صدر حديثاً عن مؤسسة الدوسري للثقافة والإبداع كتاب "التحليق داخل القفص – مذكرات سجين عراقي في إيران" للكاتب العراقي اضحوي الصعيب الذي أمضى عشرين عاماً في الأسر، ليرصد في هذا الكتاب معاناته وعذاباته، تلك المذكريات المغلفة بكثير من الصدق حيثُ كان الكاتب يدون هذه المذكرات دون أن يخطر بباله أنها ستتحول إلى كتاب يشاطره مع الآخرين.
يحتوي كتاب المذكرات على 214 صفحة جاءت في الحجم المتوسط.
جاء في مستهل الكتاب: " لو قدر لانسان أن يقضي في المعتقل يوماً واحداً لظل يذكره حتى آخر الحياة، ويجد له سامعين كلما تحدث عن ذلك اليوم المأثور. أما أن يقضي في غيابة السجن عقدين كاملين فمأساة كبرى، يصعب مجرد تصورها، ويستحيل تصويرها.
لكن المأساة، ورغم بشاعتها، لها وجه آخر يرشح من السعي الفطري للتكيّف مع الصعاب وتحملها. فالنفس البشرية، وفي أقسى الظروف وأشدها، يبقى فيها هامش للطرفة والسخرية والضحك. وان يكن ضحك المرء من نفسه، واستهزاؤه بقدره. ولولا هامش الظرافة في الروح لغلب الشقاء على الجميع، وربما افناهم. انه المتنفس الذي يرفد القلوب بعبير الحياة كلما ثقلت عليها وطأة الزمن، فيمدها بطاقة متجددة للثبات، كما تطيل الصيانة عمر الآلة، وكما يجدد الصقل مضاء النصل.
وليس ضرورياً ان يساهم كل انسان في ابتكار الطرفة وصنعها ليجدد همته في الحياة. اذ حسبه الضحك منها وتأمل ميلادها الطبيعي من رحم الظرف ليرتاد حقلاً أخضر في وسط صحرائه القاحلة.
ان مبدعي نوادر هذا الكتاب وصانعيها ماكانوا مهرجين أو عابثين. وانما هم مقاتلون في معركة ضروس، طرفها الثاني الليل والأصفاد والسياط واليأس والحرمان والغربة. مقاتلون يبتدعون اسلحتهم بأنفسهم، وفي خضم المعركة، ليحرزوا الانتصار. وإذا رأيت، ايها القارىء الكريم، ان اسلحتهم تلك مهازل ونكتات فالسبب أنك تراها من شرفة عالم غير عالمهم. تماماً كالذي يستمتع بمراقبة حشرات تصطرع في ما بينها. انه يضحك ملء فيه. ولو استطاع تفهم كفاح تلك الحشرات، ربما، لبكى ملء وجدانه. "
يحتوي الكتاب على مجموعة من القصص والمذكرات إبان أسر الكاتب في إيران، بعضها مشوب بالكثير من الحزن، وبعضها لايخلو من فكاهة، ولكن حتى تلك الفكاهة كما يقول الكاتب باعثة على البكاء لأن تلك القصص تتناول حالات انسانية كثيرة في الأسر..
تلك الحالات التي تلقي بظلالها على روح القارىء، فيستشعر مع الكاتب تلك الزنزانة الضيقة، وكل ما رافقها من عذابات، وآلام، ونوادر..
في الصفحة الأخيرة من الكتاب يتحدث الصعيب عن أسير يُدعى "ملوح برغش" فيقول:
" لطول ما تاقت أرواح الأسرى المكتومين إلى بطاقة الصليب - الصليب الأحمر - أصبحت تلك البطاقة غاية بحد ذاتها. وكان إلى جانبي عند نقطة الحدود أسير غير مسجل اسمه (ملوح برغش). اعطي البطاقة فلم يتمتع بها سوى دقائق، حيث استعادت لجنة الصليب جميع الهويات ونحن نجتاز الحدود الدولية. فلما صعدنا إلى السيارة العراقية وجلسنا على مقاعدها الوثيرة، التفت صوبي مرتعباً، وقال بشكوى:
أخذوا الهوية مني!
كنت مثله مذهولاً غير أني استطعت القول:
ألم تعبر الحدود؟
بلى.
فما حاجتك بعد إلى الهوية؟
وصمت إلى أن افترقنا"
هكذا يختم اضحوي الصعيب مذكراته المثيرة، مؤكداً كما يقول في مستهل الكتاب: "يكفينا القول إن محتويات هذا الكتاب أشبه برذاذ يصلك من نافورة لاتراها، لابد يسكب عليك انطباعاً ما عن بعض خصائصها، جهتها، بعدها، ارتفاعها، برودتها.. وقد تخطىء في تقدير ذلك.. ".
اقتنيت هذا الكتاب لما أجده في نفسي من ميل و استهواء لأدب السجون .. و مع أول صفحات الكتاب تفاجأت بالقالب الأدبي الذي اختاره الكاتب لصياغة تجربته كسجين عراقي في إيران –على لسان الكاتب نفسه-.. جاءت كثير من المواقف الطريفة و الساخرة و التي لا تخلو من مسحات الأسى و مرارة الأسر على شكل مذكرات قصيرة لا تربو على البضع صفحات .. و كلما توغلت عميقا كلما وجدت الصورة أكبر و أوضح عما كان الحال عليه في تلك السجون و كلما مرت عليّ فصول الكِتاب سرِيعاً .. كتاب بقدر لا بأس به من الأحداث الشيقة !
يوميات قراءتي لكتاب التحليق داخل القفص مذكرات سجين عراقي في إيران لـ إضحوي الصعيب
ـ لهذا الكتاب قصة معي، فقد كنت أشاهد حلقة بديعة في قناة الفلوجة العراقية استضاف فيها مقدمها "حميد عبدالله" أسيراً عراقياً قضى عدة سنوات في سجون إيران إبان الحرب العراقية الإيرانية، وهذا الأسير هو "محمد السيد محسن" وقد كان هذا اللقاء شائقاً للغاية بسبب ثقافة الضيف وحسه الأدبي العالي، وقد أسعدني أن "محمد السيد محسن" أعلن أن لديه سيرة ذاتية للفترة التي قضاها في سجون إيران، لكني عندما بحثت في الأنترنت وفي مواقع المكتبات لم أجد هذه السيرة! فلم يقف بحثي على ذلك بل تواصلت مع الكاتب عن طريق صفحته الشخصية لكنه لم يرد عليَّ! وكان حماسي للقراءة في سير سجناء الحرب العراقية الإيرانية لم يفتر ولم أكن غافلاً عن وجود سير تتناول هذا الجانب لكن مشكلتها في نظري أنها مكتوبة بتوجيه من السلطات العراقية إبان حكم صدام حسين، وعليه فهي ليست ذاتية مئة بالمئة، وأدب السجون اكتسب قوته من صراحته وذاتيته التي لا توجهها غير مشاعر الكاتب وقناعاته، فكان أن بدأت البحث في الأنترنت عن الأعمال التي صدرت بعد سقوط نظام صدام حسين، فعثرت على هذا العمل الذي ما إن قرأت عنه بضعة أسطر حتى تأكد لي أنه يستحق القراءة، فبحثت عنه في مواقع شراء الكتب الالكترونية فلم أعثر على نسخة منه، واتفق أن كنت زائراً لمكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض التي أملك عضوية فيها فبحثت عن الكتاب فيها فعثرت عليه، وكانت غبطتي به كبيرة، وما أن تصفحت مقدمته وبضع صفحات منه حتى تأكد لي أن حدسي في محله وأن الكتاب يستحق القراءة، فاستعرته قبل ساعات، وهأنذا أشرع في قراءته.
ـ الغريب أن الكاتب عراقي، ومع ذلك فإن كتابه مطبوع في البحرين في مؤسسة الدوسري للثقافة والإعلام عام 2011م، وقد فرغ الكاتب من تأليف كتابه في عام 1999م لكنه لم ينشره بل لم يستجب لتوجيهات القيادة العراقية لتأليف كتب من هذا النوع لكنها بنزعة توجيهية.
ـ مقدمة "فارس الغلب" متكلفة ولا موقع إعرابياً لها، وليس فيها ما يشد إلى الكتاب غير إشارته إلى السبعة عشر عاماً التي قضاها المؤلف في الأسر والتي تفصل بين آخر لقاءين جمعاه بالمؤلف، ويبدو أن المؤلف هو الذي جامل المقدم باختياره ليكتب مقدمة للكتاب.
ـ مؤلف الكتاب هو "إضحوي الصعيب الشمري" لكنه على عادة بعض أبناء القبائل الكبيرة يتحاشى كتابة اسم قبيلته، وكان الأولى به أن يعتز بلقب قبيلته الشريفة لا أن يخفيه.
ـ القصص التي بدأ بها هذا الكتاب طريفة للغاية وخفيفة لكنها عند التمعن فيها مؤلمة وحزينة، وليس في السجن غير الحزن والألم الذي لا يخففه إلا التسلي بمثل هذه الطرائف اختراعاً وتذوقاً.
ـ رفض أضحوي الصعيب إغراءات النظام العراقي بكتابة نص يتوافق مع توجهاته الحزبية والفكرية والسياسية لأنه يريد أن يكتب نصه كما يتمثل في نفسه، وأعتقد أنه نجح في ذلك فكتب نصاً انطباعياً لا تكلف فيه.
ـ قرأت كتباً كثيرة في أدب السجون، ويأتي هذا الكتاب ليقدم إضافة لما قرأته متميزاً عنها بقوالبه القصصية الشيقة، وتأملاته الذاتية الصادقة والبعيدة عن التكلف والاعتمال.
ـ مغامرات السجناء في إخفاء الراديو عن الإيرانيين واكتشاف هؤلاء له لا تنقضي، لكن الذي لا ينقضي تعجبي منه كيف كانوا يحصلون على هذا الراديو مرة ومرتين وثلاث؟ ؟ مثل هذه الأسئلة ثارت وتثور في ذهن أي قارئ للكتاب ولا إجابات لها!
ـ القصص الجريئة على الشرع التي لا يتورع الكاتب عن إيرادها أستبعد أن تكون حقيقية وأرجح أن الكاتب صنعها بنفسه لأن أسلوبها متشابه جداً، أو قافيتها واحدة فهي تنتهي عادة بأن ينظر السجين إلى السماء ويخاطب ربه مجدفاً، وإذا اتفق أن فعل ذلك سجين مرة، فهل يعقل أن يتكرر هذا الفعل ـ صدفة ـ من سجناء آخرين، ويتفق أيضاً أن يكون المؤلف بجوارهم فيرى فعلهم ويسمع حوارهم فيحفظه عنهم؟! في اعتقادي أن هذه الحوارات لا وجود لها إلا في بعض القصص التراثية الجريئة التي يبدو أن ذاكرة المؤلف اختزنت وأعجبت بكثير منها.
ـ قصر المواضيع وروح الفكاهة التي تشيع في النص تغريك بمواصلة القراءة غير أن جرأة الكاتب على المقدسات وأهمها مقام الله عز وجل تصدمك وتحد من متعتك وتجعلك تمقت هذا النهج عند الكاتب، وأعجب من الكاتب أضحوي الصعيب الذي يفتخر بانتمائه إلى القبيلة ويعتز بموروثها الفلكلوري كيف أصيب بهذا الاستلاب والاستخذاء الذي جعله يستهين بموروثاته الدينية رغم اعتزازه بعظام أجداده البالية وإرثهم الشفوي البدائي؟!
ـ لدى الكاتب حس ساخر وروح تتذوق النكتة وتستطيب الدعابة.
ـ زعم الكاتب أنه تحاشى ما يتنافى مع الآداب العامة في كتابه، ولم أرَ الأمر كذلك، لأن نصوصه تحفل بتناولات متنوعة وطريفة لحالات الشذوذ الجنسي في السجن، وبعضها صريح جداً وآخر فيه شيء من المواربة التي لا تخفى على القارئ الفطن، وهو يعرضها في قالب من الدعابة التي لا تقبحها أمام القارئ، ولا أدري ماذا اجتنب الكاتب في كتابه من المحظورات الدينية ؟ إلا أن تكون إدانته للواط وتسميته إياه بالانحراف الأخلاقي هو التحاشي الذي قصده!
ـ يجعلك الكتاب تعيش أجواء السجن الرهيبة بكل ابتساماته وتعاساته.
ـ يعرض الكاتب لتجربته وتجربة غيره من الأسرى حين يكونون قاب قوسين أو أدنى من الإفراج ثم فجأة يحدث ما يعيدهم إلى السجن فيجدد معاناتهم مع الجحيم، وأحسب أن هذه التجربة الإنسانية المؤثرة بمفارقاتها الزمانية العجيبة تستحق تناولها بشيء من البسط والاسترسال يفوق الأسطر اليسيرة التي خصصها لها الكاتب.
ـ رغم أنه مضى على صدور الكتاب ثماني سنوات، وتناول أدباً قلَّ طروقه في الأدب العربي وهو أدب السجون، وانتمى إلى لونٍ نادر وهو حياة الأسرى العراقيين في سجون إيران، وكُتب بأسلوب صريح لا مداهنة فيه للسياسيين من الطرفين، وصيغ بأسلوب جميل في قوالب قصصية شائقة تتناول عواطف إنسانية مشجية إلا أنه لم يحظَ بانتشار واسع بين القراء أو تقريظ كبير من النقاد، ويبدو أن عدم انتماء الكاتب إلى حزب سياسي ما، أو اتجاه فكري محدد، أو شللية ثقافية معينة هي التي حدت من شهرة كتابه رغم استحقاقه لذلك.
لو قدر لإنسان أن يقضي بالمعتقل يوما واحدا لظل يذكره حتى آخر الحياة , ويجد له سامعين كلما تحدث عن ذلك اليوم المأثور . أما أن يقضي في غيابة السجن عقدين كاملين فمأساة كبرى, يصعب مجرد تصورها. ويستحيل تصويرها. ويكفينا القول أن محتويات هذا الكتاب أشبه برذاذ يصلك من نافورة لا تراها , لابد أن يسكب عليك انطباعا ما عن بعض خصائصها, جهتها , بعدها , ارتفاعها , برودتها ... إلخ. وقد تخطيء في تقدير ذلك
بهذه المقوله اختتم المؤلف أضحوي كتابه المشوق ( التحليق داخل القفص ) , اقتنيت هذا الكتاب من معرض الكتاب الذي أُقيم مؤخرا بالرياض, تأملته كثيراً قبل اقتنائه, عادة لا أحب قصص الحزن لكن فضولي الشديد لمعرفة مايدور بالسجون أرغمني على أخذه , ومازادني إصرارا على أخذه هو الأوضاع السياسية المتوتره التي تربط البلدين ( العراق - إيران ) فأحببت أن أطلع على الوضع عن قرب أكثر.
كتاب ( التحليق داخل القفص ) كتاب يحكي مذكرات سجين عراقي تنقل بين المعتقلات في أيران على مدى 20 عاماً. أكثر ما أعجبني في الكتاب ان أسلوب الكاتب لم يكن حزينا , بل كان متفائلاً, كان يسرد جميع الأحداث المضحكة والطرائف التي حصلت لهم بالمعتقل , بالرغم من المرارة التي ستشعر بها حينما تقرأ المذكرات إلا أنك ستضحك من بعض المواقف التي يذكرها المؤلف.
كانو بالمعتقل مثل عائلة واحده , ألفو بعضهم وأصبحو يعرفون طباع وعادات وسلوكيات بعضهم , 20 سنه في نظري تعني حياة أخرى مختلفه عن حياة الحريه.
أكثر ماشدني في ما كتبه المؤلف أن كلمة ( الآن ) في المعتقل لا قيمة لها لأن الوقت عندهم متوقف من الرتابة والملل فلا يوجد لها معنى بالمعتقل. أيضا من يدخل المعتقل وهو طفل حتى ولو مرت السنوات فهو في نظرهم لا يزال طفلا. الزمن هناك مختلف. ويعتبر المذياع بالمعتقل كالكنز وقد سرد المؤلف الطرق التي كانو يخفونه بها وكيف يكشفهم الأيرانيون في أغلب المرات.
الكتاب بشكل عام رائع جدا جدا , وأجمل مافيه أنه مذكرات بسيطة , لاي بالطويلة الممله التي تجبر نفسك على إكمالها , بل يرافقك الكتاب كصديق لك في كل مكان فتقرأ منه جزءا يسيرا في كل مره ثم تكمل المذكرة التالية في الوقت الذي تريده.