وضعتُ ثلاثِ علاماتٍ لتقيمي لهذا المجلد الذي يضمُّ (٩) دواوين وهي مجموعة أعمال درويش من عام ١٩٦٤ ولغاية عام١٩٧٧ ، وترددتُ في وضعِ إحدى العلامات بسبب الرمزية المفطرة التي أجدها غير مبررة والتي لا تصلحُ لمخاطبةِ الجمهور أبدا ،وترددتُ ايضاً في وضع العلامة الثانية بسبب إبتعادهِ العجيب عن إستخدام القوافي التي ربما هي من أساسيات الشعر سواء كان ذلك في الشعر العمودي أو في شعر التفعيلة ،فكان أغلب شعره وبدون مبالغة لولا فُتات الأوزان الخليلية فيه أقرب مايكون من "قصيدة النثر" أو بصورة أدق "النثر المركز" ، ولولا بعض القصائد والأسطر الرائعة وخاصة البواكير منها لرفعتُ من تقيمي للمجلد علامةً أخرى وذلك لأنّهُ وبخلاف الشعراء الذين قرأت لهم، نادراً ما كان يبعثُ في نفسي الدهشةَ سواء أكان في المعنى او في الصياغة التي أبتعدَ فيها عن إستخدام المحسنات البديعية ولو تكلفاً، أما بالنسبة لدواوين هذا المجلد فأنا أجدُّ قمة الشاعرية لدرويش في ديوانه الأول والثاني وفي ديوانه الاخير من هذا المجلد وأقل من ذلك بينهما والتي هي عبارة طلاسم لا يفهمُ منها إلا بعض الأسطر بسبب الرمزية المفرطة التي أشرتُ إليها، ولا يُخيّل للقارئ أن الرمزية صعبةٌ ولا يجيدها إلا المتمكن من اللغة والمتبحّر فيها بل بالعكس فعندما تكون للمفردة اللغوية معنيين يُحدَّد إستخدام هذه المفردة في هذين المعنيين فقط، أما إذا دخلت هذه المفردة في معناها الرمزي فيصبح عندها للمفردة عشرات الدلائل والمعاني وهذا يسهل على الشاعر عملية النظم ويوفر عليه عناءَ البحث والجهد بكل تأكيد بسبب كثرةِ الخيارات أمامه، ولكن بصورة عكسية يؤثر على فهم القارئ وإدراكه للمعنى ، وعلى العموم أتمنى أن يكون المجلد الثاني أجمل وأمتع.
أعجبتي كثيرا قصيدة "ريتا" في ديوانهِ "آخر الليل" والتي يستخدم فيها خلافا لأغلب قصائدهِ معاني وقوافي ساحرة :-
بين ريتا وعيوني.. بندقيهْ
والذي يعرف ريتا ، ينحني
ويصلي
لإلهٍ في العيون العسليّهْ!
.. وأنا قبّلت ريتا
عندما كانت صغيره
وأنا أذكر كيف التصقتْ
بي، وغطّت ساعدي أحلى ضفيره
وأنا أذكر ريتا
مثلما يذكر عصفورٌ غديره
آه .. ريتا
بيننا مليون عصفور وصوره
ومواعيد كثيره
أطلقتْ ناراً عليها.. بندقيّهْ
إسمُ ريتا كان عيداً في فمي
جسم ريتا كان عرساً في دمي
وأنا ضعت بريتا .. سنتينِ.
وهي نامت فوق زندي سنتين
وتعاهدنا على أجمل كأس ، واحترقنا
في نبيذ الشفتين
وولدنا مرتين!
آه .. ريتا
أي شيء ردّ عن عينيك عينيَّ
سوى إغفائتين
وغيوم عسليّهْ
قبل هذي البندقيهْ!
كان يا ما كان
يا صمت العشيّهْ
قمري هاجر في الصبح بعيداً
في العيون العسليّهْ
والمدينة
كنست كل المغنين ، وريتا
بين ريتا وعيوني . بندقيّهْ