What do you think?
Rate this book


58 pages
First published January 1, 1995
مشكلته الجوهرية يا أستاذ فاروق هي التزمت و عدم التكيف. نحن نعيش وسط التغيّر. إنه تغير هائل يطول كل شيء. إن كل ما تعلمناه من آبائنا و أجدادنا و ما حسبناه صلبا و ساذجا ها هو يضمحل و يتحول إلى دخان. المبادئ و التصورات. القيم و الأخلاق. كل شيء. كل شيء يتغير و يتحلل إلى غبار. و أنا لا أبالغ إذا قلت إننا نعيش تحولا ثوريا عميقا. نعم يا أستاذ أسميه ثوريا لأن الثورة الحقيقية ليست طنين الشعارات و ترتيل العقائد و المحفوظات. بل هي الانفتاح على العصر و منجزاته. و على العالم و أسواقه. هذه هي الثورة الحقيقية. إن الذين حاولوا أن يسوّروا البلاد و أن يحجزوا العصر على الحدود انهزموا. و لم تبق منهم إلا بعض الذكريات المريرة. إننا أخيرا ندخل العصر. و دخول العصر لا يمكن أن يتم دون هزات و توترات. هذه المرحلة لا يمكن أن تتعايش مع التزمت و الأفكار الجامدة و الأخلاقيات البالية. هذه المرحلة تحتاج إلى روح مرنة و انسيابية. و من لا يستطيع أن ينمي داخله مثل هذه الروح فسيضيع أو يرمى في مصح عقلي. إن الكلمات و النعوت يمكن أن تتحول إلى نعوت تشل الحركة. خذ مثلا هذه الألفاظ: الرشوة – النهب – الفساد – الإثراء – النصب – الاحتيال. كل هذه الألفاظ الخارجة من قاموس بائد هي قيود يستخدمها المتزمتون كي يعرقلوا عملية الانفتاح. و كي يمنعوا تحديث البلاد. إن العالم العصري ألقى هذه الألفاظ و القاموس الذي يحتويها في مكب النفايات. إنه يستخدم كلمات: المنفعة – العمولة – الربح – اقتناص الفرص – العصامية – المرونة – العلاقات العامة. و في الواقع لا يمكن أن نكون في عصر و أن نستخدم في الوقت ذاته لغة عصر تجاوزه الزمن و اضمحل. نعم كل شيء يتغير و يقتضي أن نتغير.يوم من حياة مواطن تصور أن شرف الوطن أهم من السياسة و أهل السياسة
إنها الدنيا الحقيقية يا فاروق... الدنيا المبنيّة من الطين والدم والشهوات والشراهة. الدنيا الملموسة والعنيفة والقاسية. الدنيا الفعلية التي نحيا فيها. أما تلك التي تظن أنها الدنيا، فليست إلا أوهامًا ونفاقًا وتزاويق كاذبة. مهما بدت الدنيا الحقيقية قاسية وعنيفة، فإن لها أيضًا سحرها الخاص. إنه سحر أسود مُسكِر، لا تُقاس به مذاقات الأوهام الفقيرة والمغثية.