"مسحت بأصابعي على صورة "عواطف" أي حزن عظيم أن نختفي عن الحياة هكذا دون أن نحقق أي حلم ولا أي رجاء في هذه الأرض الملغومة بالقساة والساسة البلهاء... انقطع اليوم الرابع، وأنا أحترق في هذا السرداب المغلق... أصغي إلى نغم... ما دام الحارس لا يعترض على أي لحن اختار معي أو مع ما يفعله سواي من المرميين في ذلك الدهليز المنسي من شعاب بغداد".
نصف أحزانه، عبد الستّار ناصر، تتموضع على هذه الصفحات، تنفلت منه عبارات تختزل قهر تسع سنين من العذاب. جلادون وحرّاس وأدوات تعذيب، ومرض ومعاناة، وصورة عواطف زوجة عبد الباري تنبض حيّة في كل جزء من كيانه. هو الإنسان يصوره من قلب الموت تخرج الحياة. استحالات وتداعيات وخيالات وفكر وجزئيات رجل قابع في سراديب المعتقلات يسردها عبد الستار ناصر بأسلوب شيق، لا يجد القارئ من خلاله أي مسافة ما بينه وبين السطور.
قاص وكاتب عراقي ولد عبد الستار ناصر جدوع الزوبعي في السابع من يونيو سنة 1947 عين عبد الستار ناصر في وظائف عديدة منها مدير تحرير (مجلة التراث الشعبي) البغدادية. بدأ الكتابة مبكراً: أصدر العديد من كتب القصة والرواية والنقد.
نصف الأحزان رواية تقبع في زاوية بعيدة بعض الشيء عن غيرها من الروايات التي ناقشت موضوع السجون، أو لنقل أدب السجون. فهذا العمل ينطوي على الكثير من الملامح الانسانيّة والوجوديّة المتدثّرة تحت عباءة السياسة والاعتقالات العشوائيّة في الكثير من الدول العربيّة. المنحى الأساس للرواية هو إعادة المرء إلى جوهره، إلى ينبوعه الأوّل موحلًا كان أم صافيًا، فينصت إلى أنّاه بمنتهى الصدق بلا زغل. كانت القصص التي يحكيها عبد الباري لصديقه السجين سلمان (بطل العمل) عن علاقته بزوجته الفاتنة الساحرة بمثابة علاجًا يخرج منه سلمان معافى من علّاته كأنّ بتلك القصص تغفر الآلهة له خطاياه التي لم يرتكبها. عبد الباري لم يكن يعلم أنّ روايات عشقه عن زوجته لرفيق السجن ستخلق فكرة مجنونة في عقل صديقه فور خروجه من سلطة القضبان. أكان ندمًا أم استغفارًا، خوفًا أم غبطةً، تناقش الرواية تلك المشاعر المتضادّة الهامدة بوجهها البشع هلاكًا في أقبية المعذّب الذي رأى البلد والإنسان ينهاران غبارًا حتّى اعتاد المشهد المأساوي في تحوّلاته القبيحة.
لغة الكاتب رفيعة جدًّا، مسكونة بالكارثة التي يحاول الحديث عنها. لغة تعكس المعنى الحقيقي للعمل. مشكلة الرواية إنّها اكتفت بالطرح من دون المعالجة، كمن يكتشف العلّة والداء ولا يرهق نفسه في اختراع المصل رغم درايته التامّة بكيفيّة صناعته، فالعمل بحجمه الصغير كان يحتمل الكثير من الأحداث والشخصيّات التي بدت غير مكتملة البنية القصصيّة التي تناسب الفكرة المبهرة للعمل. كما والنمطيّة الشعريّة المستعملة أفقدت الحسّ الروائي للسرد ما أوقعه في حفرة الشاعريّة المفرطة لنصّ لا يحتمل كل هذا الإسهاب في الغزل.
ابهرتني شخصية عواطف تلك المراءة الساحرة المهيبة الجميلة التي تسكن عقل وقلب شخصين يعاينان الجحيم نفسه كيف استطاعت هذه المراءة ان تكون بهذه الروعة ؟ كيف استطاعت ان تجعل سلمان ان يكذب ويعيش بهوية غيره ليكون فقط مع هذه المراءة الهلامية ؟
سيقطعون عنقي وربما يقطعون أوردتي كلها اذا ما تجرأت على السؤال أو بكيت عليه ، مسحت بأصابعي على صورة عواطف : أي حزن عظيم أن تختفي عن الحياة هكذا دون أن نحقق أي حلم ولا أي رجاء في هذه الأرض الملغومة بالقساة والساسة البلهاء؟"
صب صب يباشا في الكوباية كمان نص أحزان ايه بس يراجل ده احنا عايشين في 4 لتر زيت كريستال من الأحزان قرأت الكثير في أدب السجون لكن تلك الرواية فكرتها جديدة وعجبتني جدا