فى العصور الوسطى او كمتصوفة الهندوس الساعين للنرفانا . ولا نجد اى اثر لنظرة ايجابية او دعوة لفعل ايجابى طوال استعراضنا لفكر شوبنهاور اللهم الا فى دعوته للمعرفة وتقديره للعلم الا انه لا يعدهما غاية فى ذاتيهما ولا يعترف بأى غائية فى الوجود على الاطلاق وهو ما يبرز تناقضا اخر فى فكره عندما جعل غاية المعرفة هى انكار ارادة الحياة فينا والانتصار عليها بالزهد المبنى على المعرفة اى الراسخ الاساس فالعقل هنا قد استطاع ان يتمثل الوجود فى ظواهره ويصل فى تمثله له الى ادراك باطنه الذى هو الارادة التى يجدها فى ذاته كما فى كل موجود وبكون الزهد زهدا فلسفيا ومعرفيا فانه يكون خالصا من كل غاية ما ورائية كالرغبة فى النرفانا او فى دخول الجنة او الخلاص من عذاب ابدى وانما هو الخلاص من الارادة التى تعانى فيه الالم وترغب فى لذة مستحيلة لا تنقطع والزهد يكون هنا كجلد الذات وتعويدها على الالم حتى تفقد قدرتها على الشعور تماما رغم انها لا تزال حية . ويبرز تناقض اخر حين ينفى شوبنهاور استنتاج ضرورة الخلاص بالانتحار بجدل واهى . ورغم ذلك لقد نجح الكاتب كذلك فى تبيان الترابط الوثيق فى اركان فكر شوبنهاور ومدى منطقية بناؤه وطبيعة تناقضاته وكيفية حلها . كما يجمل القول فى خاتمة رائعة تضع شوبنهاور فى مكانه تاريخيا وتربطه بعصره ومعاصريه وترفع عنه كل لوم ان كان هناك محل للوم مفكر او عالم او فنان .
مدخل جميل ومُبسَّط إلى فلسفة شوبنهاور.. أعجبني النقد الموضوعي الذي وجّهه فؤاد كامل لفلسفة شوبنهاور، كاشفًا عن كم التناقضات والعيوب التي تكتنف هذه الفلسفة، مما قد لا يلتفت إليها القارئ من الوهلة الأولى.