"ليس بإمكان الدارس إلا أن يسلم بأن الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني على أرض فلسطين قد ترك آثاره العميقة، و قد تكون الدائمة في المجتمع الفلسطيني. لكن - مع التسليم بهذه الحقيقة- يجب أن نتذكر أن فلسطين بالدرجة الأولي جزء من التشكيل الحضاري و القومي العربي، كما يجب أن نتذكر أيضا أن الحركة الصهيونية و الدولة الصهيونية هما بدورهما تعبير عن تشكيل اجتماعي و حضاري محدد، و أعني المجتمع الأوربي في القرن التاسع عشر، الذي قام بالهجمة الإمبريالية على آسيا و أفريقيا و على كل أرجاء العالم. و لم تكتسب الصهيونية محتواها السياسي و الفكري و حسب من هذا التشكيل، و إنما نجحت من خلاله في فرض مؤسساتهاالاستيطانية المختلفة فرضاً على الفلسطنين و العرب، أي أننا في مجابهة تشكلين حضاريين و سياسيين مختلفين و متصارعين، اصطداما في فلسطين و عدة أماكن أخرى من العالم العربي.
لن أعلق عن الكتاب بقدر ما سأعلق على بعض من القصائد التي حواها.. "أحببت" شعر المراثي.. هزتني خاصةً كلمات سميح القاسم وتوفيق زياد.. مؤلمة إلى أقصى حد! هناك أيضاً قصيدة "عن الأمنيات" لمحمود درويش.. ليست من قصائد الرثاء لكنها مليئة بالأحزان! ومفعمة بالأمل.. باختصار رائعة!
أنا الحبّ .. لن تفقديني وفيكِ ترابٌ وحول أريحا شجر!
هذا الكتاب من الكتب التي يود قارئها لو يحتضنها والكون بأسره سعادةً بوجودها واكتشافها رغم كل مكنوناته من الحزن الفلسطيني والوجع الذي لا ينتهي. والأستاذ المسيري كاتب من الذين أرنو للقائهم منذ زمن، أجّلت لقائي كثيراً به ربّما هروباً من ثقل موضوعاته المتوقّع والذي يبعد عن محور اهتماماتي البنائية هذه الأعوام، كثير من كتبه في قائمتي للwant to read لكن هذا ليس فيها وأبداً ما كنت لأتخيل أن لقائي الأول بهذا المفكّر سيكون صدفة في كتاب يتناول التذوق لموضوعات الشعر الفلسطيني المقاوِم، لم أكن لأتخيل أني سأقرأ له وأحس به ثم لاحقاً أدرك هويته مدفوعة بالدهشة والإعجاب بعبقرية ذائقته وبعد وقت ليس بقصير من الرحلة معه.
"فلسطينية كانت ولم تزل" هي عبارة درويشية ترمز إلى الثقة الفلسطينية اللامتناهية والتي تتضح في كل القصائد مهما تبلغ مرارتها، إلى رؤى العاشق من فلسطين وإيماناته، إلى جماليات الأمل الفلسطيني المتجدد، فلسطين التي فوق كل الوجع والموت .. وهو العاشق اللاجئ اللائذ إليها من ضير اليتم والنفي والوجع، إيمانٌ يجعل أغاني الشهداء والمكلومين سماداً يعانق الحبيبة فلسطين كحديقة عذراء.
الكتاب بحث في ست موضوعات أساسية: جماليات شعر المقاومة الفلسطيني، في المراثي الفلسطينية، في حب فلسطين، الصمود/حرفة النمل، المقاومة/وعود العاصفة، أنشودة الانتصار الفلسطينية. تناولها مرتين، مرة تذوقاً وتحليلاً وتعليقاً، ومرة أخرى سرداً لما انتقى من قصائد جامعة لهذه الموضوعات الفلسطينية ماراً بجولة مع عدة شعراء منهم من كنت أجهلهم لأكتشف عبقريتهم وتفرد تعبيراتهم برفقته، رحمه الله رحمة واسعة. 🤍
كل القصائد عذبة، ولكن هذه القصائد أخذتني: عاشق من فلسطين عن وجه واحد فقط لا معينو بسيسو الغناء البكاء الركض وراء حصان طروادة 💔 لاجئ في انتظار العائدين الناي المتجول الجواد الجامح طائر الرعد
أعجبني أن كل فصل من فصول الكتاب مسبوق بلوحة رمزية عميقة تعبّر عنه.
— إن الشكل الحقيقي الكامل والجمال الحقّ لا يظهران عن طريق الكلمات، وإنما يظهران حينما يصبح الإنسان تجسيداً لكلمته، أي حينما يستشهد. ويبدو أن هذا ما تحاول أن تنقله قصيدة معين بسيسو "لا". حين نجد أن الشهيد نفسه هو كلمة الرفض النهائية! فهو يموت بعيداً عن الأضواء ميتةً تتجاوز الحروف والكلمات. — والحلم أصدق دائماً والحلم أكثر واقعية
الممكن أهم من القائم، والكامن أهم من الباطن، فما في الغيب هو الوعد والمكتوب أما ما هو حاضر للحواس فأكاذيب الإعلام ودبابات الجيش الإسرائيلي. هذا ما يعرفه المظلومون والمقهورون، وهم أيضاً يعرفون أن الله عادل وأنهم يرجون من الله ما لا يرجو أتباع الطاغوت. — من حق الوجدان الثوري أن يترك عالم الجدل التاريخي، عالم القتال والاستشهاد، ليصل إلى حيث البقعة الموعودة، ونحن في هذا لا نهرب من الواقع وإنما نتجاوزه لنصل إلى ما نرى أنه الجوهر. إن شعر المقاومة الفلسطيني باحتفائه بما سيكون ويما ينبغي أن يكون يبين مدى عمق إيمانه بالإنسان، وبذلك تتسع ساحة هذا الشعر لتضم لا الفلسطيني وحسب، ولا حتى العربي وحسب، وإنما كل البشر، وبذا تصبح أنشودة الانتصار الفلسطينية هي أنشودة انتصار الإنسان!
فمروا لي بخيمة شيخنا يعقوب وقولوا: إنني من بعد لثم يديه عن بعد أبشّره أبشّره بعودة يوسف المحبوب! فإن الله والإنسان .. في الدنيا .. على وعد
دمهم أمامي .. يسكن المدن التي اقتربت كأن جراحهم سفن الرجوع ووحدهم لا يرجعون ... دمهم أمامي .. لا أراه كأنه وطني أمامي .. لا أراه كأنه طرقات يافا - لا أراه كأنه قرميد حيفا - لا أراه كأن كل نوافذ الوطن اختفت في اللحم وحدهم یرون وحاسة الدم أينعت فيهم وقادتهم إلى عشرين عاماً ضائعاً والآن ، تأخذ شكلها الآتي حبيبتهم .. وترجعهم إلى شريانها . دمهم أمامي .. لا أراه كأن كل شوارع الوطن اختفت في اللحم وحدهم يرون لأنهم يتحررون الآن من جلد الهزيمة والمرايا ها هم يتطايرون على سطوحهم القديمة كالسنونو والشظايا ها هم يتحررون ...
___________________
السفح أكبر من سَواعِدهم ولكن .. حاولوا أن يصعدوا والبحر أبعدُ من مراحِلهم ولكن .. حاولوا أن يعبروا والنجم أقرب من منازلهم ولكن .. حاولوا أن يفرحوا والأرض أضيق من تصورهم ولكن .. حاولوا أن يحلموا .
آه .. يا أشياء! كوني مبهمة لنكون أوضح منك أفلست الحواس وأصبحت قيداً على أحلامنا وعلى حدود القدس ، أفلست الحواسُ وحاسةُ الدم أينعت فيهم وقادتهم إلى الوجه البعيد هربت حبيبتهم إلى أسوارها وغُزاتها فتمردوا و توحدوا في رمشها المسروق من أجفانهم وتسلقوا جدران هذا العصر دقوا حائط المنفى أقاموا من سلاسلهم سلالم ليقبلوا أقدامها فاكتظ شعب في أصابعهم خواتم . هذا هو العُرس الذي لا ينتهي في ساحة لا تنتهي هذا هو العُرسِ الفلسطيني لا يصل الحبيبُ إلى الحبيب إلا شهيداً .. أو شريداً من أي عامٍ جاء هذا الحزن ؟ - من سنة فلسطينية لا تنتهي وتشابهت كل الشهور ، تشابه الموتى وما حملوا خرائط أو رسوماً أو أغاني للوطن حملوا مقابرهم .. وساروا في مهمتهم وسرنا في جنازتهم وكان العالم العربي أضيق من توابيت الرجوع .