طالما كنت من المحبين لمطالعة كتب الشيخ عبدالله بن الصديق رحمه الله، وذلك منذ أن كنت طالبا بشعبة الدراسات الإسلامية بالجامعة وإلى اليوم، لما كنت أجد في كتبه من العلم الغزير والفهم الثاقب لما اختلف فيه أهل العلم من أمور الفقه والدين. فكان رحمه الله يبصرني بوجوه الحق فيها ويدلني بما عرف عنه من تدقيق وتحقيق على القول الصحيح الذي يريح القلب والعقل.
وسبب قراءتي لهذا السفر الماتع في بابه، أنني سمعت مؤخرا أحد الدعاة في بلدنا المغرب يدعي أن قراءة القرآن كاملا جماعة بتوزيعه بينهم، كل واحد منهم يقرأ جزءا منه أو أقل من ذلك أو أكثر، ثم يختمون قراءتهم بدعاء يدعو به أحدهم، ويسمى عندهم ب (دعاء ختم القرآن)، ادعى أن هذا الفعل بدعة في الدين لا تصح.
فقمت أبحث عن وجه الحق في هذا الأمر، فتذكرت أن للشيخ عبدالله بن الصديق كتابا فريدا في تحقيق معنى البدعة، وهو موجود في مكتبتي المتواضعة. فلم أتوانى عن الرجوع إليه، وقد كنت قرأته سابقا منذ سنوات خلت. وشتان بين عالم متمكن وداعية اشتهر عند الناس في مواقع التواصل الاجتماعي .
وبالرجوع إلى الكتاب، موضوع المراجعة، تبين لي الخطأ الذي وقع فيه هذا الداعية من حيث فهمه لمعنى البدعة، وهو فهم مخالف تماماً لما حققه علماء الأصول الأجلاء، فليس عندهم أن كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بدعة، كما فهم هو.
يقول المؤلف رحمه الله في صفحة 6 : " من المعلوم بالضرورة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المندوبات، لاشتغاله بمهام عظام، استغرقت معظم وقته: تبليغ الدعوة، ومجادلة المشركين والكتابيين، وجهاد الكفار، لحماية بيضة الإسلام، وعقد معاهدات الصلح والأمان والهدنة وإقامة الحدود، وإنفاذ السرايا للغزو، وبعث العمال بجباية الزكاة، وتبليغ الأحكام، وغير ذلك مما يلزم لتأسيس الدولة الإسلامية، وتحديد معالمها. بل ترك صلى الله عليه وسلم بعض المندوبات عمدا، مخافة أن يفرض على أمته ، أو يشق عليهم إذا هو فعله. ولأنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بالنصوص العامة الشاملة للمندوبات بجميع أنواعها منذ جاء الإسلام إلى قيام الساعة. مثل : ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله) .. ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) .. ( وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) .. ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) .. ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) . وجاءت الأحاديث النبوية على هذا المنوال. فمن زعم في فعل خير مستحدث أنه بدعة مذمومة ، فقد أخطأ وتجرأ على الله ورسوله حيث ذم ما ندبا إليه في عمومات الكتاب والسنة. "
وقال ابن الأثير في النهاية: " البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال. فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض عليه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز المدح. وما لم يكن موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو في الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل له في ذلك ثوابا ، فقال : " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها. " وقال في ضده : " ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها. " وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ، أو رسوله صلى الله عليه وسلم.. " ص: 4
وقال علماء الأصول: السنة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته ، ولم يقولوا: وتروكه. لأن الترك ليس بحكم شرعي ، ولا أثر له في التشريع. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. " ولم يقل: إذا تركت شيئا فاجتنبوه. فترك الشيء لا يدل على منعه، وإنما يدل على جواز تركه فقط. فالنبي صلى الله عليه وسلم حين ترك صلاة الضحى، دل تركه لها على أنها جائزة إذ لو كانت واجبة ما تركها، وكذلك تركه رفع يديه في الدعاء أحيانا، يدل على جواز تركه، لا على أنه ممنوع. ص: 84
وبعد اطلاعي على الأدلة الكثيرة التي أوردها شيخنا الجليل تبين لي أن البدعة على التحقيق هي ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة، وهذا ما قرره غير واحد من كبار علماء الإسلام في القديم والحديث.
_____________
#إتقان_الصنعة_في_تحقيق_معنى_البدعة
#عبدالله_بن_الصديق