وضع هذا الكتاب الذي يضم سبعة وعشرين قصّة قصيرة لكاتبات إيطاليّات معاصرات كوسيلة لتعريف المنطقة الناطقة بالعربيّة بالأدب الإيطالي بعد أن إكتشف صديقان إيطاليان يقيما في القاهرة هما ماركو ألّوني وإستفانيا أنجارانو خلو المكتبات العربية من ترجمات حديثة للأدب الإيطالي وإقتصار ذلك على حضور خجل لبعض الأعمال الكلاسيكيّة ولهذا تمّ إختيار القصص القصيرة إعتمادا على ذائقتهما الأدبيّة وتعاونوا مع المعهد الثقافي الإيطالي في القاهرة وعدد من الأساتذة المصريين لترجمة القصص وهم الدكتور أحمد المغربي والدكتور حسين محمود والدكتور فوزي عيسى. قد يكون لهذا الكتاب أهميّة في التعريف بعدد من الكتّاب الإيطاليّين وترجمة أعمالهم إلى العربية من خلال التعرّف إليهم وسيرهم الذاتية وأعمالهم المتضمّنة في هذا الكتاب و الذي يشكّل جزءا من سلسلة من أربع أجزاء تكرّس الثلاثة الأخرى فيها لكبار الكتّاب – في مجلّدين" وآخر للكتّاب الشباب. سنتناول هنا قراءة لعشر قصص من هذا الكتاب وتليها مقالات أخرى عن بقيّة القصص تباعا.
تناقش الكاتبة سيلفيا باليسترا في "أعزّائي هل أنتم موجودون؟" قضية كبار السن وإختلاف القيم بين الصغار والكبار وأجواء الأسرة الإيطاليّة الريفيّة القريبة إلى حدّ ما من أجواء الأسر الشرقيّة وتناقش بعض المشاكل المتعلّقة بالتقدّم في السن ومحاولة بعضهم فرض رؤاهم على الأجيال الجديدة أو القلق الذي ينتابهم حيال الإصابة بمرض ألزهايمر أو تراجع قدراتهم الذهنيّة بالإضافة إلى الوسائل التي يلجأون إليها لقضاء الوقت وإنسحاب بعض الآباء من جوّ الأسرة المليء بالمشاحنات ليغرقوا في صمتهم الإختياري وسط الضجيج.
في القصّة القصيرة "زيوسورا" تنتصف الكاتبة كارمن كوفيتو للحضارة السومريّة والنهرينيّة بشكل عام فهي تحاول المزج بين حاضر وماضي هذه الرقعة من العالم التي قدّمت للحضارة الكثير من دون أن ينصفها أحد ولو من باب الإعتراف بما قدّمته من إنجازات خدمت الحضارة الإنسانيّة. رغم قصر القصّة الشديد إلاّ أنّها عبّرت بوضوح عن الفكرة وإستوحت إسمها من إسم "زيوسيدرا" الإسم السومري لنبي الطوفان نوح وهي إشارة سريعة لمصدر هذه القصّة من دون أن تخوض في تفاصيلها. يمكن أن نقول بأنّه ومن خلال مناقشتها للإسم وقولها بأنّ "الإسم هو آخر ما يملكه المرء عندما يضيع منه كلّ شيء." فإنّها تبكي مصير الحضارة السومريّة التي لم تنل الشهرة التي تستحقّها وتؤكّد ذلك مرّة أخرى من خلال تحوّل الشخصيّة الرئيسيّة إلى بترول وتحاول تفسير ذلك بأنّ النفط بقايا مواد عضويّة تعرّضت للضغط والحرارة الشديدين عبر آلاف السنين، وقد نلمح في ذلك إشارات رمزيّة عميقة بأنّ النفط هو ما يهم العالم في العراق الآن متناسين الحضارة العظيمة التي تفوقه أهميّة بكثير. كما إنّها تشير إلى وجود الأميركان في البلد من خلال كلمة أوكي التي بدأ السومري الأصيل يسمعها عند مرور طائراتهم من فوق آبار النفط في أرض سومر الجنوبيّة تلك. تسرد القصّة بعض التفاصيل الإسطوريّة وتسرد اسماء الكثير من الآلهة كآنكي وإلهة العالم السفلي إريشكيكال وهي تصف نزوله إلى العالم السفلي وألمه واصفة تعرّفه إلى الموت كالتالي "تختفي الحياة عندما يختفي الألم." لكنّ إختراع الكتابة يبقى الموضوع الرئيسي للقصّة وتستنكر الكاتبة محاولات البعض سرقة كل شيء من السومريين بما في ذلك هذا الإختراع بنسبته لسكّان الهند أو مصر وتؤكّد رغم ذلك على إنسانيّة الحضارة السومريّة وعدم تعصّبها عندما يقول خذوا هذا الإختراع لأنّنا لم نكن يوما ما متعصّبين، فنقرأ "ليس لديّ أي إعتراض فنحن لم نكن أبدا قوميّون متعصّبون نحن السومريّون." لكنّها تدافع مرّة أخرى وتذكر بأنّ الحضارات التالية أحدث منها وتذكر بطريقة ذكيّة تجارة السومريّين مع الهنود وتدافع بأنّ بطل القصّة يعرفهم جيّدا وبأنّهم لم يكونوا يكتبون بل يزرعون الفلفل الأسود الجيّد فحسب. تحاول الكاتبة توضيح فكرة أنّ السومريّين إنسانيين ولم يخترعوا الكتابة من أجل الحصول على سبق فكري بل أنّهم قدّموا كلّ شيء من غير أن ينتظروا المقابل. تحاول الكاتبة الإنتصاف للمرأة فتسرد بطريقة إسطوريّة جميلة كيف بدأت الكتابة وكيف أنّ إمرأة سومريّة هي التي جاءت بالفكرة وتصوّر قوّتها وضعفها في الآن ذاته فهي التي أنّبت زوجها على طريقته القديمة في التدوين وإبتدعت بفكرة ذكيّة الكتابة الصوريّة الأولى ولكنّها تدين في الوقت نفسه ما تخيّلت أنّه سرقة زوجها للفكرة منها وهي هنا تحاول الإنتصاف للحضارة السومريّة والمرأة في الوقت ذاته وكأنّها محاولة لتوضيح كمّ الإختراعات والإكتشافات التي سرقت من أصحابها الأصليين ما أن يكونوا الطرف الأضعف، كما هو الحال مع الحضارة السومريّة العظيمة التي لا تجد مدافعا حقيقيّا عن حقوقها وكذلك الإختراعات التي كانت تسرق من النساء المبدعات طوال العصور الغابرة. إنّ الأفكار الكثيرة التي ناقشتها الكاتبة في قصّة بالغة القصر وبإسلوب يمزج ما بين الساخر والجاد يعبّر عن براعة متناهية في الحبك والسرد.
وضع هذا الكتاب الذي يضم سبعة وعشرين قصّة قصيرة لكاتبات إيطاليّات معاصرات كوسيلة لتعريف المنطقة الناطقة بالعربيّة بالأدب الإيطالي بعد أن إكتشف صديقان إيطاليان يقيما في القاهرة هما ماركو ألّوني وإستفانيا أنجارانو خلو المكتبات العربية من ترجمات حديثة للأدب الإيطالي وإقتصار ذلك على حضور خجل لبعض الأعمال الكلاسيكيّة ولهذا تمّ إختيار القصص القصيرة إعتمادا على ذائقتهما الأدبيّة وتعاونوا مع المعهد الثقافي الإيطالي في القاهرة وعدد من الأساتذة المصريين لترجمة القصص وهم الدكتور أحمد المغربي والدكتور حسين محمود والدكتور فوزي عيسى. قد يكون لهذا الكتاب أهميّة في التعريف بعدد من الكتّاب الإيطاليّين وترجمة أعمالهم إلى العربية من خلال التعرّف إليهم وسيرهم الذاتية وأعمالهم المتضمّنة في هذا الكتاب و الذي يشكّل جزءا من سلسلة من أربع أجزاء تكرّس الثلاثة الأخرى فيها لكبار الكتّاب – في مجلّدين" وآخر للكتّاب الشباب. سنتناول هنا قراءة لعشر قصص من هذا الكتاب وتليها مقالات أخرى عن بقيّة القصص تباعا.
تناقش الكاتبة سيلفيا باليسترا في "أعزّائي هل أنتم موجودون؟" قضية كبار السن وإختلاف القيم بين الصغار والكبار وأجواء الأسرة الإيطاليّة الريفيّة القريبة إلى حدّ ما من أجواء الأسر الشرقيّة وتناقش بعض المشاكل المتعلّقة بالتقدّم في السن ومحاولة بعضهم فرض رؤاهم على الأجيال الجديدة أو القلق الذي ينتابهم حيال الإصابة بمرض ألزهايمر أو تراجع قدراتهم الذهنيّة بالإضافة إلى الوسائل التي يلجأون إليها لقضاء الوقت وإنسحاب بعض الآباء من جوّ الأسرة المليء بالمشاحنات ليغرقوا في صمتهم الإختياري وسط الضجيج.
في القصّة القصيرة "زيوسورا" تنتصف الكاتبة كارمن كوفيتو للحضارة السومريّة والنهرينيّة بشكل عام فهي تحاول المزج بين حاضر وماضي هذه الرقعة من العالم التي قدّمت للحضارة الكثير من دون أن ينصفها أحد ولو من باب الإعتراف بما قدّمته من إنجازات خدمت الحضارة الإنسانيّة. رغم قصر القصّة الشديد إلاّ أنّها عبّرت بوضوح عن الفكرة وإستوحت إسمها من إسم "زيوسيدرا" الإسم السومري لنبي الطوفان نوح وهي إشارة سريعة لمصدر هذه القصّة من دون أن تخوض في تفاصيلها. يمكن أن نقول بأنّه ومن خلال مناقشتها للإسم وقولها بأنّ "الإسم هو آخر ما يملكه المرء عندما يضيع منه كلّ شيء." فإنّها تبكي مصير الحضارة السومريّة التي لم تنل الشهرة التي تستحقّها وتؤكّد ذلك مرّة أخرى من خلال تحوّل الشخصيّة الرئيسيّة إلى بترول وتحاول تفسير ذلك بأنّ النفط بقايا مواد عضويّة تعرّضت للضغط والحرارة الشديدين عبر آلاف السنين، وقد نلمح في ذلك إشارات رمزيّة عميقة بأنّ النفط هو ما يهم العالم في العراق الآن متناسين الحضارة العظيمة التي تفوقه أهميّة بكثير. كما إنّها تشير إلى وجود الأميركان في البلد من خلال كلمة أوكي التي بدأ السومري الأصيل يسمعها عند مرور طائراتهم من فوق آبار النفط في أرض سومر الجنوبيّة تلك. تسرد القصّة بعض التفاصيل الإسطوريّة وتسرد اسماء الكثير من الآلهة كآنكي وإلهة العالم السفلي إريشكيكال وهي تصف نزوله إلى العالم السفلي وألمه واصفة تعرّفه إلى الموت كالتالي "تختفي الحياة عندما يختفي الألم." لكنّ إختراع الكتابة يبقى الموضوع الرئيسي للقصّة وتستنكر الكاتبة محاولات البعض سرقة كل شيء من السومريين بما في ذلك هذا الإختراع بنسبته لسكّان الهند أو مصر وتؤكّد رغم ذلك على إنسانيّة الحضارة السومريّة وعدم تعصّبها عندما يقول خذوا هذا الإختراع لأنّنا لم نكن يوما ما متعصّبين، فنقرأ "ليس لديّ أي إعتراض فنحن لم نكن أبدا قوميّون متعصّبون نحن السومريّون." لكنّها تدافع مرّة أخرى وتذكر بأنّ الحضارات التالية أحدث منها وتذكر بطريقة ذكيّة تجارة السومريّين مع الهنود وتدافع بأنّ بطل القصّة يعرفهم جيّدا وبأنّهم لم يكونوا يكتبون بل يزرعون الفلفل الأسود الجيّد فحسب. تحاول الكاتبة توضيح فكرة أنّ السومريّين إنسانيين ولم يخترعوا الكتابة من أجل الحصول على سبق فكري بل أنّهم قدّموا كلّ شيء من غير أن ينتظروا المقابل. تحاول الكاتبة الإنتصاف للمرأة فتسرد بطريقة إسطوريّة جميلة كيف بدأت الكتابة وكيف أنّ إمرأة سومريّة هي التي جاءت بالفكرة وتصوّر قوّتها وضعفها في الآن ذاته فهي التي أنّبت زوجها على طريقته القديمة في التدوين وإبتدعت بفكرة ذكيّة الكتابة الصوريّة الأولى ولكنّها تدين في الوقت نفسه ما تخيّلت أنّه سرقة زوجها للفكرة منها وهي هنا تحاول الإنتصاف للحضارة السومريّة والمرأة في الوقت ذاته وكأنّها محاولة لتوضيح كمّ الإختراعات والإكتشافات التي سرقت من أصحابها الأصليين ما أن يكونوا الطرف الأضعف، كما هو الحال مع الحضارة السومريّة العظيمة التي لا تجد مدافعا حقيقيّا عن حقوقها وكذلك الإختراعات التي كانت تسرق من النساء المبدعات طوال العصور الغابرة. إنّ الأفكار الكثيرة التي ناقشتها الكاتبة في قصّة بالغة القصر وبإسلوب يمزج ما بين الساخر والجاد يعبّر عن براعة ��تناهية في الحبك والسرد.
عبر سلسلة "بعد البحر" ترجمت دار شرقيات المصرية قصصاً لكتاب إيطاليين وكاتبات إيطاليات معاصرات، وبين يدي كتاب "أبواب الهوى - الجزء الأول" ويضم بين غلافيه قصص 28 كاتباً وصفوا بـ كبار الكتاب الإيطاليين. أما الكتاب الثاني فكان عنوانه "خرز ملون" ويضم قصص 27 كاتبة إيطالية معاصرة. صدر كتاب "أبواب الهوى" عام 2006 وشارك في الترجمة مجموعة من المترجمين. أما كتاب "خرز ملون" فصدر عام 2004. قرأت الكتابين وكانت المتعة متفاوتة بين قصة قصيرة وأخرى، وفي شكل عام أعتقد أن الدخول إلى ثقافات الشعوب من باب الأدب الرفيع مثل القصص والروايات والشعر يمنح القارئ شعوراً بكونيته وأنه متصل بطريقة جيدة بالعالم، وإن حدث عسر في الترجمة، أو صعوبة في التواصل مع النص من خلالها، فإن المتعة لا شك تقل لكن تبقى البوابة الكبيرة مفتوحة ويبقى الشعور بالكونية عامراً بمعطيات الاشتباك أدبياً مع الآخر.
هي ورشة ترجمة إيطالية تمخض عنها هذا الكتاب وكتب أخرى لتنقل لنا صورة للأدب الإيطالي المعاصر، وهنا ألتقيت للمرة الأولى بسبعة وعشرون كاتبة إيطالية، وسبعة وعشرون قصة قصيرة، أو .. حسنا! .. بخمسة وعشرين قصة فقط!، فقصتان تجاوزتهما إجتيازًا بعد قراءة الصفحة الأولى والثانية منهما، فالأولى كانت كلاسيكية جدًا وذات معانٍ مزخرفة إلى حد بعيد، والثانية أسلوبها مندفع بشدة وسريع!
وبعد قراءة المجموعة انتبهت أنه على الرغم من تفاوت شخصيات اللواتي ضمهن الكتاب إلا أن هناك سحابة واحدة تظلهم!، أهذا هو الطابع الإيطالي إذن!، وأعجبني لانه أكثر القصص نفسية لا وصفية وذات أسلوب محبب لي في السرد