إمام الأئمة، ومفتي الأئمة، بحر العلوم، وشمس الفهوم، سند المجتهدين الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، فريد العصر، نادرة الدهر، شيخ الإسلام، علامة الزمان، ترجمان الحديث والقرآن، علم الزهاد، أوحد العباد، قامع المبتدعين، رأس الموحدين، تاج المتبعين، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، قاضي قضاة أهل السنة والجماعة، شيخ الرواية والسماع، علي الإسناد، السابق في ميدان الاجتهاد، على الأكابر الأمجاد، المطلع على حقائق الشريعة ومواردها، العارف بغوامضها ومقاصدها.
مولده ونشأته :
هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم الصنعاني، والشوكاني نسبة إلى عدني شوكان ، أو إلى هجرة شوكان وهي قرية صغيرة جنوب شوكان، تبعد عن صنعاء شرقاً نحو عشرين كيلو متر تقريباً، وهي إحدى قرى "السحامية" من بلاد خولان العالية "الطيال"، وهجرة وشوكان اسمان لقرية واحدة ، بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم ، وهي نسبة والده . والصنعاني نسبة إلى صنعاء .
وكان والده قاضي صنعاء ، ومن العلماء البارزين فيها ، فيه طيبة وصلاح تجعل من يعرفه حق المعرفة يتيقن أنه من أولياء الله ، ولعل هذا كان له أثره في حياة ابنه بعد ذلك .
نشأ الأمام الشوكاني بصنعاء فقرأ القرآن وجوَّده على جماعة من مشايخ القراء بصنعاء، وفي أثناء ذلك كان قد حفظ عدة مختصرات : في الفقه والنحو ، والعروض ، وآداب البحث وعلوم اللغة ، وطالعَ عدة كتب من كتب التاريخ والأدب ، ثم شرع في طلب العلم فدرس على والده ، وعلى البارزين من العماء في عصره في مختلف العلوم : الدينية ، واللسانية ، والعقلية ، والرياضي ، والفلكية .
طلبه للعلم
ظل العلامة محمد بن علي بن عبد الله الشوكاني يأخذ عن شيوخه العلم حتى استوفى كل ما عندهم من كتب ، بل زاد في قراءاته الخاصة على ما ليس عندهم، وكان طلبه للعلم في صنعاء نفسها ، لم يرحل عنها على عادة طلاب العلم لعدم إذن أبويه له في الرحلة ، فكان عند إذنهما .
وعن بداية طلبه للعلم يقول الشوكاني رحمه الله: "إني لما أردت الشروع في طلب العلم، ولم أكن إذ ذاك قد عرفت شيئاً فيه حتى ما يتعلق بالطهارة والصلاة إلا مجرد ما يتلقاه الصغير من تعليم الكبير لكيفية الصلاة والطهارة ونحوها". كان في أثناء دراسته يُلقي ما يأخذه عن مشايخه إلى تلاميذه الذين اجتمعوا عليه، وهو لا يزال في دور الطلب الأول ، ولذلك كانت دروسه تبلغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درساً ، منها ما يأخذه عن أساتذته ، ومنها ما يلقيه على تلاميذه .
المفتي بين شيوخه
تفرغ الإمام الشوكاني لإفادة طلاب العلم ، فكانوا يأخذون عنه في كل يوم زيادة على عشرة دروس في فنون متعددة كالتفسير والحديث والأصول والمعاني والبيان ، والمنطق . وتقدم للإفتاء وهو في نحو العشرين من عمره ، وكانت ترد عليه الفتاوى من خارج صنعاء ، وشيوخه إذ ذاك أحياء ، وكاد الإفتاء يدور عليه وحده ، وهو في هذه السن .
وقد أحاط – إلى جانب العلوم العربية الدينية – بالعلوم الرياضية والطبيعية والإلهية ، وعلم الهيئة ، والمناظرة والوضع ، وحده دون معلم مباشر ، ودرّس هذه العلوم أيضاً لتلاميذه .
وفي الجملة ، فقد درس دراسة واسعة ، واطلع اطلاعاً يندر أن يحيط به غيره ، فليس من المستطاع سرد ما درسه من كتب ، أو استجازه من مراجع ، ومن يرجع إلى كتابه – مثلاً – "إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر" يدرك مدى ما كان عليه هذا الرجل من تنوّع في الثقافة ، واتساع فيها، وقد برع في كل ذلك تقريباً ، وصنف ودرس فيه، ولا غرو أنْ رأينا بعض كتاب التراجم يعرّف به فيقول : مفسر ، محدث ، فقيه ، أصولي ، مؤرخ ، أديب ، نحوي ، منطقي ، متكلم ، حكيم .
شيــوخه
من ابرز شيوخ الأمام الشوكاني العلامة الحسن بن إسماعيل المغربي (ت 1208هـ): وقد وصفه الشوكاني بأنه كان يقبل عليه إقبالاً زائداً، ويعينه على الطلب بكتبه، وهو من أرشده إلى شرح "المنتقى"، وأنه تأثر به في تقوية حياته الروحية، وتنمية اتجاهه السلفي، وتكوينه الخلقي، وخاصة خلق التواضع، وقد سمع منه "التنقيح في علوم الحديث".
أيضاً من شيوخه الإمام الحافظ عبد القادر بن أحمد الكوكباني (ت 1207هـ): وقد وصفه الشوكاني بأنه كان أبرز علماء عصره وأكثرهم إفادة، وذكر أنه لم يكن في اليمن له نظير، وأقر له بالتفرد في جميع العلم كل أحد -وهو من تلاميذ الإمام ابن الأمير الصنعاني، وحامل لواء السنة بعده- وقد قرأ عليه الشوكاني مختلف الفنون من حديث وتفسير ومصطلح وغيره، وقد سمع منه "صحيح مسلم" و"سنن الترمذي" وبعض "موطأ مالك" وبعض "فتح الباري" وبعض "الشفاء".
ومن شيوخه أيضا العلامة محمد علي بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن أحمد بن عامر الشهيد (ت 1208هـ): قال عنه الشوكاني: كان إماماً في جميع العلوم، محققاً لكل فن، ذا سكينة ووقار، قل أن يوجد له نظير، وهو شيخ الشوكاني في "صحيح البخاري" حيث سمعه منه من أوله إلى آخره.
ومنهم هادي بن حسين القارني (ت 1247هـ): شيخ الشوكاني في القراءات والعربية، ثم أخذ عنه شرح "المنتقى" وغيره.
ومنهم العلامة أحمد بن محمد الحرازي ( ت 1227هـ): لازمه الشوكاني ثلاث عشرة سنة وبه انتفع في الفقه.
مكانته العلمية
كان الإمام مبرزاً في علوم كثيرة، سيما علوم السنة والتفسير والفقه فروعه وأصوله، مؤرخ، له شعر حسن.
وقد كرس حياته في سبيل الدفاع عن هذا الدين، وإزالة ما علق به من شوائب التقليد، والتعصب، والجمود وغيرها.
وتصدر الشوكاني للتدريس في جامع صنعاء، وأقبل عليه طلبة العلم من كل مكان ينهلون من معارفه الواسعة، وفيهم من كان من شيوخه.
تولى رحمه الله القضاء الأكبر للإمام المنصور في شهر رجب سنة (1209هـ) خلفاً للقاضي يحيى بن صالح السحولي على غير رغبة منه، ثم تولى لابنه المتوكل أحمد، فابنه المهدي عبدالله.
وكان جريئاً في قول الحق، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا يخشى في الله لومة لائم، أنكر على الهادوية اعتمادهم أقوال أئمتهم وجمودهم على التقليد، فكتب كتابه: "القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد".
قام الشوكاني بالدعوة إلى الإصلاح وجوانب ذلك : دعوته إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، ودعوته إلى العقيدة السلفية، وتطهير العقيدة وتنقيتها من مظاهر الشرك.
دعوته إلى الاجتهاد
لقد ذهب الإمام الشوكاني إلى أن ترك الاجتهاد من القادر عليه كفر وشرك ، لأنه تعطيل لكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإحلال لقول صاحب المذهب محلّهما .
والإمام الشوكاني في هذا يعبّر عن الروح الاجتهادية لدى الأئمة السابقين ، وإن كان قد تشدد في الحكم على المقلد القادر على الاجتهاد بالشرك . فمثلاً ، نرى الإمام الغزالي يوجب الاجتهاد على القادرين عليه دون أن يُدينه بالشرك ، أو الكفر ، إذا أصرّ على التقليد ، لأن الذي وصل إلى درجة الاجتهاد « غير عاجز ، فلا يكون في معنى العاجز ، فينبغي أن يطلب الحق بنفسه ، فإنه يجوز الخطأ على العالِم بوضع الاجتهاد في غير محله ، كما أنه يجوز على المجتهد أيضاً الذي نقلده أن يبادر بالحكم قبل استتمام الاجتهاد ، والغفلة عن دليل قاطع ، والعالم المقلد قادر على معرفة ما يعرفه إمامه الذي يقلده ، ومن الممكن أن يتوصل بنفسه إلى ما يريده ، إما إلى درجة اليقين ، وإما إلى الظن ، فكيف يبني الأمر على عماية كالعميان ، وهو بصير بنفسه ؟ .
ويحمل على هؤلاء المقلدين الذين يبلغ بهم التعصب لإمامهم أن يعتقدوا فيه العصمة عن الخطأ في الأحكام ، مع أن المجتهدين أنفسهم لا يدعون العصمة « أو يعدون الحق وقفاً عليهم .
مؤلفاتــه :
للعلامة الكبير مؤلفات كثيرة من أشهرها :
1- "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار" (مطبوع)، وهو أشهر كتبه على الإطلاق.
2- "السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار" (مطبوع)، وهو خلاصة فقه الشوكاني.
3- "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (مطبوع).
4- "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" (مطبوع).
5- "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" (مطبوع)، اشتمل على تراجم أكابر العلماء من أهل القرن الثامن ومن بعدهم.
6- "الدراري المضيئة" (مطبوع)، وهو شرح متن الدرر البهية في الفقه، كلاهما للمصنف.
7- "وبل الغمام على شفاء الأوام" (مطبوع)، في الفقه.
8- "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد" (مطبوع)، في العقيدة.
9- "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير" (مطبوع)، في التفسير.
10- "در السحابة في مناقب القرابة والصحابة" (مطبوع).
تلاميذه
جمع الأمام الشوكاني من العلوم الكثير، وأحاط بالمعقول منها والمنقول، وبرز في شتى المعارف، وأضاف إليها الكثير، بالنظر الثاقب، والفكر المستنير، وألف العديد من الكتب، لذلك كان لا بد وأن يتخًرج على يديه الكثيرون واستفاد منه العامة والخاصة.
ومن أشهر تلاميذه:
1ـ ابنه أحمد بن محمد بن علي الشوكاني ولد سنة 1229هـ، وانتفع بعلم والده وبمؤلفاته، حتى حاز من العلوم السهم الوافر، وانتفع به عدة من الأكابر، تولى القضاء بمدينة صنعاء وله مؤلفات وكان من أكابر علماء اليمن بعد والده توفي سنة 1281هـ.
2ـ محمد بن أحمد السودي، ولد سنة 1178ه، لازم الإمام الشوكاني من بداية طلبه للعلم، حتى مدحه الشوكاني بقوله:
أعز المعالي أنت للدهر زينة *** وأنت على رغم الحواسد ماجده.
وتوفي سنة 1236هـ.
3ـ محمد بن أحمد مشحم الصعدي الصنعاني، ولد سنة 1186ه وتولى القضاء في صنعاء وغيرها، وأثنى عليه الشوكاني كثيراً، وتوفي سنة 1223هـ.
4ـ أحمد بن علي بن محسن، ابن الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم. ولد سنة 1150هـ واشتغل بطلب العلم، بعد أن قارب الخمسين، ولازم الإمام الشوكاني نحو عشر سنين توفي سنة 1223هـ.
5ـ محمد بن محمد بن هاشم بن يحيى الشامي، ثم الصنعاني، ولد سنة 1178هـ وتوفي سنة 1251هـ.
6ـ عبد الرحمن بن أحمد البهكلي الضمدي الصبيائي، ولد سنة 1180هـ.
وتلقى على الشوكاني وغيره، ولكنه كان من أوفى تلاميذ الشوكاني ومن الملازمين له، توفي سنة 1227هـ.
7ـ أحمد بن عبد الله الضمدي.
أخذ عن الإمام الشوكاني وغيره، ولكن صلته بالشوكاني كانت أكثر، حتى صار المرجع إليه في التدريس والإفتاء في " ضمد " وما حولها، وله أسئلة عديدة إلى شيخه الشوكاني أجاب له عنها في رسالة سماها " العقد المنضد في جيد مسائل علامة ضمد ، توفي سنة 1222هـ.
8ـ علي بن أحمد بن هاجر الصنعاني، ولد في حدود سنة 1180هـ وتبحر في العلوم النقلية والعقلية، درس على الشوكاني علم المنطق وغيره. قال عنه الشوكاني بالنسبة لعلم المنطق : " هو يفهمه فهماً بديعاً، ويتقنه إتقاناً عجيباً، قل أن يوجد نظيره مع صلابة الدين " توفي سنة 1235هـ.
قال أبو عبد الرحمن: ذكر الدكتو�� إبراهيم إبراهيم هلال في مقدمة " قطر الولي " ص 42ـ 45 تلاميذ الشوكاني وعددهم ثلاثة عشر تلميذاً.
وذكر الدكتور محمد حسن الغماري صاحب كتاب الشوكاني مفسراً ص 74ـ 81 ثلاثة وثلاثين تلميذاً.
وذكر الدكتور عبد الغني قاسم غالب الشرجبي (صاحب كتاب : الشوكاني حياته وفكره) ص 238 ـ 266. تلاميذ الشوكاني وعددهم اثنان وتسعون تلميذاً. كما أورد ـ عقب ترجمة كل تلميذ ـ العلوم التي استفادها من الشوكاني.
وفاتــه
توفي الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- ليلة الأربعاء 27من جمادى الآخرة سنة (1250هـ) بصنعاء عن ستٍ وسبعين سنة وسبعة أشهر، وصُلي عليه بالجامع الكبير بصنعاء رحمه الله. ودُفن بمقبرة خزيمة المشهورة بصنعاء، تعالى رحمة واسعة، وجزاه عنا كل خير.