مفكر أردني من أصول فلسطينية، من مواليد سنة 1939م، في بلدة عين غزال الفلسطينية، درس الفلسفة في جامعة السوربون وحصل منها على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام سنة 1968م، عمل أستاذا للفلسفة والفكر الإسلامي في جامعة الكويت والجامعات الأردنية، وشغل منصب عميد البحث العلمي بالجامعة الأردنية، ونال عضوية مجلس إدارة معهد العالم العربي في باريس بالفترة من 1980 حتى 1984، له آراء جدلية حول الإسلام السياسي حاصل على جوائز عديدة، كما تم اختياره لعنوان الشخصية الفكرية لعام 2013 من قبل بعض المؤسسات الثقافية في بلده.
تطرح أطروحة فهمي جدعان عدة إشكاليات في تاريخ محنة خلق القرآن تضع الرواية الشائعة في قفص الاتهام وتظهر فضل السلطة السياسية في في تأجيج الصراع بين السياسي والديني.
فالمأمون لم يثر هذه المسألة بالذات إلا كعقاب لأهل الحديث الذين وقفوا في صف أخيه الأمين أثناء حربه معه ، وقد كان المأمون يخشى من سلطتهم على الناس فأراد رد الجميع إلى حظيرة ملكه عن طريق فرض هذه المسألة التي لم يكن فيها "أحمد بن دؤاد" إلا ممثلا للإرادة السياسية ومؤديا لوظيفته الرسمية كقاضي قضاة ، وكان أحيانا يحاول التخفيف من وطأة العقاب على مخالفيه إلا أنه وُوجه بحملة تكفير من أحمد بن حنبل ، ولم يكن يعرف لابن أبي دؤاد أي آراء كلامية حتى شكك المؤلف في اعتزاليته ، وكانت عقلانية المأمون عقلانية تجريبية لا تنشد أهدافا نظرية ، فاقتنص مسألة خلق القرآن لحساسيتها في علم التوحيد في ذلك الوقت ، إذاً المحنة ذريعة لتفجير صراع ولم تكن سببا لذلك الصراع.
توصل المؤلف إلى أن عدم ثبوت ضلوع المعتزلة في إحداث فتنة خلق القرآن ، و أنهم لم يتورطوا في حملات التفتيش الحكومية المتعلقة بها ، وقد وصلت الحملة ذروتها حين اشترط الواثق لفداء الأسير المسلم في بلاد الروم أن يكون ممن يقول بخلق القرآن القول بخلق القرآن.
وفي عهد المتوكل الذي يُعتقد أنه محيي السنة وقامع البدعة ، ظل حال أحمد بن حنبل يمثل في عهده وضعا فريدا ، ووجه له كتابا بلزوم بيته وعدم حضور الجمعة ، واتهم أنه يأوي أحد العلويين المناوئين لبني العباس في بيته ، ثم برئ من هذه التهمة وقرب من المتوكل.
مع كون المؤلف قد قدم رؤية مختلفة لمحنة خلق القرآن إلا أن أهميتها لا تكمن في عملية الفكرة ولا في أهمية الرأي الصواب فيها ،بل تكمن في حقيقة تسلط السياسة على الدين وتطويعه لصالحها والذي قد يتكرر في أي زمن متلبسا ثوبا جديدا من ثياب المحنة.
يطرح الكاتب الناقد فهمي جدعان رؤيته لفترة مهمة ومحطة أكثر من هامة في تاريخ التطور السياسي الفكري لدى المسلمين وتتمثل في أحداث فتنة خلق القرءان..ويدور بحث عدجان حول نقاط مختلفة وعديدة تناولها بالبحث معتمدا بالدرجة الأولى على إبرازها بنسق وسردية أخرى لم تتتناولها الكتب التأريخية التي وصلتنا أو بالأحرى لم يبرزها المؤرخون المسلمون كما إدعى الكاتب " واليوم تبدو لي الأمور مختلفة كل الإختلاف عن كل ما قيل في هذه المسألة " وقد ركز بحثه على نقاط هي : المعتزلة وعلاقتهم بالخلافة : وهنا يدور عمل الجدعان حول تفنيد علاقة المعتزلة بالخلافة على النحو الذي طرحته كتب التاريخ والفرق حيث يقول إن " هذه الآراء جميعا تحتاج إلى مراجعة شاملة " وتوصل المؤلف في بحثه ورأيه إلى عدم ثبوت ضلوع المعتزلة في إحداث فتنة خلق القرآن ، و أنهم لم يتورطوا في حملات التفتيش الحكومية المتعلقة بها . و إما ونحن نعلم أن المسألة وصلت ذروتها حين اشترط الواثق لفداء الأسير المسلم في بلاد الروم أن يكون ممن يقول بخلق القرآن القول بخلق القرآن..!!وهذا حقا ما يثير التعجب والريبة حول بحثه فكيف يصل به الأمر الأمر إلى تبرأت كاملة للمعتزلة من ضلوعهم في أحداث المحنة رغم كل ما يحمله القول خلق القرءان من إعتزال خالص !! فمن إمتحن إذا ؟ ومما يزيدالأمر تشككا تقزيمه ومحاوته الإبتعاد عن إقحام رأس المعتزلة قاضي القضاة '' أحمد بن أبي دوؤاد '' وإخراجه من كل ما يتعلق بالمحنة رادا كل أفعاله إلى كونه عبد مأمور من الخليفة وما عليه إلا تطبيق ..ويحاول أن يثبت شفقته على " أحمد بن نصر الخزاعي " من الواثق ولم يورد نصا لذلك .! وأيضا رد كل قول ينسبه إلى الإعتزال بكلمة ورت عن الإمام أحمد يقول أن ابن أبي دوؤاد '' ليس له كلام '' رغم ما تزخر به بواطن الكتب من وصف له بالإعتزال و دوره الواضح في عهدي المعتصم والواثق خاصة وإقتصاره عهد المأمون فقط بحضور مجلسه لكونه مازال لم يقلد منصب قاض القضاة ويدور بحثه أيضا حول عرض الأقوال المشهورة في القرءان وذكر منها : قول المعتزلة وهو أن كلام الله مخلوق قول أهل الحديث وهو أن كلام الله قديم قدم الذات غير مخلوق قول الكلابية وهو أن القراءة المحدثة وهي نقرأ بها مخلوقة أما كلامه فهو صفة قديمة قائمة به قول اللفظية وهو أن لفظنا بالقرءان مخلوق قول الأشاعرة وهو أن الكلام النفسي قديم بينما العبارة عنه قديمة قول الواقفية وهو قولهم نقف ولا نقول مخلوق ولا غير وخلوق وهم بذلك في شك من أمرهم! وقد بسط فيه كثيرا ولم يترك أي لبس حول تلك الأقوال وأجاد كثيرا . ويدور أيضا بحثه حول :المحنة أحداثها والرجال المشاركون فيها بدءا بالمامون ثم المعتصم فالواثق ثم المتوكل كخلفاء ورجال المعتزلة من جهة والطرف الآخر المتمثل في أهل السنة حيث دارت أحداث المحنة في بغداد والشام ومصر والقصد أن أمتحن من العلماء من بغداد والشام ومصر . وما طرحه المؤلف في هذه النقطة مثير فبداية القول : أن الإتفاق على عدم بداية القول بخلق القرءان فقط عهد المأمون فالدلائل واضحة ، كذلك الواضح أن المأمون لم يدفعه لذلك إعتزاله فقط وقاض قضاته لم يكن فقط إلا سوطا في يد الخلفاء بل معتزليا خالصا درس الإعتزال من شيوخه ، فلما ناقض كل ذلك ولم ينكره تماما ؟؟؟ فأصبح المأمون لم يثر هذه المسألة بالذات إلا كعقاب لأهل الحديث الذين وقفوا في صف أخيه الأمين أثناء حربه معه ، وقد كان المأمون يخشى من سلطتهم على الناس فأراد رد الجميع إلى حظيرة ملكه عن طريق فرض هذه المسألة التي لم يكن فيها "أحمد بن دؤاد" إلا ممثلا للإرادة السياسية ومؤديا لوظيفته الرسمية كقاضي قضاة ، وكان أحيانا يحاول التخفيف من وطأة العقاب على مخالفيه، ولم يكن يعرف لابن أبي دؤاد أي آراء كلامية حتى شكك المؤلف في اعتزاليته !! وكانت عقلانية المأمون عقلانية تجريبية لا تنشد أهدافا نظرية ، فاقتنص مسألة خلق القرآن لحساسيتها في علم التوحيد في ذلك الوقت ، إذاً المحنة ذريعة لتفجير صراع ولم تكن سببا لذلك الصراع. !!! ولوفرضنا رئيسية الصراع السياسي في الأحداث فمالداعي بالمأمون للإمتحان والمناظرة إذا كانت قوته تكفي ليفرض القول بخلق القرءان ؟ هنا الجواب كالآتي : المأمون أراد أولا الضلوع بكونه خليفة للمسلمين في أمر الدين ليكون بذالك حامية للدين إضافة لكونه خليفة أراد المأمون أيضا التقريب بين المذاهب فقد أرابه الإختلاف ورءاه فقط ناتجا عن متابعة الأهواء من طرف الفقهاء المتخالفين فأراد بذلك ردهم إلى قول واحد ونظرا لإعتزاله لم يرى حرجا في أن يبدأ بموضوع القرءان ليجمع عليه الأمة حسبه !! أما بالنسبة لمن جاء بعده فالمعتصم كان قليل علم أن لم يعدمه فهو كان يطبقا لوصية المامون حيث أوصى له بمحاربة بابك الحرمي وأصحابه والسير على ما ماكان عليه في الإمتحان بخلق القرءان وأما الواثق فقد كان أعنف من أبيه وعمه وقام بنفسه بقتل الأمام أحمد بن نصر الخزاعي ولم يكن كذلك بكثير علم وإنما كان متبعا طريقهما وأما المتوكل فقد كانت في عهده الفتنة تلفظ أنفاسها الأخيرة ولكنه إنتظر حتى 236 ه حتى يرفعها تماما وهذا يرجع لأن رجال المعتزلة كانوا متمكنين حقا من دار الخليفة ومجلسه عكس ما طرحه الجدعان وإلا فالمتوكل ولي سنة 232 ه فما الداعي لأنتظاره كل ذلك الزمن ؟ إن ما طرحه الكاتب حول المحنة وطبيعة المسألة متميز إلا أن تأويلاته التي صبت في التقليل من دور" المعتزلة " ودور "المأمون خاصة وابن دوؤاد " لم يورد له من الدلائل ما يمكنه من رد ما تم طرحه سابقا من طرف القدامى وما يقبله العقل الدارس لطبيعة المحنة . دار مبحث الكاتب آخر بحثه حول جدلية السياسي وعلاقته بالديني وبين فيها أراء أطراف من المسلمين في علاقة الديني بالسياسي وفيه عرض لرأي المعتزلة والخوارج وأهل السنة كل حسب رأيه ، وعقب عليها وبين دور هذه الجدلية في ترأس المأمون والمسوغات له حتى يمكنه من التدخل في فرض المحنة بخلق القرءان أي دور السلطة السياسية في في تأجيج الصراع بين السياسي والديني. مع كون المؤلف قد قدم رؤية مختلفة لمحنة خلق القرآن إلا أن أهميتها لا تكمن أمكانية طرح فكرة مغايرة عن السائد ، رغم الميل إلى عدم تصديق ما طرحه الكاتب جملة خاصة من تقليله لدور غير واحد من أعمدة فرض المحنة والمشاركة في التعذيب والإمتحان وبل والقتل ، بل تكمن في حقيقة تسلط السياسة على الدين وتطويعه لصالحها والذي قد يتكرر في أي زمن متلبسا ثوبا جديدا من ثياب المحنة. وأشير لعدم أهمية كون المؤلف " أخذ '' كي لا أقول سرق مادة البحث وفكرة عن المستشرق الذي أشار له بداية الكاتب ب ''الصديق العزيز فان إس '' فمجرد إشارة الكاتب للجهد الذي ساعده به هذا الصديق ينفي عنه الشبهة رغم كونها غير ذات أهمية ، لأن المهم هو صحة الإدعاءات والأفكار الجديدة المطروحة في الكتاب . هذا الكتاب مهم بغض النظر عن موافقة محتواه تماما فالأهمية أحيانا لا تكمن في الموافقة .
فهمي جدعان.. بدأتُ أحب إدماني بالقراءة لهذا الرجل قدرته على تحليل الحركات وإجراء المقارنات غير عادي.. غالباً ما يتمكن من المحافظة على الموضوعية.. هذه النادرة طرحه للتيّارات الفكريّة الإسلاميّة و علاقتها بالسلطة السياسيّة و علاقتهما بالدين و المجتمع جداً لطيف وماتع
ناقش كتاب “المحنة” لفهمي جدعان قضية خلق القرآن في إطارها الزمني وتصاعدها حتى انتهائها؛ مثيرا بذلك نقاشا واسعا في التاريخ الإسلامي وقضية خلق القرآن التي اعتُبرت من أهم الجدليات الفكرية.
الكتاب يناقش وقائع محنة خلق القرآن في إطارها الزمني وتصاعدها حتى انتهائها على يد الخليفة المتوكل، ليثير بحثه نقاشا واسعا في التاريخ الإسلامي وقضية خلق القرآن التي اعتبرت إحدى أهم الجدليات في تراث المسلمين.
طرحت الدراسة أف��ارا جديدة تنسف السائد والمتداول بشأن محنة خلق القرآن، وتقلب الطاولة على ما شاع في الحقل العلمي حول تلك المحنة من رواية، يرى جدعان أنها ضعيفة واعتمدها الباحثون كنوع من الكسل العقلي والركون للمتداول.
وفي مداخلة له في البرنامج؛ يقول الكاتب والمفكر الدكتور حسن حنفي إن قضية خلق القرآن لم تكن رأي المعتزلة وحدهم، بل كانت رأيا لكل فصائل المعارضة لمواجهة السلطات، وهي مسألة سياسية وليست دينية.
ويرى أستاذ العقيدة والمذاهب والأديان الدكتور عطا الله المعايطة أن الخطر على الدولة العباسية لم يكن من المحدّثين ولا أهل السنة كما يرى جدعان، بل كان من طوائف التشيع والفرق الأخرى، موضحا أن الدكتور فهمي جدعان لم يأت بأي دليل يؤكد كلامه.
أما أستاذ النقد بجامعة عين شمس الدكتور إبراهيم عوض فيقول إن الدولة العباسية لم تكن دولة اعتزاليه وإنما دولة تبحث عن الاستقرار ومصلحتها ولا تريد أن يهدد سلطانها أحد، ومن الطبيعي أن يتغير موقف الدولة من المعتزلة إذا تغيرت الأحوال.
بين الديني والسياسي ويؤكد الباحث في التاريخ والفكر الإسلامي الدكتور نارت قاخون -من خلال ما ذكر في الكتاب- أن المأمون كان مقتنعا بأن القرآن مخلوق، وهذه قناعة شخصية كانت لديه بناء على معطيات، لكنه انتقل من القناعة الشخصية إلى إلزام الآخرين بهذه القناعة بسلطة السيف أو الدولة.
ويعتقد رئيس قسم أصول الدين بالجامعة الأردنية الدكتور عبد الكريم الوريكات أن جدعان حاول -من خلال الكتاب- أن يُظهر المأمون باعتباره رجل دولة وليس معتزلا لأنه أكبر من كل الفرق. وهذا الكلام –حسب الوريكات- لا يصدر عن باحث أو شخص منصف، خصوصا أنه يدعي قراءة كل مناظرات المأمون مع العلماء.
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية الدكتور عبد الرحمن سالم يقول إن هذه الفترة من تاريخ الدولة العباسية فترة اعتزالية، ولا نستطيع القول إن المعتزلة كانت آراؤها مختلفة عن العباسيين أو كانوا يعادونهم، بل كانت الدولة والمعتزلة شيء واحد.
ويرى جدعان أن الأمام أحمد بن حنبل لم يتعرض للابتلاء كما تعرض له آخرون، وأن أهل السنة بالغوا في إبراز دوره وعرض تضحياته، لكن الدكتور وريكات يقول إنه كان على رأس من تعرضوا للبلاء فعُذب وسجن، ولكنه تمسك برأيه أن القرآن كلام الله المنزل وليس مخلوقا.
الكتاب تسوية لحساب التاريخ فعلًا قوّض جدعان الرواية القائلة بأن المعتزلة عند سيادتهم قاموا بحملات بطش وتنكيل بأهل الحديث والحقيقة بل كل الدلائل تشير إليها أن ما حدث هو صراع على السلطة يدور في ما يسمى جدليّة الديني والسياسي في الإسلام بمعنى أن ما قام به المأمون "لم يكن إلّا تحت وطأة تعاظم سلطة ((موازية)) لسلطة الخلافة هي سلطة ((أهل الدين))"ص347 فالامتحان طال رجالًا لا صلة لهم بأهل الحديث فخوف المأمون من سلطة "هؤلاء الرؤساء على العامة, وإمكان تحوّل هذه القوة إلى قوة ضاربة تدك أسس مملكته برمتها" ويقول الكاتب "فالمأمون إذن إذ اختار أن يمتحن ((رؤساء)) أهل الحديث والفقه ومن بيده سلطة ; وكان يتوسّل ((بإجاباتهم)) في الامتحان إلى أن يسقطوا من أعين العامّة"ص348 وكان من أهداف هذه الحملة "إلزام هذه ((القوة الموازية)) بطاعة الدولة والانتظام في مسلكها وفقًا لجدلية الأمر والطاعة"ص417 ومما يؤكد عند الكاتب مدى معارضة هؤلاء (=أي أهل الحديث) للسلطة القائمة هو بيان عقيدتهم فالطاعة لأولي الأمر حدّها النهائي ما أقام شرع الله ص427 وإلّا فالعصيان السلبي أو المباشر يكون هو الأساس ومن أدوات العصيان التي تجلّت وكانت مناط تحليل عند الكاتب هي أداة الحُلم ص430 فقد لبس الخزاعي التاج في الجنة ورحم الله ابن حنبل اذ دخل الجنة فـ"الدلالات الاجتماعية والنفسية والسياسية للرؤيا تثوي وراء بنيتها الميتافيزيقية"ص436 وهذا ما يعني "أن القوة الدينية ((الموازية)) ستظل على الدوام غير راضية عن الزمان والسلطان الدنياويين ما دان غريبين عن الدين وعن الله"ص439 فكل ما حصل هو "اعتبار القوة الموازية عدوًّا ينبغي قهره بـ((الامتحان))" فالـ "الخوف من هذه ((الرموز)) التي أصبحت تسجد قوة ((رئاسية)) موازية لملكه تقود ((قوّة غير مباشرة)) تهدّد قوّة الدولة ذاتها"ص441
فالصراع بين الديني والسياسي في الإسلام هو صراع غايات وصراع من أجل السيادة ويختم الكاتب بالتالي "الحقيقة أن الصراع بين ((أهل الدين)) وبين ((أهل الدولة))، في الإسلام، كان أحد الأشكال الكبرى للصراع السياسيّ. وفي ملحمة ((المحنة)) لم يكن فرض القول بخلق القرآن وطلب ((الإجابة)) إلّا ((مسوّغًا)) أو ((ذريعة)) لتفجير الصراع. ص448
إذن: السبب في اصطناع هذه المحنة هو أنه أصبح هناك حضور وتأثير على السُلطة من قِبل المشايخ؛ فلتقويض هذه السُلطة تم اختبارهم حتّى تتزعزع صورة العلماء (=أهل الحديث ومن يطمحون في السلطة) أمام العامّة والهدف المضمر هو الغاء أو محاولة لهدم كل منافسة للسلطة السياسية فلم يكن يهدف المأمون إلى اثبات خلق القرآن بل زعزعة مكانة العلماء عند عامّة الناس وإبقاء السلطة الدينية ورجالاها تحت لواء السياسية.
في كتابه "المحنة: جدلية الديني والسياسي في الإسلام", يعيد فهمي جدعان قراءة الحدث التاريخي المعروف بـ"محنة خلق القرآن" التي وقعت في عهد الخليفة العباسي المأمون ومن تبعه من خلفاء بني العباس. يتألف الكتاب من مقدمة وخمسة فصول، وفيه يراجع المؤلف المسلّمات الشائعة حول هذا الحدث، مقدمًا طرحًا جديدًا مفاده أن المحنة لم تكن من صُنع المعتزلة، حتى وإن وافقوا فيها رأي المأمون، وأن الخليفة ذاته لم يكن معتزليًا بالمعنى الدقيق، وإن كان قد مال إلى بعض آرائهم.
يرى جدعان أن المحنة يجب أن تُقرأ ضمن سياق العلاقة المتوترة بين السياسي والديني في العالم الإسلامي آنذاك، حيث سعى المأمون إلى إخضاع المؤسسة الدينية للسلطة السياسية بوصفه "خليفة الله في أرضه". ومن هذا المنطلق، فرض القول بخلق القرآن كوسيلة لإخضاع العلماء الذين تمردوا على سلطته، لا سيما من كانوا محسوبين على تيار أهل الحديث.
الكتاب ثري من حيث الفكرة ويقدّم قراءة مغايرة فتحت لي آفاقًا جديدة، إلا أن ما يُؤخذ عليه هو لجوء المؤلف أحيانًا إلى تحميل النصوص أكثر مما تحتمل لتعضيد رؤيته، وهو ما قد يضعف بعض استنتاجاته في نظري.
كتاب جميل ومثير. لكن جدعان تعمق كثيراً في التراجم قبل ان يبدأ بربط خيوط المحنة ببعضها ليصل الى استنتاجه. كان من الممكن ان يكون الكتاب اقصر كثيراً لولا اسهابه في الترجمة لشخصيات المحنة البارزة. قد يكون هذا الرأي منطبقاً عليّ وحديّ لمعرفتي السابقة برجال المحنة كالمريسي وابن الاشرس والخليفة المأمون والامام احمد. الَّا انه كتاب يستحق القراءة بلا شك كونه يشكّل استنتاجاً لم اقرأه عند احد قبل جدعان.