بعض الروايات تستحق أن نركز عليها ومعها ونترك كل ما حولنا، والحقيقة أني سعيد بهذه الرواية التي جاءت على مستوى توقعاتي، بل ربما أكثر، . . "أبو حيان التوحيدي" واحد من الأدباء الذين لم يحظوا بمعرفة واسعة، رغم شهرة كتاباته لاسيما "الإمتاع والمؤانسة"، ربما يعرف القراء أسماء الكتب لكن يجهل الكثير عن تاريخ الرجل وسيرة حياته، رغم أنها حافلة بالكثير من المواقف والتقلبات والصراعات، حتى يأتي أديبٌ متمكن فينفض الغبار عن أوراق التاريخ ويبحث ويدقق ويختار الشخصيات والزمان والأماكن، ويأخذنا في رحلة شيقة لا تخلو من ألم بصحبة التوحيدي، الذي كتب عن الغريب:
((يا هذا ! الغريبُ من غَرُبتْ شمس جماله، واغتَرَبَ عن حبيبه وعُذّاله، وأغرَبَ في أقوالِهِ وأفعاله، وغرَّبَ في إدباره وإقباله.. يا هذا ! الغريب من نَطَقَ وصفُهُ بالمحنةِ بعد بالمحنة.. الغريب من إن حضَرَ كان غائباً، وإن غاب كان حاضراً. الغريب من إن رأيته لم تعرفه، وإن لم تره لم تستعرفه....)) استطاع هشام عيد أن يعبّر عن شخصية التوحيدي بجلاء، ورغم أن الرواية تبدأ تقريبًا من المنتصف، حيث الأزمة واقعة، وحيث يبحث ذلك العالم الكبير عن قوت يومه من خلال الوراقة والكتابة التي هي وظيفته الأثيرة التي يقتات منها، إلا أننا استطعنا معه أن نتعرّف على جوانب حياته كلها .... . شكرًا Hisham Eid على هذه الرواية الجميلة المحكمة،
"إني اليوم لذي حق لدى الرجل، وقد ارتضيت بكم حكمًا، فأجمعوا أمركم وأحكموا بما أراكم الله. أما بعد، فلا شقاق ولا ضجر، وإني لأعاتبن الرجل عتاب الرجل للرجل والصديق لصديقه إن كان ذلك يصح. فقد عهدت نفسي كل عام أذهب خلفه، وأطوف مجلسه واضعًا نفسي بين المداد والقلم بحثًا عما خطه وجادت به نفسه علينا ووفقه الله فقدم.. وذلك لغاية في نفسي.
فصادفت كتابه الأخير "الوراق" وما بين الرغبة والرهبة شرعت فيه! ويا ليتني ما فعلت. أثقلني الرجل، وأوهن كاهلي، وحمّلني بحمولة تخور قواي إن حملتها، فإني ورب العباد ذهبت لأزداد من بين يديه حمل بعير، فذاك حِملُ علىٰ الظهر والعقل يسير، فكان خير المحسنين، فردني بعير مُحملة لا قبل لي بحملها، وكأنها عير "عمرو" لـ "عمر" في رمادته، فلا وسعني إدراكها، ولا جعلني أهنأ بما كنت أظنه خيرًا وعلمًا عندي. فرأيت سميني غثًا، وقد خطت يمينه ما لَقِف كل ما صنعت يداي وحسبته كثيرًا ثمينا.
جال في أروقة حياة رجل علَّامة، رجل ثَقْفٌ لَقْفٌ، وصاحب نَسخ وفهم ووصل، وكيف أنه ضرب به المثل في حالنا اليوم، ما بين تقدير لجهل وإظهار لرث، على حساب ثمين يُدفن وعلم ينام بين التراب لا يجد من ينفضه عنه. أرَّخ حياة (التوحيدي) من جديد فطاف بين نَسخه وجزيل لفظه وحرفة قوله، وعنفوان رده، وحدته، فقره، تعاسته، آماله ومعاناته. وقد أتقن حينما عرَّفنا كيف للأنيسة أن تُغير الفكرة، وتجري النعمة وترقى بالكلمة، فتجعل صلبها لينًا، وغثها سمينًا، وقويها جزيلًا لا جور فيه، كيف أن بلمسة حانية قد تتبدل الأيام والسنون، وينسى الإنسان كل ما جاءت به الدنيا عليه.
وعرض فترة من الدولة الإسلامية هُدمت فيها كل القيم، وطغت وبزغت فيها النقم، فظهر السيئ والأسوأ، والجاحد والمُشرك، رغم أنها لم تكن عن الخلافة الرشيدة القويمة ببعيد. فعرفنا أن الله لا يترك الناس إلا اختبرهم، فإن هم أدركوا وآمنوا واتقوا نجاهم، وإن هم تمردوا وتعاونوا مع الشيطان وجعلوا له نصيبًا منهم، سلط عليهم أنفسهم، وقطع أدبارهم وأوصالهم بأيديهم وجعل بأسهم على أنفسهم شديد وعلى الأعداء أهون ما يكون، لأنهم تركوا الله وعبدوا المال والجاه والسلطان، زهدوا الآخرة وطلبوا الدنيا.
عايشت (التوحيدي) في أحواله وفرحه، وضيقه وفقره، وحبه وأنسه بأنيسته، وصفاء روحه وانطلاق لسانه وقلمه، وعاينت حزنه وكدره وذهاب عقله لما فارقها وفارقت الدنيا وفرقوا بينهما، وكيف أن صوت بكاؤه قد وصلني.
وآلمت لنهايته، ونهاية علمه، وانقطاع عمله، وحرقه لكل ما خطت يديه وجادت به قريحته علينا.
وضاقت بي نفسي كلما نظرت ووعيت لكل ما يجري حولنا من امتهان لأصحاب العلم وإعلاء لأصحاب التَفَهِ واللعب.
ولعمري ما حاججت الرجل فيما كتب إلا لأنه سيجبرني ألا أقبل بأقل مما كتب، وأجاهد حتى أصل إلى جزء مما فعل، فكان حمل عليّ عظيم، ليس على الكتف يسير، وليُعني الله على ما حملت وفهمت ووعيت، ويجزيه الخير.
أما وقد ارتضيت حكمكم، فبالله خبروني أليس لي بحق عند الرجل؟"
* الورَّاق أبو حيان التوحيدي. * رواية . * للكاتب هشام عيد . * عدد صفحاتها ٢٣٥ صفحة . * صادرة عن دار الزيات للنشر والتوزيع.
💢 رحلة رائعة حملتنا فيها الحروف إلي عصر التناقضات، عصر تناثرت فيه درر الأدب وجواهرة على أعتاب من حاز الملك ولم يملك من العقل شئ، زمن المؤامرات والفتن، زمن ضل فيه العابد، وقُتل العالم، وبُغضت فيه كلمة الحق، حتى أصبح النطق بها أقصر الطرق إلي النطع والسيف، فانتشر البلاء، وعم الغلاء، واستحكمت الشدائد حتى بلغت القلوب الحناجر.. إنها دائرة التاريخ والعبرة والعظة لو كانوا يعقلون ..
💢 تخال مع أولى صفحات الكتاب أنك أمام لغة صعبة المنال، تحتاج إلى جهد جهيد لإدراك معانيها، ومع توالى الغوص في جميل اللفظ وبديع البيان، من محسن وبديع نظم واقتباس واستدلال، تذق لذة العودة لأصل اللغة العربية في أوج ازدهارها، تشعر المتعة في إعمال عقلك لتربط الأحداث، وتتابع العثرات والمسرات بين السطور الغنية، ومع بداية كل فصل تجد هدية من جميل إرثنا اللغوي العزيز تزينه وتحثك على المتابعة بكل الشغف ..
💢 جاء تسلسل الأحداث بطريقة سلسة، تنتقل بك بين مجالس في ظاهرها الإهتمام بالأدب، ويزدحم قرارها باللهو والمجون والبزخ في قصور الوزراء والحكام، لتجد النقيض حين تحملك الكلمات إلي قاع المجتمع، حيث يقتل من شهد الحق، ويلوك الفقر القلوب، ويشتت العقول، ويجبر العوام على أكل خشاش الأرض والحيوان وما خفى كان أعظم .. تتوالي الصراعات على عروش زائلة في مشارق الأرض ومغاربها، حيث اجتمع الأباطرة على مائدة التجبر والغي، على الرغم من إختلاف المذاهب والمعتقدات.. فقامت إمبراطوريات على أنقاض العامة، لتدور الدوائر وتنقض أعمدتها على رؤوس ذرية من بناها، حين أصبح بأسهم بينهم لا على أعدائهم ..
💢 وجاءت أنيسة لتنثر العطر بين صفحات حياة هذا المعذب في الأرض قبل لقاها، فصبغت حروفه بلون الشروق في محياها، وزرعت بين دفات كتبه اللين والجمال والأمان، الذي لم يؤمن يوماً بوجودها في هذا العالم حتى نال النعيم بين يديها، فتنزلت عليه ملائكة الكلم، فأنس لها، وخط بمداد من عشقها، حتي فجعته الأقدار بالغدر حيث آمن وتمني العطاء ورغد العيش بهناء، فكانت نهاية العهد بالحياة، فظل يأنس بأنيسته التي سكنت خياله، حتى ولو دخل القبر بعدها بعقود ..
💢 تقييمي للرواية.. أرشحها بالطبع للقراءة، مع وعد برحلة أدبية تاريخية شيقة تستحق التأمل ..
#الوراق #هشام_عيد بقلم يُحكم قبضته على المفردات، يتلاعب باللغة بمهارةٍ فائقة فلا تفريط ولا إفراط، لا تعالي أو تكلف، لا اصطناع ولا سفسطة، يسرد العربية نثراً وسجعاً وشعراً كموسيقى تُعزف من الجنة،يكتب الكاتب عن أبي حيان التوحيدي فيحيه من موات بعد قرون انشغلت عنه، يؤنسنا به سطوراً تتلوه حزناً وفقراً ويأسا، حباً وعشقاً وورداً حتى تتمنى حين الانتهاء ألا تنتهي بجهد غزير وقراءات عظمى يافعة نافعة يمسك الكاتب فرشاته فيصنع لوحة لعصر عباسي أحمراً قاني الحمرة دماً ومجوناً، يسطر الحكاية بسرد منمق لا يتخلله عور ولا يعتريه مللٌ فتستزيد كلما قلبت وتقشعر كلما قرأت "اكتب يا أبا حيان، اكتب ليعرف العالم أنك كنت هنا" اكتب ليأتي يوماً وراقٌ عظيمٌ يسردك لنا، تصحبه في نومه ويقظته، تمشط أفكاره كي يقرأك ويكتبك أعذب الكتابة، ينوء بحمله حتى تدركه الأوراق أو يهلك بين فقر مدقع مذلٍ لأعناق الرجال وقتلٍ ودمٍ ومؤامرات، بين الرضا بالله والقاهر بالله والمتقي لله أو كما قال الوراق"كلهم بالله وكلهم ظلمة"، بين الخنوع والعزة يسيرك وراق عظيم وسارد متمكن مختلف وكلي الاختلاف في أروقة القصور ودهاليز الحكام وأروقة الفقراء ببلاغة لا كلفة فيها، بوراق غريب عجز عن تكوين أي ضرب من ضروب الألفة وفشل في التغلب على الوحشة ويئس واعتاد فصارت غربته غربة من لا سبيل له إلى الأوطان ولا طاقة به على الاستيطان ، هذا الوراق الذي تراه رجلاً مغايراً تماماً حين يعشق ويأتنس، حين يألف ويحب، حين يُسكن ويَسكن فتبكي معه وتذرف دمعة بكماء على قبر حبيبته ودموعاً أغزر حين فراقه، هذا الوراق مسروداً بجهد وبلاغة وسلاسة ويسر وعسر وحب وألم، يقولون جميعا أنك عرفت سارده أديباً مهيباً والآن هو الأديب، هو الأديب....
_كتبي يا أبا سعيد، وجودي الذي أذوب في وجوده. لا حقيقة لي إلا ما أكتب. _ اكتب يا أبا حيان. اكتب حتى تنتظم روحك، اكتب حتى يعرف العالم أنك كنت هنا. يقولون أن ابن حزم الظاهري لم يحج فجاء من حج عنه بعد ألف عام، وسيقولون غير آجل أن أبا حيان التوحيدي وراق قديم بدرجة فيلسوف لم ينصفه أهل زمانه، جاء وراق جديد بدرجة أديب _ اسمه هشام عيد - بعد ألف عام من وفاته أو تزيد ووضع له كتابا في قالب روائي، أخرجه به من بين دفات الكتب وأنزله من فوق أرفف المكتبات ليمنحه حياة أخرى بين ظهرانينا ربما ننصفه. هذه أسرع رواية أعيد قراءتها، فقد التهمتها التهام النهم في أقل من ١٨ ساعة تتخللها شئون الحياة، وربما لو كان رحلتي بالقطار من القاهرة إلى طنطا _حيث بدأت القراءة _ طالت حتى الإسكندرية مثلا لأتيت عليها قبل أن أصل سيدي جابر. فكرت أن أكتب مراجعتي فور الانتهاء ومشاعري نحوها وانطباعاتي طازجة، لكن نفسي حدثتني أني لم أشبع بعد، فلنعد الكرة إذن على أن نمضغ على مهل . نقف أمام كل مفردة ونتأمل كل عبارة ونعرض كل شخصية من الشخصيات على الذاكرة ثم على محرك البحث في محاولة لإعادة قراءة الشخصيات بعيني الوراقيّن : أبي حيان وهشام. تلك الرحلة الماتعة التي همت في نصفها الأول بأبي سعيد السيرافي، المعلم والصديق والداعم، وفي نصفها الثاني بأنيسة الزوجة والصاحبة والحبيبة التي منحت الألوان والبهجة لتلك الروح المستوحشة أبدا . وللعجب ضقت زرعا بشكاية أبي حيان، يا لتعس الرجل، حتى نحن يا أبا ميتان! لا أجد عنوانا لتلك المراجعة أنسب من (التماهي). والتماهي في أبسط معانيه اللغوية والنفسية هو الذوبان في الآخر. والحقيقة أن روايتنا هذه هي متلازمة تماه متعدد الأبعاد: التماهي اللغوي: اللغة في أدب هشام عيد هي البطل الأول، دائما وأبدا. نثر بروح الشعر ، يمنحها صدق إخلاصه فتمنحه أسرارها. الحالة في (الوراق) شديدة الدقة ، هذه رواية بطلها رجل لم يختلف مادحوه وقادحوه على عبقرية لفظه وتمكن لغته، حتى قال بعض الباحثين عن تصوفه أنه تصوف لغوي. هذه رواية زمانها هو القرن الرابع الهجري تكتب بفارق ألف ومئة عام عن ذلك الزمان، مطلوب من كاتبها أن يسردها بلغة تناسب زمانها ولا تستغلق على قارئ زماننا . السرد فيها بين اثنين: لسان أبي حيان وخواطره مخاطبا بها أبي سعيد السيرافي أو أنيسته أو نفسه والقارئ، وراو عليم في منطقة رمادية بين أبي حيان وهشام عيد، سرد من زاوية صعبة يجاهد فيه لعرض الوقائع دون إخلال بالروح الذي افترضها للنص. وإنه لجهد مبذول يدركه القارئ المدقق في اختيار الفقرات المناسبة للاقتباس من بين كتب أبي حيان ومؤرخيه ثم جهد أكبر لمحاكاتها ، حتى تعييك التفرقة أحيانا بين ماهو للمؤلف وما هو منقول. كل المفردات الغريبة التي ربما يصادفها القارئ للمرة الأولى لم تعق الفهم والاسترسال في القراءة أو الاستمتاع بتطور الأحداث. اقتباسات شديدة الملاءمة في مطلع كل فصل . افتتاحية فخمة ثقيلة تليق برواية عن وراق يقاضيه أحدهم في (حرف) . وكأن المؤلف يحتفي باللغة بطريقته، وربما لو لم يلفت الأستاذ هشام نفسه نظري لبعض من توقفوا بعد الصفحة العشرين لما راجعت موقفي في شأن الافتتاحية . هذه افتتاحية للخاصة ، بل خاصة الخاصة .فما بال القارئ الملول، غير المهتم باللغة، غير المغرم بالنحو والتفسير وأسرار اللغة ؟ ما يدفعه لإكمال القراءة وما يجذبه ليعرف ماذا سيحدث بعد؟ لنتخيل افتتاحيات بديلة كحلم الصياد الديلمي أبي شجاع بخوذات ذهبية ثلاث تتمثل في صور بنيه. بداية الملوك وقصص وصولهم شديدة الجذب للقارئ. أو كمشهد القرمطي طاهر الجنابي يلوح بسيفه فوق الكعبة وقد ردم زمزم بجثث الحجيج واقتلع الحجر الأسود من مكانه ووقف يهتف: أنا لله وبالله أنا. يخلق الخلق وأفنيهم أنا. أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل ؟ أين بطشك الشديد ؟ أنا من يبدئ ويعيد، أنا من يقتل ويبيد. الافتتاحية الصادمة المريعة أجذب للقارئ الملول. وعلى ذكر اللغة، اسثقلت تكرار ثم في جملة (أوهمه أخوه سعدون بتنفيذ أمره ثم أطلق سبيل المنجم. ثم عاد ليجده ميتا) ص ٥٢. وأظن أننا بحاجة لفاصلة تلي أهوج في جملة ( كان أهوج سفاكا للدماء ) ليستقيم السمع على غير التنوين بالفتح . ص ٨٤. ومثلها بعد أهوج في جملة (لكنه لم يزل أهوج مغرما بالصيد) ص ١٦٧. ولأهل اللغة حق المراجعة فإنما رأي اجتهاد. أما أغرب لفظة استوقفتني فكانت اسم الفاعل : بله التماهي مع الأبطال: أديب أريب في زمان لا ينصف الأدباء إذا فكر أن يبث شجونه ويطلق العنان لخلجات نفسه هل سيجد خيرا من أبي حيان التوحيدي الذي قالوا عنه أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، تجاهله أهل زمانه وانقسم حوله مؤرخوه، هل يجد خيرا منه بطلا يتماهى معه بالكلية حتى لا تفرق كقارئ بين مواجع الرجلين؟! تلك اقتباسات من الرواية توضح ما قصدت : (أما آن للمعذب أن يكتب للكتابة دون غيرها؟ أما آن للمرء أن يصل إلى مكانة يصفو فيها لجمع ما وعاه ذهنه؟ لا لشيء إلا لمتعة الكتابة؟ ) (الموت ألا تجد من يقرؤك. للكتابة لذة غير منكورة، لكنها ذات وجهين، لا يغني وجهه عن وجه.) (وكانت الكلمة الحسناء أبهى عندي من الجميلة العذراء، والمعنى المقوم أحب إلي من المال المكوم.) وكذا يفعل الكاتب مع باقي أبطاله فتجده يطيل الغزل في خط ابن مقلة (ثم بدأ يخط أمامنا بالثلث، فكأنما أتى بسحر عظيم. كان في الخط نبيا) تستشعر مع كل شخصية طول الوقت الذي أنفق في جمع ما يتعلق بها من بين سطور الكتب والجهد المبذول في معايشتها حتى تنجلي حقيقتها. والكاتب صاحب صنعة مجيد يرى مقام شخوصه من مقام ما أجادوا من صناعات، حقيقة مجدهم وفناء أعمارهم في أعمالهم. فابن مقلة ليس الرجل الذي استوزره بنو بويه ثلاثا ثم انتهى أمره مقتولا مقطوع اليد واللسان، بل شيخ الخط وإمام الصنعة. مخترع الثلث والنسخ وجامع خطوط العربية في الست التي يعرفها الناس إلى يومنا، ولا يعرفون صاحب الفضل فيها. لأن حكايات الوزراء أشد جذبا من حكايات العلماء. وهنا سحر الروايات التي تحيل سطورا في كتب التاريخ يمر عليها القارئ مرور الكرام إلى شخوص من لحم ودم. تعايش حقيقتهم وأحلامهم ومآسيهم. وهل حقيقة للإنسان أصدق من عمله؟ ويؤيد ذلك أنه جعل من كتب أبي حيان أبطالا يعنون بهم فصول روايته ويجعل من رحلة كتابتهم حكايات ترو. يكتب عن أبي سعيد السيرافي النحوي (الوراق المتعفف الذي لم يكن يأكل إلا من عمل يده، ولم يأخذ عن القضاء أجرا، الفقيه الذي ولد بفارس وافقه في عمان وسار بين الناس بالعمل والورع). ذاك الذي لم يكن يخرج من داره قبل أن يكتب عشر ورقات. وعن أبي الوفاء البوزجاني الرياضي والفلكي _والذي اكتشفت بالبحث أنه مؤسس من مؤسسي علم حساب المثلثات وأول من عرف دالة التماس (ظا ) _ فتمتلئ نفسك تقديرا له. كل من ذكروا في الرواية وجدتهم في كتب التاريخ إلا أنيسة، تلك التي آنست الرواية وأوجعتنا بفراقها حد البكاء. وبث الكاتب من خلال قصتها كل مواجع التاريخ حول السبي والرق ومآسي العبيد والإماء. وكما تماهى الكاتب مع شخوصه تماهى مع مهنهم تماه الملم بتفاصيلها، البازل جهدا في سبر أغوارها. يتحدث عن الصيد فتظنه صيادا ، عن الوراقة فتظنه وراقا، عن الخط فتظنه خطاطا، عن الجواهر فتظنه جواهرجي. أما ما توقعته ولم أجده ففصلا عن المتنبي. فهذا زمانه وتلك أيامه . الشاعر الذي طوقت شهرته الآفاق، اشتهر بمدح بني حمدان واشتهروا به، الأعداء الألد لبني بويه ثم انتهى به الحال مادحا عضد الدولة البويهي. جاء ذكره في الرواية عرضا في ثلاث مواضع. لا أدري إن كانت كتب التاريخ قد ذكرت تقاطع خطوط أبي حيان والمتبني، لكن ظننت الكاتب يفعل ربما أسوة بما فعل تجاه الحلاج. سؤال ألح علي: لماذا صنف الوزير المهلبي نفسه من الفرس في محاورته مع أبي حيان ؟ أليس المهلبي هذا ينتهي إلي المهلب بن أبي صفرة الأزدي؟ والأزد من العرب! التماهي الزمني: رجل يعيش نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين الميلاديين هل يجد خيرا من العصر العباسي الثاني قرينا لزمانه؟ يجد في وصف مثالبه تنفيثا عن نقمته/نقمتنا على عصرنا. وفي أي حقبة ؟ أشدها سوادا ،زمن بني بويه. عصر الجواري والغلمان، القيان والخصيان، الغليمات والقهرمانات. عصر العهر والمجون والجنون. عصر الذعار والدعار . عصر الظلم والدماء والفقر والبلاء. عصر الإلحاد والزندقة، الهرطقة والطائفية والمذهبية والباطنية. حتى إنك لتعجب وأنت تبحث في من اشتهر من المجان فتجدهم جماعات من الوزراء والقضاء والأدباء والفقهاء اتخذوا المجون مذهبا بلغوا فيه فوق ما يصل خيالك وعدوه ظرفا وتباهيا. أو ليس هذا عين ما يحدث في زماننا؟ لم يعتمد الكاتب التسلسل الزمني للأحداث ورغم ذلك_ في رأي _ كان من الأفضل أن يسبق فصل (أمير الأمراء) حتى صفحة ٨٦ _حيث نهاية عصر المتوكل_ فصل (السيدة شغب) ثم ترفق صفحتي ٨٧ و٨٨ _ حيث مبايعة المتقي _ بالفصل اللاحق (الدرة اليتيمة) . لكي لا يختلط الأمر على القارئ غير الملم بتفاصيل الأحداث التاريخية وتسلسلها . كما أرجو _في الطبعات التالية_ للرواية أن يرفق بها شجرة تسلسل الخلفاء العباسيين، تيسيرا على القارئ في متابعة الأحداث ف (كلهم بالله يا أبا سعيد وكلهم ظلمة) كما جاء على لسان أبي حيان. أول ما حاك في نفسي أثناء القراءة الأولى الخلط بين المعتز بالله وابنه عبدالله بن المعتز في فصل (السيدة شغب)، فالذي تولى الخلافة إثر الانقلاب على المقتدر هو عبدالله بن المعتز الشاعر صاحب البديع وكان لقبه المرتضي بالله، ثم غلب عليه لقب (خليفة اليوم والليلة) وحكايته شهيرة لاشتهار شعره. بالمراجعة وجدت خلطا آخرا، حيث ذكر (طلحة) كعم للمعتضد وهو طبقا لابن كثير في البداية والنهاية أبوه، وكان كما وصف حكيما مسيطرا لكن في زمان الخليفة المعتمد وهي فترة حكم طويلة نوعا حوالي ٢٣ عاما ، أسقطها المؤلف من تسلسل الخلفاء كما أغفل ذكر ولاية المكتفي بالله الخليفة السابق للمقتدر بالله وأخوه. ولا أدري هل كان هذا التحريف متعمدا ليستقيم البناء الدرامي لحكاية شغب وخادمها مؤنس؟ أم أنه اعتمد مصدرا تاريخيا غير شائع؟ والأدب في المجمل غير ملزم بتحري الدقة التاريخية وإن كنت أرى ذلك أولى. تماه القارئ: ذروة استمتاع القارئ بالرواية في مذهبي أن يتماهى معها كأنه من كتبها، ومبلغ الكشف أن يصل لما يظنه مولد الفكرة في رأس الكاتب . ومولد فكرة الوراق _كما أتمنى أن يكون توقعي صحيحا_ هو كتاب الإمتاع والمؤانسة. عنده بدأت الفكرة (والسعيد من رزق بفكرة)، رواية عن أبي حيان التوحيدي. رجل أول سطر في ترجمته قلة المتاح عن حياته إذ أنه أحرق كتبه ولم يلق اهتماما من أهل زمانه. ثغرات تتيح للكاتب أن يطلق العنان لخياله (إنما الأدب صنعة يا أبا سعيد، لو خلت من الخيال لجف، ولو خلا من الواقع لخف) وعلى مذهب (التلفيق والتوفيق بين الحدثان والميل إلى البيان واعتبار البداعة ضربا من ضروب البلاغة والبيان لا من أبواب الكذب والبهتان ) نمت الفكرة وكبرت . أول الثغرات ما جاء في مقدمة لجنة (التأليف والترجمة) حيث ذكر أحمد أمين مطولا بحثهم الدوؤب للوقوف على سبب كتابة ( الإمتاع والمؤانسة) واسم الوزير صاحب الليالي. تلك مؤانسة تليق بأنثى لا بوزير . لكن الرجل لم تعرف له زوجة ولا صاحبة حتى بلغ الأمر بأحمد أمين أن أرجع وحشته ووحدته وحدة مزاجه إلى كبته الجنسي إذ حال الفقر بينه وبين الزواج أو حتى التسري وإن عارضه في رأيه آخرون . الإمتاع أكمل أعمال الرجل فلتكن حكايته استثناء كما كانت قيمته. بقيت الأنثى/الاستثناء، عبارة في كتاب تاريخ عن جارية مناولة في دار كتب. لا أفضل من تلك صنوا لكاتب، أي اسم يكون لها ؟ وهل هناك غيره؟ أنيسة من المؤانسة. لتنقلب الآية ويصبح التلفيق أبلغ فيستمد الك��اب اسمه من اسمها. وهذا مبلغ ما شطح به خيالي كقارئة في تصور رحلة كتابة رواية. لا أجد ختاما لمراجعتي خيرا من كلمات هشام عيد نفسه: (هنا رجل أفنى عمره من أجل الكتابة، وأحرق زيت قنديله في الوراقة.. عاد باحثا عن لحظة اطمئنان بين يدي قارئ صبور) دعاء سيف الجمعة ١٩ /٥ / ٢٠٢٣
الكتاب: الوراق- أبو حيّان التوحيدي- النوع: رواية الكاتب: هشام عيد عدد الصفحات: 235 الناشر: دار الزيات للنشر والتوزيع سنة النشر: 2022 " حي وإن مات ذو علم وذو ورع ما مات عبد قضى من ذاك أوطارا لله عصبة أهل العلم إن لهم فضلا على الناس غُيابا وحضارا" -أفلح بن عبد الوهاب بن رستم أن تقرأ آخر كلمة في آخر سطر في كتاب فتجد أنك ترغب في المزيد. هذا ما انتابني وأنا أقرأ رواية " الوراق، فدونت لحظتها ما شعرت به: " لم أكتف ولم أرغب في أن تنتهي، هل حقا وصلت إلى الصفحة الأخيرة؟ ". فوجدتُني أعود إلى البداية لأقرأ الرواية من جديد حتى أنهيتها. ومراجعتي هذه لا تفيها حقها، فاللغة جميلة والسرد ماتع والأسلوب شيق ينتقل بك بين الأحداث بتسلسل واتساق، وما يقدمه النص من درر كثير، والشخصيات رغم تعددها لكنك لن تتوه بينها، فهي ستحرك مشاعرك فمنها من ستبغض ومن ستحب ومن ستحترم، وستسلب" أنيسة" لُبك. للعلم أهله وللرغبة في الوصول إلى الحكم أهلها، فماذا يحدث عند إلتقاءهما، فـ" هذا ما كان من أمر بني بويه وأبي حيّان... " في هذه الرواية يتحدث الكاتب هشام عيد عن علي بن محمد العباس البغدادي المعروف بأبي حيّان التوحيدي وما عايشه في ظل تفكك الدولة العباسية وظهور الدولة البويهية والقرامطة بدايتهم ونهايتهم: " قاتل الله بني بويه ومن والاهم، ملعونون أينما وجدوا، بدأ ملكهم بثلاثة أبناء وهاهو ينتهي بثلاثة أبناء... " ص228، " صمصام الدولة؟ أَعلِم أن أخاه عذبه وسمل عينيه ثم صلبه" ص232 لم تك حياة ابن حيّان بمنئ عن هذا الصراع الحاصل آنذاك وأثره عليه، وهو الذي لم يعرف ترف العيش ذات يوم فكانت حياته كلها تحت وطأة الفقر ويصور لنا الكاتب هذا من خلال قول ابن حيّان في بداية ووسط ونهاية الرواية: " إلى متى الكسيرة اليابسة والبقيلة الذاوية والقميص المرقع.. "، وكذلك قوله:" فخلصني-أيها الرجل- من التكفف الفاضح بين الخاصة والعامة" ص71، " لحى الله الفقر.. "،" لحى الله الجوع.. " وهذا رغم اشتغاله بالنسخ مع روعة فنه وغزارة علمه: " ما أردنا أن نستنسخك كتبنا إلا لاعتزازنا بفنك وحسن تعهدك وبراعتك. "،" لا تحرق شيئا.. دعها لينتفع بها الناس. "لكنه مع ذلك كان يذم حرفته ويتمنى لو اختار غيرها فاكتسب قوت يومه؛" لو كنت صباغا أو دباغا أو قصابا لكانت حياتي أيسر منها بكثير الآن. "،" منحت الكتابة كل شيء وما منحتني شيئا. "،" ما تركت حرفة الشؤم إلا بعد أن كَلَّ بصري. "حتى بلغ به اليأس مبلغه فعمد إلى حرق كتبه وما وصلنا إلا ما نجا منها، وهذا جعلني أتساءل:" لو أن أبا حيّان عاش في زمن غير الذي عاش فيه هل كان ليقدم على حرقها؟ هل كان ليلقى التقدير الذي يليق به؟ وكم ستكون المكتبة العربية زاخرة بأعماله! ".." أكتب يا أبا حيّان، أكتب ليعرف العالم أنك كنت هنا. " هذه الرواية تستحق القراءة ليس لمرة واحدة بل لمرات كما تستحق اكثر من 5 نجوم ⭐⭐⭐⭐⭐ فأنا حقا لا أستطيع ابقاءها بعيدة عني، ففي كل مرة أعود لأقرأ مقتطفات منها. لا تثير كل أغلفة الكتب إعجابي، القليل منها يفعل ذلك وغلاف رواية الوراق من بينهم، فرغم بساطته إلا أن النظر إليه وحده ممتع. اقتباسات: " العلم مكسوب، توخيه مطلوب، وليس الحق مختلف في نفسه، ولكن الناظرين إليه اقتسموا زوايا رؤيته" " القبر أهون من الفقر، إحساس الإنسان الألم الذي يعتريه أشد من إحساسه عافية تكون فيه... " " لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ.. " " زلة الجاهل تُغمر، أما زلة العالم فلا تُطمر" " الفلسفة حق لكنها ليست من الشريعة في شيء، والشريعة حق لكنها ليست من الفلسفة في شيء، فالدين لم يأت لشرح النظريات العلمية، وإنما لشرح العلاقة بين العبد وربه، أما الفلسفة فإنها تفسر الكون وقوانينه الطبيعية ولم تأت لتفسير الأمور الغيبية والعاقل يتحلى بالدين والفلسفة في مكانين على حالين مختلفين، فيكون بالدين متقربا إلى الله، ويكون بالحكمة متصفحا لقدرته. " " الفلسفة مأخوذة عن العقل والعقل قاصر، أما الدين فمأخوذ من الوحي الوارد من علام الغيوب، فينبغي للعاقل التوقف عما اغمض والتوسع فيما أشرق. "
خواطر حول رواية " الوراق" للكاتب هشام عيد: ............ كنت قد قرأت نصف الكتاب حين ألحت عليّ نفسي بضرورة لقاء الأستاذ هشام عيد والحصول على توقيعه وكانت المرة الأولى لي التي أسعى فيها إلى توقيع كاتب، وأخشى أن أفيض في مدحه فإني أخاف أن يؤذيه المدح.. وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وإنما سأكتفي بالعبارة التي قالها ورّاقُه : " لا يحسنُ التواضعَ إلا كبارُ الناس" . ولقد طلب الأستاذ هشام مني نقدا وكنت أصغر كثيرا من كتابة نقد.. فبدون أي مجاملة لم أشعر بالملل ولا بصعوبة اللغة واستمتعت بالشخصيات وغصت فيها إلى أُذنيّ.. وحتى الألفاظ القديمة التي ربما لم أعرف معناها بدقة فقد وصلني معناها من السياق ولم تعق فهمي للأحداث، وإنني لأتخيل المجهود الذي سبق هذا الفتح فأقول: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". هذا كتابٌ يُرتَشفُ على مَهَل، يليق بأن يُستَمَعُ كما تُستَمعُ القصائد، يُتلذَّذُ به كالخمر الحلال لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون. الكتاب يمزج بين سيرة الوراق، الفيلسوف الأديب أبو حيان التوحيدي، والأحداث التاريخية المصاحبة لحياته في القرن الرابع الهجري، فيما أسمي بالعصر العباسي الثاني، وهو العصر الذي نسب للعباسيين وكان عارا عليهم وكانوا عارا عليه، وعن زمن بني بويه الذين كانوا يحكمون فعليا تحت اسم الخليفة الذي لا ناقة له في الحكم ولا جمل، وتلك كانت سمة ذلك العصر إذ كانت الخلافة اسما بلا مسمى. زمن بني بويه، زمن البدع والظلم الفاحش والبطش الذي اتهمتُ -ذات مرة- عصور الاحتلال ظلما باختراعه، حين يحلم سفلة الناس باستعادة أمجاد لم تبن سابقا إلا على العظام والأشلاء. عصر اختفى في تلك الفصول الكئيبة من كتب التاريخ، تلك الفصول التي لا نحب أن نقرأها سوى مرة واحدة، والتي اكتفت كتب المدرسة في ذكرها بسطرين. كل ذلك في قصة بديعة خالية من الإملال. يحدثنا بلغة كالشهد عن عصر مقذع المرارة. وعلى مدار الكتاب لم أشعر بأبي حيان إلا كما شعرت بنا، الذين تلبسهم عفريت الكتابة في زمن الفتن وتدحرج الناس على تلال البلاء والغلاء والظلم الكاسح " لحى الله الفقرَ؛ فإنه جالب الطمع والمذلة، وكاسب الجشع والهوان، مُلوِّنُ الأدب بلون الشحذ والضراعة والاستعطاف، وهو الحائل بين المرء ودينه، والسد بين الروءة وعزة النفس". وما زلت تكتب يا أبا حيان! "اكتب تنتظم روحك، اكتب حتى يعرف العالم أنك كنت هنا." ممرور من الدنيا مثلنا، لو كنت منافقا لما كانت هذه حالك. تلطمك الأقدار ولا تكاد تسقط حتى تهمس " إن بي شوقاً إلى الكتابة يهزمُ عصفَ الريحِ وجوعي وضآلة قدري" " كتبي يا أبا سعيد وجودي الذي أذوب في وجوده، لا حقيقة لي إلا ما أكتب." " القلم أصم ولكنه يسمع النجوى، أبكم ولكنه يفصح عن الفحوى" " الورد يرغب فيمن يشمه، الموت ألا تجد من يقرؤك". ولكن يا أبا حيان.." المكدودون لا يعبؤون بالوراقة ولا الكتب.. هل يبحث عن كتابٍ من لا يملك قوت يومه؟!" كم شابهتنا يا أبا حيان! " أنا روحٌ مضطربةٌ في زمانٍ مضطرب".. كم كنت نزقاً يضيق صدرك عن الأخطاء.. استكثروا عليك الاعتراض وقول ما في رأسك، وكان الحق الوحيد الذي طالبت به كاملاً، ورضيت فيما بقى "باللقيمة اليابسة و البقلة الذاوية". أنيسة! كم لمست قلبي يا أنيسة النسخ! وأعجب كيف بدّلتِ ذلك الوراق الكئيب، وكيف أضاء هذا الكتاب بين يديّ بعد فصول من الإظلام. تمثال من حبر نُفِخَ فيه فصارت طيرا بإذن الله، الشخصية التي تتحول من حروف إلى طيف أبيض رقيق يسير حولك. شغلت فصلين من الكتاب، وشغلت قلبي وقلب الوراق أكثر وأعمق، وعرفتُ " كيف هيّمَت ليلى مجنونَ أبي عامر".. تستحقين عشق ذلك الوراق الغامض.. " ليبقى عشقُنا سرا لم يعرف العالم مثله." .
كيف الحديث عن نص، رواية، عمل، رائعة رأيتها وهي أسطر ثم صفحة ثم صفحات ففصولًا ورواية كاملة؟ لقد كانت بمثابة جنينًا فوليدًا فطفلاً ففتى فشابًا شديد الفطنة والبهاء. بئر لا قرار له.. نهر لا ينضب.. مغارة لا تنتهي كنوزها.. لقد تماهي #هشام_عيد وأبو حيان فكان #الوراق، كلما قرأت سطر تخايلت وتسائلت، مَن المتكلم؟ لقد ذاب #هشام_عيد قلبًا وقالبًا ووريد ودماء وأفكار وخلجات نفس ونبضات قلب فكان هو، أنني أمام رواية لا أدري كيف أصنفها؟ تاريخية فهي تحوي حقبة ملأى بالأحداث والمعارك والمؤامرات والدسائس التي تحاك وراء الستائر، سياسية من الدرجة الأولي فهي تروي ماذا تفعل السلطة وكرسيها بكل جالس على عرشها، أم هي اجتماعية فهي ناطقة بحال كل عربي في شتى بقاع الأرض بكل زمان. رواية تروي وتسرد حياة كل من اتخذ القلم صوت ومنبر وحياة فهي تروي معاناة المغرد خارج السرب المغترب بأرضه وبنفسه، أم هي أنشودة الحب عندما يصبح شخصان روح واحدة وبسمة تقتسم على شفتين وغريب يجد المؤانسة والوطن بعد طول جدب وعناء فيكون رشفة الماء بل نهر عذب زلال. #رواية_تاريخية فهي تشمل كل مناحي الحياة، فالتاريخ يعيد نفسه فتجد العبرة، الحكمة، حال اليوم الذي يشبه الأمس، إجابة تساؤلاتك وربما المؤانسة، والأهم تجد نفسك بين طيات رواية حوت كل شيء، وكلما قرأتها وجدت أن ما حويته منها نقطة من بحر. وهي سيرة #أبو_حيان_التوحيدي الباحث عن المثالة في ظل انتشار الغث والسفه، أم تلك الأنثى الوافرة الذكاء والحنان والحسن والنبالة #أنيسة النُّسخ، المفرقة بين جيدها وسيئها بنظرة، أم هذا الصديق الذي تعسًا للعالم لولم تكن فيه صداقته، أما هي محض خيال أديب يملك من نفيس الحرف وتلبس شخوص رواياته ما يجعلهم يحيون من جديد بسن قلمه؟ لقد وضع مفتاح رائعته أمامك: "إنما الأدب صنعة يا أبا سعيد، لو خلا من الخيال لجف، ولو خلا من الواقع لخفّ." وهذا ما فعل هنا أنت أمام الحقائق التاريخية معانقة خيال الأديب الأريب داهية عصره، ماذا أقول لقد ذكر القهرمانات بتاريخهن ودسائسهن وجبروتهن ونهاياتهن الدامي منها والزاهي. حتى النقاشات شمل أسطر العمل النقاشات كما يجب أن تكون هاجم الرأي لا الشخص هجوم على أسس وعلم ووجهة نظر لا هجوم للهجوم والمشاغبة:
"تكلم الشيخان فأحسنا الكلام، وبيّنا فأبدعا البيان. تركهما أبو سليمان يتحاوران ويتناوران من دون تصحيح أو ترجيح. ألزم الحضور بالتوقف عن التعضيد والتأييد، بالتصريح أو التلميح. أشرف بنفسه على ترك المجال لكل منهما لإظهار حجته، وتفصيل مقالته، مع الحرص الشديد على تحديد لفظه، وتوقير خصمه واستيعاب قوله، ومناقشة الحجة لا المُحاج، وعدم التعرُّض لصاحبها بالتسفيه أو اللجاج."
الحب العظيم والفقد الأعظم، الفردوس الذي ضرب صحاري مترامية الأطراف، لينقلب إلى شجن يمس القلب هذا المس المزلزل، لتجد بين أسطر السرد نثر بل شعر يزيد هذا التاج الإبداعي جواهرًا أكثر تميزًا: "صدقوا وما كذبوا، الحياة لا تطيب بغير حبيب. اكتب اكتب. - سأكتب لكِ، وأعدك أني سأنثر في سطوري اللؤلؤ والمرجان، والعقيق والعقيان، وهكذا يكون عمل من طبَّ لمن حبَّ. - أتعبني الترحال يا أبا حيَّان، أسأل الله أن يكون بيتك هذا مأواي. - صفا لي زماني بعد هجر وجفوة. هو بيتك وأنا خادمك. ضمَّتني إلى صدرها برفق، حمدت الله بين يديها، حمدًا قلّما عهدته في نفسي، حمد المُنعم بالحلواء والسراء، لا حمد الصابر على الضراء."
"سيعرف قبرها قلبي. ستنبت حوله أشجار زيتون وتُورق زهرة الليلك. سأسكب دمعة بكماء من عيني، وأنزف حرقة خرساء من قلبي. سأتبَع وقع أحزاني فأعرفه، سأسمع صوتها الباقي على جدران حائطنا. سأبصر أثر عينيك. سوف أجدك. ليس لمثل أثرك أن يضيع، سأسمع الصوت لا محالة." "السير في الصحراء يُجبر الناس على البوح، ويُجبر الحادي على الغناء، ويُجبر الإبل على الجدّ في الوصل. الصحراء ألم جاف يا أنيسة. أخبرته عنك الكثير. فاضت دموع الرجل حين ذكرتُ له كيف انتهينا. وكما تُجبر الصحراء الرجال على البوح، يُجبرهم الدمع على التوقف عن الكلام. حقدتُ عليه لأنه بكى، هذه دموعي أنا فكيف تبكيها؟ هذه أنيستي أنا فكيف يأخذك لذكرها استعبار؟ هذا ما وقر بقلبك حين استمعت، فكيف بمن رآها وسكن إليها؟"
"دخلتُ داري فلم أجدك. معتمة كما يليق بدار يائسة، لألاؤها مطفوء. رقاع متناثرة وأوانٍ ملقاة وغطاء رأس، أثر قدمين زاحفتين نحو الباب، أعرفهما جيدًا، كبيرتين كقدميّ. الكتب التي رتبتها بيديك كما هي، نُسخي في ركن خاص. صنعت من الفقر ثراءً باذخًا. نسج التراب والعنكبوت عليها دثارًا فصانك داخلها. لم يبق إلا أن تبيض حمامتان. اللهم عفوك."
"زارني ابن أبي سعيد السيرافي. واساني فأحسن المواساة. ضممته بين باعيّ وقبلتُ رأسه. ظننتك خلف الباب حين رأيتُه، قلتُ لعلّه عاد بك، لكنه بكى. كأنك متّ مرة أخرى. كأني متُّ مرة أخرى. دعا لك فأحسن الدعاء. عزائي أنك في مكان أفضل. ليس هناك وزير يتجهم فيقتلك، ولا ملك يأتيه الله الملك فيقطع رأس أبيك. ما كان هذا الوقت وقتك يا نبيلة، هذا زمان وحشي لا يليق بمن يأكلون الزيتون بهذه الطريقة، ويُمتعون الأليف بهذه الكفاية، ويعرفون الكتب من دون أن يقرؤوا العنوان، ويجعلون الدار البائسة قطعة من الجنان."
"لمن نكتب يا أبا سعيد؟ ذلك هو السؤال. فإن كان للناس، فلا تنتظر ممن لا يملك طعام بطنه أن يملأ عقله، بله إن الكاتب نفسه مسغوب. وإن كان للأمراء، فلن يتحقق لغير مريقٍ ماء وجهه مطلوبٌ. وإن كان لأنفسنا، فذاك أفضل مرغوب وأحب محبوب، لكن الورد يرغب فيمن يشمه، الموت ألا تجد من يقرؤك. للكتابة لذة غير منكورة، لكنّها ذات وجهين، لا يغني وجه عن وجه. أظنه سؤالًا سيبقى بلا إجابة قاطعة، لمن يكتب الكاتب؟ انفِ الجواب المتعلق بالأمراء والوزراء لأننا في زمن بني بويه، زمن العجمة والجهلاء."
وها هو اقتباس تقف أمامه طويلًا، هذا سؤال أبو حيان أم كل من اتخذ من القلم حرفة أو صوت؟ وهذا حال الناس زمن أبو حيان أم حال الناس في كل زمان؟
"بدأ يخطُّ أمامنا بالثُّلث، فكأنما ألقى عصاه لتلقف ما كنَّا نأفك، أتى بسحر عظيم. الحروف تسري بين يديه كالمهر المروَّض. الحبر ينساب على الورق فرحًا متهلِّلًا، بالقدر الذي يبتغيه، فكأنما الحروف تبسم عن ثغور مفلَّجة، أو تضحك عن رياض مدبَّجة."
وهذا الاقتباس أجده يصف كتابة الوراق #هشام_عيد لا خط ابن مقلة فقط، نحن أمام رواية تاريخية سيقارن الروايات ما قبلها وما بعدها، فهي خطت درب وأسلوبًا جديدًا في كتابة الرواية التاريخية، والخروج بها من درب الجفاف والمعلوماتية المفرطة في بعض الأحيان، إلى مروج أكثر رحابة واتساعًا من السرد النثري والقصة الأخذة بتلابيب عقل وقلب القارئ، ليتوحد ويتفاعل معها فينتقل من مقعد التلميذ الذي يُلقن إلى مقعد المتفرج، بل المشارك بالحدث إنفعاليًا ووجدانيًا. اللغة هي لغة هذا العصر الفائت ولكنها مفهومة واضحة لنا حتى الألفاظ الجديدة لأعيننا وأذاننا باح وضعها في الجملة بمعناها دون مشقة، الاقتباسات السابقة كل فصل جمالًا فوق الجمال، الغلاف بلونه القاتم ووجه أبو حيان الناطق بكل شيء، وألف كلمة الوراق الذي على شكل ريشة منغمسة ومخضبة بالحبر. لذا فما بين اسقني حزنًا، الزنبيل، المقابسات، القرامطة، ابن مقلة وآه من ابن مقلة، الهوامل والشوامل، قشر الفستق، الحبر، والقلم، شطارة فسق، أنيسة، المهلبي، أنيسة النُّسخ، أبو الفتح ابن العميد، الصداقة والصديق، ابن سعدان، إليكِ، أجدني أمام دستور حياة بل هي الحياة بمحنها وإنفراجها وتقلبات فصولها وصولًا للحظة النهاية وخلاصة هذا المشوار الطويل بها، فتكون البسمة أو الدمعة أو كليهما معًا. #الوراق هو الإنسان المعذب العذب النكد المكد هو أنت وأنا وكل من كان القلم والفكر نعمته ونقمته ورغم هذا ظل متشبث به فكانا.
كيف الحديث عن نص، رواية، عمل، رائعة رأيتها وهي أسطر ثم صفحة ثم صفحات ففصولًا ورواية كاملة؟ لقد كانت بمثابة جنينًا فوليدًا فطفلاً ففتى فشابًا شديد الفطنة والبهاء. بئر لا قرار له.. نهر لا ينضب.. مغارة لا تنتهي كنوزها.. لقد تماهي #هشام_عيد وأبو حيان فكان #الوراق، كلما قرأت سطر تخايلت وتسائلت، مَن المتكلم؟ لقد ذاب #هشام_عيد قلبًا وقالبًا ووريد ودماء وأفكار وخلجات نفس ونبضات قلب فكان هو، أنني أمام رواية لا أدري كيف أصنفها؟ تاريخية فهي تحوي حقبة ملأى بالأحداث والمعارك والمؤامرات والدسائس التي تحاك وراء الستائر، سياسية من الدرجة الأولي فهي تروي ماذا تفعل السلطة وكرسيها بكل جالس على عرشها، أم هي اجتماعية فهي ناطقة بحال كل عربي في شتى بقاع الأرض بكل زمان. رواية تروي وتسرد حياة كل من اتخذ القلم صوت ومنبر وحياة فهي تروي معاناة المغرد خارج السرب المغترب بأرضه وبنفسه، أم هي أنشودة الحب عندما يصبح شخصان روح واحدة وبسمة تقتسم على شفتين وغريب يجد المؤانسة والوطن بعد طول جدب وعناء فيكون رشفة الماء بل نهر عذب زلال. #رواية_تاريخية فهي تشمل كل مناحي الحياة، فالتاريخ يعيد نفسه فتجد العبرة، الحكمة، حال اليوم الذي يشبه الأمس، إجابة تساؤلاتك وربما المؤانسة، والأهم تجد نفسك بين طيات رواية حوت كل شيء، وكلما قرأتها وجدت أن ما حويته منها نقطة من بحر. وهي سيرة #أبو_حيان_التوحيدي الباحث عن المثالة في ظل انتشار الغث والسفه، أم تلك الأنثى الوافرة الذكاء والحنان والحسن والنبالة #أنيسة النُّسخ، المفرقة بين جيدها وسيئها بنظرة، أم هذا الصديق الذي تعسًا للعالم لولم تكن فيه صداقته، أما هي محض خيال أديب يملك من نفيس الحرف وتلبس شخوص رواياته ما يجعلهم يحيون من جديد بسن قلمه؟ لقد وضع مفتاح رائعته أمامك: "إنما الأدب صنعة يا أبا سعيد، لو خلا من الخيال لجف، ولو خلا من الواقع لخفّ." وهذا ما فعل هنا أنت أمام الحقائق التاريخية معانقة خيال الأديب الأريب داهية عصره، ماذا أقول لقد ذكر القهرمانات بتاريخهن ودسائسهن وجبروتهن ونهاياتهن الدامي منها والزاهي. حتى النقاشات شمل أسطر العمل النقاشات كما يجب أن تكون هاجم الرأي لا الشخص هجوم على أسس وعلم ووجهة نظر لا هجوم للهجوم والمشاغبة:
"تكلم الشيخان فأحسنا الكلام، وبيّنا فأبدعا البيان. تركهما أبو سليمان يتحاوران ويتناوران من دون تصحيح أو ترجيح. ألزم الحضور بالتوقف عن التعضيد والتأييد، بالتصريح أو التلميح. أشرف بنفسه على ترك المجال لكل منهما لإظهار حجته، وتفصيل مقالته، مع الحرص الشديد على تحديد لفظه، وتوقير خصمه واستيعاب قوله، ومناقشة الحجة لا المُحاج، وعدم التعرُّض لصاحبها بالتسفيه أو اللجاج."
الحب العظيم والفقد الأعظم، الفردوس الذي ضرب صحاري مترامية الأطراف، لينقلب إلى شجن يمس القلب هذا المس المزلزل، لتجد بين أسطر السرد نثر بل شعر يزيد هذا التاج الإبداعي جواهرًا أكثر تميزًا: "صدقوا وما كذبوا، الحياة لا تطيب بغير حبيب. اكتب اكتب. - سأكتب لكِ، وأعدك أني سأنثر في سطوري اللؤلؤ والمرجان، والعقيق والعقيان، وهكذا يكون عمل من طبَّ لمن حبَّ. - أتعبني الترحال يا أبا حيَّان، أسأل الله أن يكون بيتك هذا مأواي. - صفا لي زماني بعد هجر وجفوة. هو بيتك وأنا خادمك. ضمَّتني إلى صدرها برفق، حمدت الله بين يديها، حمدًا قلّما عهدته في نفسي، حمد المُنعم بالحلواء والسراء، لا حمد الصابر على الضراء."
"سيعرف قبرها قلبي. ستنبت حوله أشجار زيتون وتُورق زهرة الليلك. سأسكب دمعة بكماء من عيني، وأنزف حرقة خرساء من قلبي. سأتبَع وقع أحزاني فأعرفه، سأسمع صوتها الباقي على جدران حائطنا. سأبصر أثر عينيك. سوف أجدك. ليس لمثل أثرك أن يضيع، سأسمع الصوت لا محالة." "السير في الصحراء يُجبر الناس على البوح، ويُجبر الحادي على الغناء، ويُجبر الإبل على الجدّ في الوصل. الصحراء ألم جاف يا أنيسة. أخبرته عنك الكثير. فاضت دموع الرجل حين ذكرتُ له كيف انتهينا. وكما تُجبر الصحراء الرجال على البوح، يُجبرهم الدمع على التوقف عن الكلام. حقدتُ عليه لأنه بكى، هذه دموعي أنا فكيف تبكيها؟ هذه أنيستي أنا فكيف يأخذك لذكرها استعبار؟ هذا ما وقر بقلبك حين استمعت، فكيف بمن رآها وسكن إليها؟"
"دخلتُ داري فلم أجدك. معتمة كما يليق بدار يائسة، لألاؤها مطفوء. رقاع متناثرة وأوانٍ ملقاة وغطاء رأس، أثر قدمين زاحفتين نحو الباب، أعرفهما جيدًا، كبيرتين كقدميّ. الكتب التي رتبتها بيديك كما هي، نُسخي في ركن خاص. صنعت من الفقر ثراءً باذخًا. نسج التراب والعنكبوت عليها دثارًا فصانك داخلها. لم يبق إلا أن تبيض حمامتان. اللهم عفوك."
"زارني ابن أبي سعيد السيرافي. واساني فأحسن المواساة. ضممته بين باعيّ وقبلتُ رأسه. ظننتك خلف الباب حين رأيتُه، قلتُ لعلّه عاد بك، لكنه بكى. كأنك متّ مرة أخرى. كأني متُّ مرة أخرى. دعا لك فأحسن الدعاء. عزائي أنك في مكان أفضل. ليس هناك وزير يتجهم فيقتلك، ولا ملك يأتيه الله الملك فيقطع رأس أبيك. ما كان هذا الوقت وقتك يا نبيلة، هذا زمان وحشي لا يليق بمن يأكلون الزيتون بهذه الطريقة، ويُمتعون الأليف بهذه الكفاية، ويعرفون الكتب من دون أن يقرؤوا العنوان، ويجعلون الدار البائسة قطعة من الجنان."
"لمن نكتب يا أبا سعيد؟ ذلك هو السؤال. فإن كان للناس، فلا تنتظر ممن لا يملك طعام بطنه أن يملأ عقله، بله إن الكاتب نفسه مسغوب. وإن كان للأمراء، فلن يتحقق لغير مريقٍ ماء وجهه مطلوبٌ. وإن كان لأنفسنا، فذاك أفضل مرغوب وأحب محبوب، لكن الورد يرغب فيمن يشمه، الموت ألا تجد من يقرؤك. للكتابة لذة غير منكورة، لكنّها ذات وجهين، لا يغني وجه عن وجه. أظنه سؤالًا سيبقى بلا إجابة قاطعة، لمن يكتب الكاتب؟ انفِ الجواب المتعلق بالأمراء والوزراء لأننا في زمن بني بويه، زمن العجمة والجهلاء."
وها هو اقتباس تقف أمامه طويلًا، هذا سؤال أبو حيان أم كل من اتخذ من القلم حرفة أو صوت؟ وهذا حال الناس زمن أبو حيان أم حال الناس في كل زمان؟
"بدأ يخطُّ أمامنا بالثُّلث، فكأنما ألقى عصاه لتلقف ما كنَّا نأفك، أتى بسحر عظيم. الحروف تسري بين يديه كالمهر المروَّض. الحبر ينساب على الورق فرحًا متهلِّلًا، بالقدر الذي يبتغيه، فكأنما الحروف تبسم عن ثغور مفلَّجة، أو تضحك عن رياض مدبَّجة."
وهذا الاقتباس أجده يصف كتابة الوراق #هشام_عيد لا خط ابن مقلة فقط، نحن أمام رواية تاريخية سيقارن الروايات ما قبلها وما بعدها، فهي خطت درب وأسلوبًا جديدًا في كتابة الرواية التاريخية، والخروج بها من درب الجفاف والمعلوماتية المفرطة في بعض الأحيان، إلى مروج أكثر رحابة واتساعًا من السرد النثري والقصة الأخذة بتلابيب عقل وقلب القارئ، ليتوحد ويتفاعل معها فينتقل من مقعد التلميذ الذي يُلقن إلى مقعد المتفرج، بل المشارك بالحدث إنفعاليًا ووجدانيًا. اللغة هي لغة هذا العصر الفائت ولكنها مفهومة واضحة لنا حتى الألفاظ الجديدة لأعيننا وأذاننا باح وضعها في الجملة بمعناها دون مشقة، الاقتباسات السابقة كل فصل جمالًا فوق الجمال، الغلاف بلونه القاتم ووجه أبو حيان الناطق بكل شيء، وألف كلمة الوراق الذي على شكل ريشة منغمسة ومخضبة بالحبر. لذا فما بين اسقني حزنًا، الزنبيل، المقابسات، القرامطة، ابن مقلة وآه من ابن مقلة، الهوامل والشوامل، قشر الفستق، الحبر، والقلم، شطارة فسق، أنيسة، المهلبي، أنيسة النُّسخ، أبو الفتح ابن العميد، الصداقة والصديق، ابن سعدان، إليكِ، أجدني أمام دستور حياة بل هي الحياة بمحنها وإنفراجها وتقلبات فصولها وصولًا للحظة النهاية وخلاصة هذا المشوار الطويل بها، فتكون البسمة أو الدمعة أو كليهما معًا. #الوراق هو الإنسان المعذب العذب النكد المكد هو أنت وأنا وكل من كان القلم والفكر نعمته ونقمته ورغم هذا ظل متشبث به فكانا.
This entire review has been hidden because of spoilers.
مراجعة كتاب اسم العمل: الوراق الكاتب:هشام عيد النوع: تاريخي عدد الصفحات :233 كتبت الرواية بلغة عربية فصيحة متينة سردًا وحوارًا لغة قوية كلغة القدماء من الأدباء استطاع الكاتب أن يضفي عليها من روح أبي الحيان فصار وكأن أبو الحيان هو من يقص بنفسه..
استخدم الكاتب نوع السرد المتقطع وتعددت القصص والشخصيات الثانوية دون الإخلال بالحبكة بل قوت من العمل ودعمته.. قص علينا سيرة علي بن محمد العباس التوحيدي الشيخ البغدادي.. بغداد وحكامها.. والطامعين في الحكم على مر العصور.. كل منهم كيف استحوذ على الحكم بغدر وكيف خرج منه بنفس الطريقة التي أخرج بها سابقيه.. الأتراك والفرس وطمعهم.. قهرمانة علم التي استهل الظلم في الرواية بها ونهايتها التي استحقتها.. الحلاج وازدواجيته بين العقل والجنون.. أبو سعيد السيرافي المعلم والأب الحنون.. الزنبيل والخير الذي حواه.. العاجل منه والمؤجل.. والفرسان الثلاثة الذين بدأ حكمهم بحلم صياد وتفسير رؤية. القرامطة وشرهم الذي لا شر مثله.. ابن مقلة وأمنيته التي حققها قبيل موته.. الدرة اليتيمة التي مات من أجلها الكثير.. رسالة السقيفة التي كانت السبب في خنجر غرس في قلب رجل عاد للتو من الموت فأعاده مرة أخرى للموت.. والصديق الصادق الذي قال فيه "أأنا أدعك واجدًا عليَّ؟ وأرقد وأنت ماقت لي؟ أأجحد نعمة أنت وهبتها إليَّ؟ أأنسى أياديك وهي طوق رقبتي؟ هيهات هذا بعيد عن القياس، وغير معهود بين أحرار الناس." وفي النهاية.. الخير المؤجل الأنيسة المؤنسة الخير الذي أُعطى واُغتصب من ذات اليد أنيسة التي أبكتني الكثير طوال رحلتي بين طيات الرواية.. حتى خشيت أن يأتي الوراق ويستنكر عليّ أن يأخذني لذكرها استعبار.. خشيت أن يخبرني أنها أنيسته هو وأن الدموع في عيني دموعه هو.
🌿المرة الاولى التي أقرأ فيها بصوت جهور أرجو أن يسمعني من حولي لعلهم يتزودون مثلي بخير زاد. رواية قرأتها بعين قارئ شغوف لمعرفة القصص والحكايا.. وعين كاتب منبهر من الأدب والبلاغة والعلم الذي ما خلت منه صفحة من صفحات الرواية.. وأخيرًا وليس آخرًا "هذا ما كان من أمر بني بوية وأبي حيان... إلى أنيسة، سلامٌ عليكِ حيث كنتِ.
رواية / الوراق (أبو حيان التوحيدي)📖 الكاتب / هشام عيد ✍️ دار النشر / دار الزيات للنشر والتوزيع . عدد الصفحات / 233 صفحة . 💫 استطاع هشام عيد أن يعبّر عن شخصية التوحيدي بجلاء، ورغم أن الرواية تبدأ تقريبًا من المنتصف، حيث الأزمة واقعة، وحيث يبحث ذلك العالم الكبير عن قوت يومه من خلال الوراقة والكتابة التي هي وظيفته الأثيرة التي يقتات منها، إلا أننا استطعنا معه أن نتعرّف على جوانب حياته كلها . 💫 منذ البداية مع اختيار أن يكون حديثه لأستاذه ومعلمه أبو سعيد السيرافي الذي قضى في صحبته زمنًا، ثم مع حرصه على العلم والتعلم يضع الكاتب صاحبه في بعض المواقف التي توضح اهتمامه باللغة والأدب وحرصه على الكتابة والحديث عن مهاراتها بشكل جميل، 💫 ثم ينهي ذلك بحضور أنيسة، وهي وإن كانت من خيال الكاتب إلا أنها أضافت الكثير لشخصية العالم وعالمه، تلك التي جاءت فأحالت سواد أيامه بياضًا، وأضافت النور لحياته أملاً بعد أن كاد اليأس أن يفتك به! 💫 لا تكشف "الوراق" عن حياة التوحيدي فحسب، بل لعلها تكشف لكل قارئ أحوال العالم الإسلامي في تلك الفترة الزمنية العصيبة، التي عاش فيها التوحيدي، بين بني بويه وخلفاء العباسيين في مراحل تدهورهم وانهيار سلطانهم، كل ذلك يجعل المهمة شاقة ويجعل الكتابة عن التوحيدي وعالمه أكثر صعوبة. 💫 ووصلت رواية "الوراق.. أبو حيان التوحيدي" للقائمة الطويلة لجائزة كتارا .
💫 الأقتباسات :- ⭐ القلم أصم ولكنه يسمع النجوى ، أبكم ولكنه يفصح عن الفحوي . ⭐ ما خطتة الأقلام ، لم تطمع في درسه الأيام . ⭐ أكتب حتي يعرف العالم أنك كنت هنا . ⭐ المنطق يبحث عن المعني ، في حين يبحث النحو في اللفظ ، والمعني أشرف من اللفظ . ⭐ إنما الأدب صنعة ، لو خلا من الخيال لجف ، ولو خلا من الواقع لخف . ⭐ ما أجمل ألا يتفرق القلب أو يستباح مثل الألف . ⭐ سيعرفُ قبرَها قلبي. ستنبتُ حوله أشجارُ زيتون، وتُورُق زهرةُ الليلك. سأسكبُ دمعة بكماء من عيني، وأنزفُ حرقة خرساء في قلبي. سأتبَعُ وقعَ أحزاني فأعرفه، نداءُ القلب يألفني وآلفه. سأسمعُ صوتك الباقي على جدران حائطنا، وأبصرُ دمعك المنثور في أطلال باحتنا. تزرعُ الأرواح آثارًا تنادينا، فينبتُ في الطريق هدى. سأبصرُ أثر عينيك. سوف أجدك لا محالة. ليس لمثل أثرك أن يضيع. سوف أجدك لا محالة.
لكي تعلم كيف كانت حقبة زمنية منسية وكيف كان القلم والكلم وكيف لكاتب من عصرنا الراهن يكتب كما كتب ابو حاتم وكيف كانت انيسته وانيستنا وكيف كان قبلها وما كان بعدها واخيرا يعلمنا هشام عيد كيف يتفوق على نفسه في كل مرة يخط بها بالقلم وكيف يمكن ان يكون السرد من اولى الكلمات وحتى نهايتها
أما والله ما نسيت لغتي ولكن خُيل إلي أني نسيتها حتى عاد هشام ليذكرني ما أنسانيه الشيطان أن أذكره. إنها الوراق وكأنها ظلال من جنان وريحان تهادى إلي فملأني سكون وطيب، حتى كدت أتماهى معها بما يعلوها من حلو البلاغة ومتعة الجناس وحلاوة في اللفظ وطراوة في الإسهاب وعذب السرد واشتقاق المعاني من المعنى وكأنما طرت لزمن شح وجوده وانطوى. وإذ تأخذني الرواية بين جناباتها فتنهل علي بما أفقدنيه شح الزمان بالإجادة علي بمثل معانيها ومفراداتها، ومن لغو الكلام إلى أحسنه. وتشابك الألفاظ إلى أضبطها وأرقها. ما كنت على علم ب أبي حيان ولا على دراية بعلمه ومكانته ولكنه هشام يأبى ألا تنفلت منه فالتة أو تضيع من يده ضائعة حتى يقتنصها ويقلبها بين كفيه فيخرج لنا منها ما غاب عنا. ويغزل من أوجاعها وآلامها وحكمتها سطورا رقراقة لا يشوبها هفوة، ولا يصيبها جفوة. وكأنما أراد أن يستحث النفوس على نبش مكنوناته، وإحياء ذكراه وإنعاشا لحياته ونكباته فخرج لنا بالوراق أصل عمله وخلاصة بؤسه وعزته. لله درك يا هشام. كأن الله أراد للبيان ألا يُطمس في زمننا هذا. وأراد للاستحسان ألا ينجلي فجراه مثل الماء على يده فغرف منه وأعطانا. وإذ أستسقي منه رشفة بعد أخرى حتى تخللني، وسار بي فغمرني. وإذ بي أشعر وكأنني فيض من نور أقشع ظلام ما فعله بي ركض الأيام وحداثتها وبلادة العصرنة وجمودها. وإذ أطوف في أروقتها بين صعود وهبوط، فأتعجل حين المرور بالدولة العباسية وما يسودها من كساد وجوع، وما يعوزها من عدل وإصلاح. حيث مسح الظلم معالمها، وأخذ الجور يرتع فيها ويتجبر. وأعلم علم اليقين أن ما أوصلنا إلى هذه الحالة من الفقر والذل والحاجة إلّا طغاة حكموا فأظلموا، وعبيد كانوا أعزة فرضوا فأُذلوا. وأطمئن وتغمرني السكينة حين العودة إلى ما جراه هشام على لسان التوحيدي فكأنما نلت ما حلمت بما حدثتني به نفسي، واستزدت من علمه وجزيل لفظه وقوة حجته بما أشبعني وأسعدني. إن هذه الرواية بين شيئين لا ثالث لهما. إما الضياع في طيش الحياة وبطشها، وخفة العقول وتفاهتها. وإما الحفظ بين اللحم والعظم، ولا يكون حفظها إلا بدؤوب القراءة والتطلع إلى المزيد من التثقف، والرجوع إلى علماءنا ولغتنا. وهذا ما فعله عيد في هذا الزمن الغابر إذ قال للغة حلقي.. فأطاعت.
الحمد لله وكفى، الصلاة والسلام على عبده المصطفي ومن تبعه بإحسان من الآل والصحب الكرام. ثم أما بعد. ذكر لنا بعض الرفاق ممن نجالسهم في مجالس الأدب، أن صاحبنا هشام بن عيد، الملقب بالخال تعظيماً وتوقيراً قد انتهى من سرد ما كان من أمر الوراق على بن محمد بن العباس الملقب بأبي حيان وكنيته التوحيدي . قيل لنا بأن الرجل قد جمع سيرة الوراق من الألواح والصحف والأوراق التي اجتهد في جمعها وثبت مصادرها والمفاضلة بين رواتها ورجالها ليتحقق له شرط الصدق في النقل، وقد أخذ الثمين وألقى بالغث غير عابئ به ولا ملتفت له على الرغم من كثرته وندرة الحق به كندرة الماء في صحراء الربع أو بحر الرمال. انتقى فجمع ، بوب فهذب، ثم أوقد النار على ما أنعم به الرب من سيرة الرجل كما يُفعل بخام الذهب، وحين لاحت له الساعة المباركة شرع في صياغة سيرة الوراق فأخرجها على أحسن ما يكون. وقد سُمع بعض القائلين " همسًا، وأراني أميل إلى الأخذ بقولهم " يتحدثون عن الأمر فقالوا : بأن هشام بن عيد عثر على صندوق ذات ليلة على شاطيء النيل السعيد، صندوق له قفل مطلسم أذيب فوقه خليط من نحاس وحديد. قاده فضول القطط فانتزع القفل انتزاعًا ليجد ما حفظه الصندوق بعيداً عن الأيدي والعيون؛ كتاب قديم لواحد من فحول الروحانيين يصف به كيف تستدعى الأرواح لتجيب عن كل سؤال دون كذب أو امتناع . عنّ للرجل أن يجرب ما وجد، نظر إلى ما بين يديه وراح يتبع قول العالم الروحاني المجرب، ومن حسن طالعه أن أجرى الرب على لسانه اسم وصفة الوراق على بن محمد العباس. سمع من الوراق ما كان من أمره فراح يسرد وقائع الزمان والعباد على لسان من عاش أسيراً للكلمة والحرف حتى وافته المنية في أرض غير الأرض وبلاد غير البلاد بعدما أضرم النار في أوراقه التي خطها بيمينه وبين يديه قلم أبي سعيد. *********** رحلة برفقة الخال ليست المرة الأولى التي أبحر بها في بحار الأدب برفقة الأديب صاحب القلم، الخال هشام عيد، منذ الرحلة الأولى وأنا أنتظر بشوق جديده لتتزين به مكتبتي الخاصة، أقرأ العمل الواحد مرتين أو ثلاثة لا أمل، أستكشف عوالمه وأحيا برفقة حروفه، وها قد انتهيت من قراءة رائعته الجديدة " الوراق" والتي تتناول سيرة التوحيدي أبو حيان على بن محمد العباس، انتهيت من القراءة وكنت أتمنى ألا تنتهي تلك الرحلة البديعة التي أظن بأن كلماتي تعجز عن وصفها، سأحاول الحديث عنها بصورة موجزة وإن كانت تستحق أن يختصها أهل الأدب والنقد " الأكاديمي" بدراسة كاملة تتناول جوانبها وتظهر جماليات النص ومحاسنه وصنعة الكاتب وبراعته في صياغة تلك الدرة الأدبية البديعة. *** للأدب أم للتأريخ كتب؟ تخصصت في التاريخ ودرسته، قديمه وحديثه، قرأت السير والتراجم، بحثت في بطون الكتب وتصفحت المصادر لأقرأ تاريخ الأمم والممالك. سحرني الأدب فأسلمت له قيادي ورحت أنهل من بحوره وأتردد على عوالمه، قرأت ما وصل إلى يدي من دراسات وأبحاث لقامات أدبية من كبار النقاد والأدباء . قرأت عدد لا بأس به من الروايات التي تتناول أجزاء من التاريخ وبعض الشخصيات التي كان لها عظيم الأثر في التاريخ، قرأت الكثير فوجدت عدد لا بأس به يعمل على دمج البحث التاريخي دون معالجة أو تهذيب معتمداً على وضعه داخل قالب السرد التقريري في محاولة لإيهام القارئ بأنه قد صنع رواية تاريخية، قرأت لعدد لا بأس به من الأدباء وما وجدت من بينهم سوى عدد قليل ممن يحسن صهر التاريخ في بوتقة الأدب ليخرج في صورة أدبية تجمع ما بين عظمة التأريخ وجماليات الأدب قصة كانت أم رواية. حين انتهيت من رواية الوراق وجدت عقلي يحدثني قائلاً : تلك الرواية هل كتبها هشام عيد انتصاراً للتاريخ أم للأدب ؟ ماذا أراد هشام عيد بتلك الصفحات التي جمعت سيرة الرجل الذي كتب عليه الشقاء بفضل الحرف والكلمة؟ مجرد عرض لسيرة الوراق وما عاصره من أحداث تركت أثرها على وجه التاريخ يُشار إليها علامة على سنة الله في المُلك والممالك ودائرة الحياة التي لا تنتهي، أم هي رمية أخرى وسـ*ـهم جديد من سهام الأدب ينتقيه الخال من جعبته انتصاراً للسرد وفنونه وعوالمه التي لا يقوى عليها إلا كل أديب أريب عالم بصنعة الأدب وفنون الرواية؟ في رواية الوراق أعاد الخال كتابة تاريخ حقبة هامة من التاريخ الإسلامي، تجرد عن كل هوى وراح يسرد حقيقة ما كان من أمر بني العباس وبني بويه والقرامطة والفاطميين وغيرهم من الأمم التي عاصرها التوحيدي، رأيت القصور المشيدة عامرة بما فيها من خيرات، حين خيم البؤس والشقاء على منازل الفقراء وأسواقهم ومجالسهم، شهدت الخيانات و الصراعات في قصور الخلفاء والأمراء، ورافقت الوراق في رحلة الشقاء التي كتبت عليه. حروب ومجاعات، فتن وحوادث عظام، إماء يحكمن وخلفاء يتسولون، ترك وفرس وعرب وبين هذا وذاك يبقى أبو حيان الوراق مخلص للقلم والكلمة، تبقى الحكمة والأدب هما شاغله الأول، العلم الذي جمعه والصحف التي نسخها هما كنزه في زمان ما عاد يشغل العامة به إلا السبل التي تؤمن لهم كسرة خبز تبقيهم أحياء في بلاد امتلأت عن أخرها بالبلايا والرزايا وسملت عيناها المحن فصارت فريسة للضباع وكل وضيع لا أصل له من سائر الأقطار والأمصار. ***** صرخات ألم أم رسائل أمل؟ لا شك بأن غاية كل أديب هي الخلود، الغاية العظمى وإن أنكر، تلك هي الحقيقة، خلود الحرف يخلد صاحبه ويُبقي ذكره أبد الدهر، وهذا ما كان من أمر أبي حيان التوحيدي، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، المتصوف العالم البحر الحافظ، من جمع صنوف العلم فوعاها، وخط بالقلم وصنف عدد من المؤلفات استبقاها الزمان فنقلت إلينا لندرك قدر الرجل وعظم مكانته. أكانت الوراق صرخة ألم خجل هشام عيد أن يطلقها صراحة وعلانية، فانتقى من الراحلين من يشبهنا ونشبهه؟ رجل من العامة أخلص للعلم والأدب فشغلاه عما سواهما من أمور العامة، فقير كان لكنه أثرى الناس بعلمه وأدبه وما جمعه من صنوف العلم، يشبهنا في سعيه لكسب ما يحييه من نفقة، ونتشبه به في محبة الحرف والكلمة. صرخة استغاثة تسربلت بالأدب يحجبها عن أعين الوشاة والمتلصصين من البصاصين و" الخباصين " الناقمين على أهل الأدب وأصحاب الرأي؛ ما أشبه اليوم بالبارحة، إنها دائرة التاريخ، دقق النظر وسترى ما أراد الخال أن يصرح به. أبو حيان وسائر أهل العلم والأدب... الخلفاء والأمراء والوزراء... الحروب والفتن.... صراعات وجرائم... غلاء ووباء وبلاء... سجن وتعذيـ*ـب وقتـ*ـل وحجر على الرأي... شبح الفقر يطارد الجميع... والموت دون بلوغ وتحقيق الأمال . الأن قم باستبدال أبو حيان وضع بدلاً منه اسم هشام عيد أو أي أديب أو عالم نعرفه ممن لا صله تجمعه بأصحاب المقامات الرفيعة من الساسة والسادة ومن والاهم وسترى الحقيقة واضحة جلية، إنها دائرة التاريخ التي تبدأ كلما انتهت، لذا ربما كانت الوراق صرخة أديب نيابة عنا جميعاً. أم تراها رسالة أمل يرسلها الخال لنفسه، يد حانية تربط على قلبه وروحه، شفة تهمس في أذنه قائلة : لا تحزن، مهما طال الطريق فحتما ستبلغ غايتك، أكمل ما بدأت وواصل السير حتى تُخلد حروفك لتبقى حي بعد رحيلك لأعوام وقرون، انظر يا مسكين إلى الرجل الذي بلغ في العلم والأدب منزلة عظيمة، انظر كيف كان البؤس والشقاء نصيبه، جاعت بطنه ورث ثوبه وتجرع ما لا تقدر عليه، لكنه الأن يحيا خالداً ذكره ، تلك هي الحياة الأبدية والنعيم الذي يبحث عنه كل من اكتوى بنيران الحروف والكلمات، أكمل الطريق ويوماً ما ستصل. **** الوراق بوابة الحرية أثناء حديثي عن رواية كمار ذكرت بأن الخال هشام يضع القارئ بينه وبين الصفحات فيبقى مقيد طوال الوقت بما يجب أن يكتب متدثراً بستار من اللغة وما يجب أن يمحى حتى لا يكسر " تابوه" أو يبحر في منطقة قد لا تستهوي بعضهم. أما في رواية الوراق فلا أملك إلا أن أقول " هذا رجل حررته اللغة من قيوده ليحلق وحده في سماوات الأدب التي لا تنبغي إلا للكبار". اللغة التي كان يتلاعب بها ليستر المعنى فلا يصل إلا لصاحبه، أراه اليوم وهو يتغنى بها، تراكيب لغوية كحبات لؤلؤ منظوم بأيدي صانع خبير بأسرار صنعته، ترادف في الألفاظ ليدل على المعنى من عدة مستويات ودرجات وفي هذا دليل على ثراء لغوي أنعم الله به عليه ، سرد متناسق وحوار بديع، لغة تناسب عصر الوراق، ولا يستهجنها قراء صاحب الأوراق، لغة شعرية تحافظ على توازن النغم والجرس الموسيقي وعنصر الإيقاع دون إخلال بالنص أو حشو زائد عن الحاجة. بحق لقد كانت اللغة في رواية الوراق أحد أعمدة البناء الذي شيده الخال ببراعة. شخوص الرواية عادت إليهم الروح ثم أطلقهم ليعيدوا سرد ما كان، خط لهم ما أراد ليظهر الحقيقة على أيديهم، الحقيقة التي اجتهدوا في طمسها حتى لا يعيروا بما فعلوا، أخرجهم من صفحات التاريخ عرايا كما ولدتهم أمهاتهم ثم ألبس كل منهم ثوبه الذي استحق دون تحيز لهوى. بداخل النص توارى صوت هشام عيد فلم أجد له أثر، لم أجد إلا صوت الوراق وصوت أخر قد يراه البعض صوت راوي عليم منفصل عن النص لكنني أراه على خلاف ذلك، أراه صوت التاريخ يروي وقائع بني العباس ومن عاصرهم، مؤرخ " ربما كان أبو حيان ذاته" يثبت الحوادث التي عاصرها وشهد عليها. تناسب زمان السرد وزمان الحكاية مع تناسب اللغة وبراعة الكاتب في استخدام شخوص الرواية مع تمكنه من أدواته جعلت من الوراق رواية استثنائية. أحببتها بشدة، أشفقت على أبي حيان وأنيسته، تذكرت ماضي بعيد بما فيه من منح ومحن، رأيت بعين الحق حقيقة الأمر حتى كدت أنسى أنني من أبناء هذا الزمان. لو بقيت أتحدث عن رواية الوراق فلن يسعني المقام لأنها تستحق أن تفرد لها دراسة وافية من أهل التخصص للوقوف على أسرار روعتها وتفردها. لن أطيل وسأكتفي بما ذكرت، ولكن لابد لي من التأكيد على أنها رواية العام بالنسبة لي، كما أنني لم أتحدث عنها بصورة كافية تليق بها، ولم أتطرق إلى الحديث عن عناصرها باستفاضة واكتفيت فقط بالإشارة إلى بعض محاسنها وانطباعي الشخصي عنها . انتهيت من رواية الوراق ولن تنتهي رحلتي مع الخال الحبيب هشام عيد لأنني أنتظر من الأن درة أخرى تضاف إلى الدرر التي تحمل اسمه وتتزين بها مكتبتي المتواضعة. ملحوظة / ستجد في هذه المراجعة عدد من الأخطاء الإملائية واللغوية والنحوية والبلاغية بما لا يتناسب مع مقام وعظمة الرواية وبطلها وكاتبها فالتمس لي من الأعذار قدر ما تجد، فهذا الذي كتبته بيدي ما هو إلا جهد المقل و " بصلة" المحب كما يقول المثل الشعبي ❤️ #مسافر_فى_دنيا_الأدب #أبوماتيرا #aboMatera #رفيوهات #الوراق
القارئ المحترف هو من ينتقي قراءاته...ينتقي لمن يقرأ و ماذا يقرأ ...فهل سمعت عن كاتب حين يكتب ينتقي قراءه ؟ هذا النص الأدبي لكاتب ينتقي قراءه..هشام عيد ... من خلال قرائاتي لاربعة أعمال له وخامسهم الوراق أصبحت أدرك تماما انني أمام كاتب مختلف له هدف واضح ..هدف قد يجذب البعض وربما يبعد البعض لكنه بالتأكيد لن يجذب الا القارئ المختلف ...اللغة القوية البديعة الرشيقة و جزالة الالفاظ بلا تكلف أو تصنع ....قد ترهقك الفكرة كما في حارة الفلواتي فيحاول عقلك استيعاب وربط أشخاص الحارة و اسماءهم في جهد شاق تجد نفسك بعده انك اصبحت ساكن من أهل هذه الحارة...أو تشعر بالدهشة من فكرة كمار و جرأته في طرحها أو تضحك و تبكي حين تقرأ أوراق الحلاق المثقف الذي تختبئ وراء مقصه عديد من الحكايات لكن كل هذا يذوب فورا وتجد نفسك انهيت الكتاب بلا جهد ولا مشقة بل ربما تحزن لانه لم يعد هناك المزيد. كل هذا السحر سببه الأول هو اللغة التي يمتلك الكاتب ناصيتها بمهارة صانع يدوي محترف يغزل بحروفها وكلماتها رداء أنيق لا يرتديه الا من يدرك قيمته. بدأت في الوراق عن قصة حياة ابي حيان التوحيدي البائسة وكلي حيرة ...ماذا سيكتب؟ وكيف سيجد في سيرة ابي حيان التي لا يذكر التاريخ عنها الا أقل القليل ما يدفعه لكتابه عمل أدبي ؟ ولماذا دخل هذه المنط��ة الصعبة من كتابة سيرة ذاتية لفيلسوف واديب وتاريخ تحتاج منه إلي كثير من المطالعه المرهقة ؟ ألم يكن الاسهل و الأضمن كتابة عمل يدور في فلك الادب الحالي من حالات اجتماعية أو فانتازيا أو جريمة أو رعب ؟ لكن هشام عيد كسب التحدي برائعته الوراق ابي حيان التوحيدي لن اتطرق لاحداث الرواية فهي للقارئ لكي لا أضيع عليه متعه معايشة الاحداث لكن بالفعل بها ما يجعلني ارشحها لكل من يريد أن يقرأ لاديب مميز بقلم مختلف
رواية اليوم للأديب/ Hisham Eid رواية ( الوراق) درر تناثرت في صفحات، نظم للكلم لا يضاهيه في المهارة إلا أديب من زمن أبي حيان التوحيدي، لا أعلم من أين أبدأ؟ هل أتحدث عن بديع الكلم أو بلاغة التصوير أو غزارة المشاعر الرقراق التي تسيل و تفيض عبر السطور؟ ارتحلت مع أبي حيان عبر شوارع بغداد و تخبطت بين أروقة قصور الخلفاء، شاهدت ما دار بين المتناحرين على الملك و نهايتهم، عايشت بداية الحلم لدولة ( بني بويه) مع ذلك الصياد البسيط الذي صدق الرؤيا و تحرك صوب هدفه بلا رادع ليمكن بنيه من الملك و يبدأ بهم عهد دولتهم التي امتدت و استشرت حتى تملكوا ما يوازي ما ملك ( هارون الرشيد) ثم ننظر بعين هذا الوراق البسيط المظهر الرفيع العقل و المنطق، رأيت كيف كانت بداية القرامطة الهمجية و نهاية ظلمهم نهاية مستحقة، لكن هناك ذلك المشهد الذي بكيته عندما قتل أبو سعيد السيرافي، اهتز قلبي و كأن من قتل معلمي القامة و القيمة و شاركت أبا حيان حزنه بل شاركت بغداد كلها، ثم استكملنا المسيرة و حضرنا بزوغ نجوم أمراء و ملوك ثم أفول نجومهم بوحشية، و ما كان من أمر ( ابن مقلة) الذي انجر خلف عشق السلطة حتى أهلكته. و تبدلت الكلمات عند ظهور ( أنيسة) تدفقت المشاعر و أزهرت الأرض راقني وصفه لها مبتعدا عن التغزل في جمالها بل ذكرها ببساطة إذ بهره طريقة أكلها للزيتون، هذه الجارية ابنة الملوك التي سلبها الرق مكانتها و تنقلت بين يدي البشر كسلعة تباع و تشترى حتى وجدت منقذها حبها لأبي حيان لكن آه يا أنيسة و كأن مصيرك الألم و الفقد رفيقي طريقك اللذان قضيا عليك حتى النهاية، انتفض قلبي حين علمت ما كان من أمرها، و تحسرت على أبي حيان، و رافقته ما بقي من رحلته يشقيني تيهه و تلهبني زفراته حتى النهاية. وصلت رواية ( الوراق) لقائمة كتارا ثم قائمة نجيب محفوظ و إنها تستحق التتويج أي تتويج و الحفاوة أي حفاوة اليوم فهمت حين قالها الأديب: إنها مشروع حياتي. كتاب قيم يليق بالمكتبة العربية يوثق قيام دولة ( بني بوية) و ما كان من أمر الشيعة و استهانة الدولة العباسية، فصل الأديب ما كان من أمور سياسية و ما صاحبها من أمر الأدباء، بلغت دقته وصف الأقلام و الورق و الحبر كما كانت في هذا العصر، حتى أنني ظننت أنه أديب هارب من هذا الزمن، نقل لنا الصورة كاملة لغة و رسما للمشاهد هنا رسم صورة الصداقة في قصيدة الصديق حين رأى جثمان صديقه( ابن البقية) مصلوب و صديق أبي حيان الذي لازمه رحلته الأخيرة، و مشاعر الحب بين أبي حيان و أنيسة و رق خافقي حين قرأت : (سيعرف قبرها قلبي، ستنبت حوله أشجار الزيتون، و تورق زهرة الليلك.سأسكب دمعة بكماء من عيني، و أنزف حرقة خرساء في قلبي. سأتبع وقع أحزاني فأعرفه، نداء القلب يألفني و آلفه. سأسمع صوتك الباقي على جدران حائطنا، و أبصر دمعك المنثور في أطلال باحتنا. تزرع الأرواح آثارًا تنادينا، فينبت في الطريق هدى. سأعرف أثر عينيك. سوف أجدك لا محالة. ليس لمثل أثرك أن يضيع. سوف أجدك لا محالة. ) ما هذا الوجع الممتزج بالحروف! وجع وخز نفسي و اتقدت حرائق الدموع في المآقي بسببه. لا أهتم بفكر أو مذهب سلكه أبو حيان لكنني اهتممت بكونه إنسان قتله أدبه كأنه شهيد حي، يدور غريبًا في بلده أو في منفاه، يضج عقله بما حوله من علم و تتهرب أصابعه من صرخات الحاجة إلى الكتابة تتجاهلها تهرب منها إليها ثم يفر بعد محرقة روحه المعذبة لا لذنب اقترفه إلا تميز فكره و قلمه الذي أهداه له أبو سعيد معلمه الحبيب، ثوب مرقع و قلم و بضع أوراق كل متاعه في الحياة و كما قال: لا ولد، و لا صديق ، و لا مال. و لن أنس جملة معلمك ما حييت حين قال لك: (لم يستقرئوك حبًا في الكلمة، و لا أنشدوك لقيمة الأدب، إنما كنت فقرة ملهاة بين عراة، للموت أشرف للكلمات من أن تقدم كالليمون المملح و الفستق المقشور بين كؤوس الخمر.) أقف مصفقة بحرارة شاكرة تلك الجرعة الدسمة المطرزة بعذب الوصف و بديع اللغة. شكرا الأديب / Hisham Eid و دعني أخبرك أن وراقك الهائم أطلقت عليه ( الدرة اليتيمة )
القراءة و السفر عبر الزمن . _في الأحلام تقيدك مشاعرك وبواطن أفكارك، وفي قائمة ما ستقرأ ستكون الوجهة من اختيارك
كتاب إن وضع ما قبله في مقارنة معه لَحقُه بُخِس، يعلو ولا يعلى عليه إلا ما كان مِن أو ما اتصل بروح القدس، يشعل .مشاعرك ويحيي حواسك من النار والنور بقبس
آتوه زبر التاريخ والفلسفة والمنطق والدين فنفخ فيها نار فكره المتقد ساويًا بسور بين ضحالة السائد وغثه، آتيًا بعمق الراكد وثمينه؛ فبثه، ثم لاحقا أفرغ عليهم حبًا وحزنًا؛ فصار لباطنه هيمنةُ بهاءٍ على ظاهره تقصُه.
_يُعقِّب أبو حيان التوحيدي على شطحات الحلاج برأي حكيم لا يبعد عن حقيقة لم يكتشفها العلم آنذاك؛ تقول بفهم هوسه بما امتلأ به عقله وقلبه، وبما لا يُجحفه حقه ولا يُجار عليه في حكمه، وكيف اجتمعت عليه علة نفسه وجهالة زمنه، بما قضى عليه حتفه؟!، ولكن يبقى أن ليس أرحم بالعبد من ربه!
_(Apicture is worth athousand words)
تنتقل بين الصفحات متشبعًا بالصورة والأشخاص والأماكن والأحداث، تعايشهم لا كلفظ مكتوب بل كشاهد عين ؛ يرسم لك الكاتب الحدث ثلاثيَ الأبعاد فتظن لو تحدثت لسمعوك، ولو رأوْك للمسوك.
هكذا ما يجب أن يكون عليه عرض التاريخ_لا أتعرض هنا لصحة الأحداث كاملة أو ما كساها من خيال مبدع ورؤيته استشهادا بقوله "إن الأدب صنعه لو خلا من الخيال لجف ولو خلا من الواقع لخف"_قدر ما قصدت سلاسة دس المعلومة دون أن يصيب هدوءك صخب أو نسق أفكارك شطط، ثم بروح أنيسة يتخلل الأنس جدية السردية؛ فتتحقق معادلة الترفيه والنفع الثرية .
أبو حيان شاهدًا على صراعات المادة والفكر، ومدونًا ما للحكم من ظاهر جور وسر _فقط_ في سوق الوراقين بريشة وحبر، وما كان من حرقه كتبه إلا تخليدًا لمعاناته وصبره، وما تواتر عن علمه أخلد من أن يكون كرماد اشتدت به ريح في يوم عاصف. "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
صراع الحكام وتنازعهم واشتداد العدو عليهم ما بين عصر اتحاده (الصياد وفرسانه الثلاثة) راغبين في مجد شخصي فنجحوا، ثم انتهاجهم ما أمكنهم من غيرهم (تنازع صمصام الدولة وأخويه).. نزاع الصقالبة والديالمة والبوهيين والأتراك والعباسيين.. الإخشيديين والفاطميين حقبة مليئة بظلم العباد وفقدان الحكم للعدل والسداد.
*آخذ على الكاتب ما بثه على لسان أبي حيان من تفسير المعتزلة وأهل التعطيل في (حكم الرجم) بما يعارض أهل السنة والجماعة، وإن كان ليس بصائغه تأييدًا، أو معارضه تنديدًا ولكنه على لسان بطلنا الحكيم رجحت كفته وإن كان عن غير قصد.
بالأخير؛ الرواية رائعة، مسَّتها روح كاتب تقول لك إنَّ من البيان لسحرا؛ فإذا قامت بها الكلمات لتثنَّت، وإذا تكلمت البلاغة لتغنَّت.
قراءة في رواية (الوراق، أبو حيان التوحيدي) الكاتب هشام عيد #هشام_عيد
في البداية علينا الاعتراف أن الكتابة الأدبية التاريخية هي من أصعب الكتابات، وطريقها وعر تتخلله الكثير من العقبات، ثم أن تكتب بلسان شخصية تاريخية، ذات مكانة أدبية وعلمية رفيعة، عاشت في حقبة زمنية غابرة، أمرٌ يزيد من المشقة والحذر. عرفت أبا حيان التوحيدي أديبا، وتعاملت معه بعين طالب نهم للمعرفة، وأحببته حب المستكشف المدقق الباحث الدارس. عشت معه عامين أو يزيد، لكنني اليوم في هذه الرواية أعرفه إنسانا، وأشاطره تقلبات حاله، فأتعاطف، وأحزن. أحلق مع الأمل وأصطدم بجدار اليأس، ألامس الحب ثم أتلظى بلوعة الفراق، أتفق معه في حب الحرف والكلمة، وأرثي له في كل أحواله. تمكنت الرواية في لغتها من الاقتراب كثيراً من لغة أبي حيان، ونقلتنا إلى زمانه والظروف الاجتماعية والسياسية التي رافقت حياته في ذلك العصر، جعلتنا الرواية نتنقل بين أحياء بغداد، نبصر حاراتها، ونرى ملامح بؤسها على وجوه سكانها. ولكن لا بد من التنبيه على أن الرواية قد وقعت في فخ السرد التاريخي لكثير من الأحداث سرداً خرج في كثير من الأحيان عن حاجة الرواية الأدبية، في أخبار الوزراء والقهارمة وأخبار القرامطة وغير ذلك بطريقة لا تؤثر في الرواية وسيرورتها الأدبية الجمالية، ولذلك يمكن حذف عدة صفحات من غير أن تتأثر الرواية أدبياً. يجب أن يكون الحدث التاريخي موظفا في خدمة الحدث الروائي، وإلا أصبح حشواً. كان من الجميل المزاوجة بين الحقيقة والخيال في الرواية، فبعض الأحداث غير حقيقية، مثل طريقة موت أبي سعيد، وزواج التوحيدي بأنيسة، وسوى ذلك، لكنني كنت أفضل أن يكون التخييلي في إطار الحقيقي. وتبقى مع ذلك قيمة الرواية في الاختيار الذكي للشخصية الفذة التي لم تجد ما يكافيها في حياتها، لكنها وجدته، للأسف، بعد مماتها، وفي تسليط الضوء على الجانب الإنساني في حياة التوحيدي، وهو أمر لم يسبق إليه، بحد علمي، أحد.
من الروايات التي كانت رفيقة دربي خلال رحلتي إلى البلاد هي #رواية_الوراق، للأستاذ الكبير Hisham Eid لم أتوقع أن تلتهمها عيناي بهذه السرعة، رواية أقل ما يمكن أن توصف به أنها تحفة فنية، ملحمة من الكلمات والقصص، يتنقل بنا الكاتب بين كل قصة وأ��رى دون أن تدري كيف خرجت من سابقتها، أحداث تاريخية تسرد بطريقة تجبرك على المضي قدماً في القراءة، تلك القهرمانة ومثيلاتها، كيف كانت لهن القدرة على قلب الحق باطل والتلاعب في موازين الأمور، ينلن مرادهن أنا يشئن، يبكيك الكاتب على حال بعض الأفراد، وحال أمة انقلب حالها حتى مات الحياء فيها، شعرت لوهلة أنني أرى بعض الخطوط كيف تكتب، بل كيف ترسم، ودولة بدأت بثلاثة أبناء وانتهت بثلاثة أبناء، وحلم صياد فقير كيف تحقق، كر وفر ومؤامرات تحاك من أقرب الناس، وأبو حيان يبحث عن دانق يسد به رمقه أو يجلب به عدة الوراق، وتقلب أناس بعد إنتهاء المصالح، ثم صديق حقيقي في السراء والضراء، وأنيسة المجلس بل العمر الذي تسرب من بين كفيه كحبيبات الرمل، عادتي عند قراءة أي عمل من أستشف في كل موضع حال الكاتب، هنا كان في مزاج سيء، وهنا كتب على عجل، وهنا تزاحمت أفكاره، إلا أن الوراق قد أدهشني، كُتب الكتاب على نفس الوتيرة، وكأن الكاتب مضى فترة كتابته في جلسة واحدة دامت لعدة أسابيع أو شهور، دون يتحرك من مكانه، خشية أن يفقد ملكاته، إنها المرة الأولى التي لا أقرأ تقلبات مزاج الكاتب وحالته بين سطوره، وكأنه هذه المرة ترك مع أبي حيان جزء من نفسه وروحه داخل الوراق، الإحساس الوحيد الذي راودني أن الكاتب عز عليه فراق الكتاب أو إنهاؤه، من منا لا ئد في اقتناء كتاب مثل الوراق، للأسف تخليت عن الكتاب وتركته في الأراضي المقدسة بناء على طلب الكاتب، وتتم الإجراءات لوضعه داخل أحد المكتبات العامة ليستطيع أي ناهم للكتب أن يستعيره ويستمتع بسحر كلماته.
This entire review has been hidden because of spoilers.
رواية الوراق للكاتب المصري هشام عيد عبارة عن سيرة روائية متخيلة عن الفيلسوف المتصوف و الأديب أبو حيان التوحيدي الذي عاش معظم أيام حياته في بغداد. نتعرف من خلال هاته الرواية على فترات مهمة من تاريخ الدولة العباسية ، فترة شهدت إستعمال الحيل و الدسائس،التخطيط و القتل ، الفساد و النفاق من أجل الإطاحة بالأمراء، كما شهدت هاته الفترة الصراعات بين العلماء و الحكام و الفلاسفة و الوراقين. من خلال سرد رحلات أبو حيان التوحيدي و إحتكاكه بالحكام و الوزراء أبرز الكاتب لنا أحوال الشعوب و البلاد في ذلك العصر، من خلال الوصف الرائع للأمكنة مع سرد الطرائف و النوادر ، كل هذا مع التركيز على دور الخط و الكتابة و القلم و المحبرة في حياة الوراق ، و في آخر الصفحات ترصد لنا الرواية جانبا من معاناته لغاية وفاته. إستطاع الكاتب التعبير عن شخصية أبو حيان التوحيدي بواقعية متخيلة و موضوعية مستعملا لغة جميلة و شاعرية ، إضافة لحنكة الكاتب جعلنا نسافر في متن الرواية براحة و سعادة ، كما أجاد الكاتب إستعمال الخيال و ربط الأحداث ما جعل الرواية مشوقة و تستحق القراءة. الرواية كانت مرشحة في القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ لسنة 2024.