«كلُّ ما في الأمر أنني أريد أن أحيا ولا شيءَ آخَر .. لقد تعرَّضتُ للموت مرتَين؛ مرة شاهدته، وفي الأخرى سبَّبته، وفي الحالتَين ارتعبتُ من مجرد التحديق بتلك الحقيقة التي أسمَوها موتًا.» في اثنتَي عشرة مُحاوَلة قصصية يبحث «غسان نداف» عن النجاة عبر قضايا وسياقات مختلفة، ولكلِّ مُحاوَلة للنجاة توجد صورةٌ ما للموت؛ حيث يَحضُر انتحارًا، ورفضًا للانتحار، وهزيمةً وانتصارًا، وخطيئة، وحربًا، ومُقاوَمة، وتضحية، لتبدوَ النجاةُ هنا وكأنها رحلةٌ للشخصيات في مُقاوَمة الموت، وإعادةُ تعريفِ معنى حياتهم. وتبدأ هذه المُحاوَلات بقصة «هارمونيكا» التي تستكشف سؤالَ الوجود وشكلَ ممارَسته ومُمكِنات استمراريته في سياقِ جزيرةٍ خصبة للحياة والموت على حدٍّ سواء.
أُعجبت بنصف قصص هذه المجموعة. وهي قصص أعجبتني أفكارها، والسرد في بعضها. أما النصف الثاني، الذي لم يعجبني أقصد، فقد غصّت أفكاره بسرده، وغصّت أحداث بعض القصص بمسرحيةٍ واضحة. أفسدت الأخطاء اللغوية عليّ جوّ ما أعجبني، وهي كثيرة للأسف. أجمل القصص برأيي هي: حالة سقوط، وهوية غريب، وحُلم، وخطايا و الرمية الأخيرة.
محاولات للنجاة المجموعة التي قرأتها ليست قصصية بالمعنى الحرفي والأوحد ولا أعلم مدى تعمد الكاتب لهذا الأسلوب الذي وضعنا في محل للسؤال عن ماهية الأسلوب القصصي ؟،وهل هناك قواعد يجب على الكُتاب جميعهم أن يتبعونها في الكتابة .لو حدث هذا لضاع الإبداع وكان الكل سواء وعم الملل أرجاء الكتب والروايات!
ربما أراد أن يكتب لنا مجموعة فكرية فلسفية مغلفة بإطار قصصي ليس بالمكرر،كي يستطيع أن ينثر أحاسيسه وهواجسه وقلقه الوجودي المستمر والذي هو أزليّ عبر تاريخ الإنسان ككل. لم يجد طريقة أنسب من أن يختبئ خلف شخوصه التي خلقها تاركاً اياها أن تفعل ما تريد ولو وصل الأمر بها أن تتجاوز إرادته .
تراهم أحياناً ينتظرون اللاشيء ولا يستسلمون ويكملون طريقهم من سقوط لسقوط اخر حتى السقوط الأخير ،لينهضوا من جديد فاقدين هويتهم وذاكرتهم دون أن يلحظهم أحد سواه ،باحثين بمختلف الطرق عن علاج لحالتهم الأزلية والمكررة عبر الزمن المفقود ،أو الزمن الساقط منهم والساقطين فيه ،ولن يقتصر وقوعهم على الزمن بل سيقعون أيضاً في خطايا أكبر من وجودهم ،تراهم يبحثون كثيراً عن أجسادهم وقيمة جسدهم حتى يصل الأمر للقتل من أجله ،أو من أجل أن ينجوا به من مساومة وحوش الغابات المنهزمة والمُساومة. هل نجحوا في تقمصهم لأدوراهم التي كتبها كاتب مسرحي يكتب نصوص النجاة ويحذفها يومياً؟!
أصعب القراءة تلك التي تكون على صلة بالكاتب ما يجعلك تكون متطرفاً في قرائتك ومدى قدرتك على الإفادة مما قرأت ،قد تندفع بعاطفتك وتبدأ تُهيل المديح والتعظيم للكاتب وتتبعها بجمل من نوع :"يلعن تريخك يزلمة ،يا الله ! ،قتلتني " وهنا قد تحتاج لموسيقى من مسلسل دموع الورد أو باب الحارة كي تصاحب رغيك غير المفيد للكاتب الذي في اعتقادي لن ينتظر مثل هذا المديح ان كان فوق طاقة المكتوب ،ذلك أن النص يكون بريء ولا يحتاج أن يُحمّل فوق طاقته ،وعلى جانب اخر بعد صلتك بالكاتب يكون التطرف من نوع اخر وهو أن تنتقص من الكاتب وتنظر لنصوصه بعين المتعالي وتتحول للعقّاد في نقدها ،وصدقني أنه في أحد المرات كتبت نصاً واطياً حقيراً من خمس أسطر وأقرأتها لأحد المتفزلكين وأخبرته أن كاتبها "كافكا" فانهال عليها بمدائح الرب ،وبعد مرور شهر وأقسم لك بكأس الشاي يا أيها القارئ أنه حصل الذي سأخبرك إياه ، في هذه المرة أخبرته بأني أريد رأيه في نص أنا كتبته وقرأت له نفس النص الذي مدحه في السابق ولكن هذه المرة الكاتب تغير فبدأ الناقد في شتم النص وللحظة شتمني أنا قائلاً لي :"تحاولش تكتب لانها كتابتك جداً بتخزي "،هذا ما أعنيه أننا لا نقرأ بالعقل بل هناك مؤثرات أخرى للفعل ،رغم أن الفعل ليس بالمعقد !
لذا حاولت هذه المرة أن أنجو بنفسي من خطأ التطرف حين قرائتي مجموعة محاولات للنجاة ،وليس ذلك بالأمر الهيّن -على اﻷقل عندي- أن أتجرد كلياً عند القراءة .ربما نجحت قليلاً وغصت بين الشخوص المتعددة وكانت رحلتي معها بالممتعة على وجه العموم رغم أن هذا الإمتاع تأرجح قليلاً في "هارمونيكا" وهاجمني الملل ربما شعرت بأن هناك سرداً كثيراً طال ،وفي أوقات أخرى شعرت أن الحس الفكري والتحليلي تجاوز قليلاً السرد القصصي ،على العكس كان الإمتاع الفكري عال في "هوية غريب" ،والإمتاع القصصي في "خطايا" والذي كان مصحوباً بالإستنتاج دون اضطرار الكاتب للتصريح بالأفكارعبر أبطاله ،وباقيها كان هناك التوازن الذي دفعني للبحث في كل سؤال استخلصته أو صرح به أحد الشخوص ،وكي لا أنسى إن ما قرأته كان شكل جديد وليس بالمكرر وفيه شيء من ملح المدرسة العبثية والعدمية ،لعلني شعرت بهذا كوني قد قرأت سابقاً العديد من مؤلفات كامو وبيكيت وسيوران وغيره ،وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون الكاتب متعمداً هذا بشكل مخطط له فالأحداث التي كُتبت هي السلطان الأول. في خاتمة الأمر صدقت هواجس شخوصه وهذا العامل الأهم في تذوقي الأدب وكل الأشياء.
قصص جميلة رغم عدم تعمّقها في عنصري الشخصية والمكان. تحاكي الفرد عبر سياقه الاجتماعي، فلسفية دون ملل، عميقة دون تعقيد. أكثر القصص التي أعجبتني: حالة سقوط، جسد ومشنقة، شهيد، الرمية الأخيرة، هوية غريب
"كلُّ أطراف الحرب يتسكعون معًا في طريقنا الذي سلبوه منَّا، أما ضحايا الحرب فقد رحلوا قبل أن يعرفوا بأن الحرب ستنتهي بقرار القائدين .. بتصريح واحد. بلحظة .. دون أن يكترث أحدٌ بمن انتصر ومن الذي هُزم .. كل ما في الأمر أن الحرب هزمت الجميع"
"كان يجب أن أبقى هناك في الرحم، ذاك هو عالمي أنا، هناك حيث العالم وأنا شيءٌ واحد. كان الأجدر بي أن أبقى هناك وأكبر فتكبر بطنُ أمي معي .. نكبر معًا أنا والعالم الدافئ"
"فما معنى الجمال إن غِبْنا عنه؟ وما معنى الوجود بأكمله إن غاب مَن يُدركه؟ صدِّقيني: نحن عابرون رغم كل ما نفعله؛ صراعاتنا، حقائقنا الصغيرة والكبيرة، انتظاراتنا التي تسخر منها، كلها ستهوي إلى عدمٍ لحظةَ موتنا! – شيءٌ ما يبقى .. وإلَّا لِمَ نحيَا؟ غابَت مجددًا في عَزْفها وغِبتُ مجدَّدًا وأنا أومِن بأن شيئًا ما يبقى .. أعرف جيدًا أن حياتنا ما هي إلا رحلة من الولادة إلى الموت، وأن وجودنا ما هو إلا محاولة لأن نخلِّد الطريق والرحلة، لقد ذقتُ من البؤس أكثر من غيري، ورغم ما عشتُه من تعاسة وفقدان، إلا أنني ازددتُ إيمانًا بحقيقة بسيطة خاصة بي وهي أن الحياة نفسها هي مشروعي في الحياة"